قال لي باسما بنصف ضحكة كأنما يهزا من الأوضاع الحالية:
يا استاذ لم يعد هناك من يسأل عن أصل أو فصل أو حتى قصة وتاريخ أي آخر.
الحياة سوط يلهب ظهور الغلابة..
وكما ترى فإن أهل بلدنا كلهم فقراء إلا من سرق أو نهب ..
اومات له بأني أتفهم مايقول .. ووعدته بنظرة تعني اني لن أسأله مرة أخرى عن قصة جمعه المعزة ..
انتهى الحوار مع معلم القهوة الذي جلست عليها للمرة الأولى بعد ثلاثين عاما من الغربة .. واصطحبت ابن اختي الذي دلني عليها ورجعنا للمنزل .. ومازال منظر جمعة المعزه واسمه أيضا يثيران اسألة كثيرة في ذهني عما حدث .
كنت قد لاحظت وجود كثيرين بيننا يهيمون على وجوههم وثيابهم ممزقة وكأنهم قطعان من البهائم السائبة بلا أهل أو أصحاب ويجوبون الشوارع بحثا عن لقمة وقرش وهدمة تداري عوراتهم . احسست انني منفصل تماما عن الواقع .. ولذا ظلت محاولات تلمس الطريق والحرص على وضع قدمي في الموضع المناسب هاجسا مملا ..
جعلت أراقب تصرفات البشر لافهم كيف هي أفكارهم وتصرفاتهم .. حتى اللغة كانت صعبة في البداية .. ولم يكن لي بد من معاودة الجلوس بالمقهى .. أي مقهى من العدد الكبير المنتشر بالبلد .. وكانت فرصة رائعة لمشاهدة كثير من امثال جمعه المعزة ..
أصخت السمع لحكايات وروايات كثيرة بعضها يخالف البعض الآخر .. وكان حجم الحقيقة التي احسستها ضعيفا جدا .. ولم المس إلا أن الناس فقط تعتقد أن وراء جمعه ثروة طائلة ..
وبالرغم من حالته الصحية وملابسة الرثة فقد كان الجميع ينتظروا موته لينقضوا على الثروة المتخيلة .
رافق كل ذلك اختفاء غير طبيعي لجمعه وان ظهرت بدائل كثيرة له من رجال ونساء سافرت عقولهم بلا رجعة .ظل ما حدث له هاجس جعلني اخزن كل ما سمعته عنه وقد كان ذلك من غرائبي التي أمارسها أحيانا .. أي الإهتمام بفرعيات لايعيرها الناس أي انتباه وقد كان اسمه غريب ولايليق بأى إنسان ورغم ذلك كان هو الانسب لجمعه .. يظل يبرم البلد القديمة على قدميه الحافيتان المشققتان وهو يسعل كمعزة لديها زغطة مزمنة .. ولاتنفك ترسل هذا الصوت حتى تثبت للجميع انها مازالت على قيد الحياة .. وقد واظب جمعه على افتعال هذا الصوت حتى أصبح دليلا عليه والتصق باسمه في اذهان الجميع لنصف قرن على الاقل .
غياب الهدف من أي عمل قد يفسد متعته على من يفعله .. ورغم غياب هدف جمعه المعزة مما يفعله .. أو هكذا يبدو للجميع بالبلد إلا أنه كان يتلذذ بشيئين مهمين في حياته ..
الاول وهو تقليد صوت الماعز والثاني وهو التسول رغم أنه كان يأكل في أي مكان يذهب له سواء كان مطعم أو عند البقال أو حتى محل الحلويات وايضا الفطاطري .. ويحلو له دائما ان يدخل محل أبو حازم ليلتهم ما لذ وطاب من اصناف الحلويات الشرقية ..
والغريب انه كان يرفض تناول الحلويات الغربية تماما .. كان لديه انتماء للبلدي .. ودائما ما يقف عند حسنات بائعة الخضار ليقضم خيارة او حبة طماطم مع بعض الفواكه ويقول دائما .. البلدي يوكل ..
هذا الجمعة الذي تجاوز عمره الثمانين عاما يسير بعكازين مزركشين بنقوش غريبة مرتديا جلبابا مرقعا كمهرج بالسيرك ويضع اكثر من عشرة خواتم معدنية بأصابع يديه ولاينزعها أبدا .. كما لايسمح لأحد بإنتزاعها من يديه حتى لو كانت تؤلمه .. كان مولعا بتلميع هذه الخواتم المعدنية .. ولايدري أحد إن كانت من فضة أو حديد من شدة بريقها بأصابعه .
قادني فضولي لمعرفة أين يسكن .. كوخ بائس قذر رطب .. فارغ الا من قلة قديمة و حشية خشنة عليها بطانية رثة ووسادة من بعض الملابس القديمة المهلهة .. ينام في صمت يعاني أوجاع شتى ..أومأ لي بما يعني أنه مريض جدا .. أعطيته ما استطعت وسألته الا تريد شيئا فنظر لي كأنما يقول قد اكتفيت من هذا العالم .
تركته ونقلت الخبر لبعض مرتادي المقهى بالليل .. سمعوا الخبر وكان شيئا لم يكن .
صبيحة اليوم التالي ذهبت للإطمئنان عليه فهالني ما وجدت .. خلق لا أول لها ولا آخر .. مجمتمعين في حلقات حول الكوخ القابع على أطراف البلدة وعلى شاطئ الترعة الكبيرة .. همس وهمهمات وكلام عالي الصوت .. اقتراحات ومداولات عما يجب فعله .. انتهت إلى لاشئ .. دخلت عليه فوجدته قد فارق الحياة وبدأت مراسم البحث عن ثروته هي النغمة الغالبة على كل الحضور .
- جمعه المعزة
- التعليقات

