وتنسل من جسده القديم، مبتعدة ترسم طيرانا آخر، بعيدا عن وجهة طائرها الماكر الذكي، الذي تعلم مسح أثار الجريمة، تعلم أن جريمة الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه، لن يعاقبه عنها إلا ضميره الصغير، ولن يمسح تلك المعالم السوداء، إلا التراب الأسود بفعل القتل والجريمة والحزن، آلام صنعها الفرد ضد الآخر، أو ضد الاخرين، لكن الأصعب أن يرتكبها ضد نفسه…
تخلص الجناح الذي تعود الطيران وفق إرادة غراب بائس، موجة ريح تبعده عن جدرانه المألوفة، وتبعده أيضا عن صورته المغبشة، وهو يتخبط في أركان مزبلة خلفها بشر القرى المجاورة، يلتقط فيها أسرارهم المادية المعنوية، وكأنه لم يكن يعرف قيمة جناحيه الجميلين اللذان قد يمكنانه من العيش على قمم الجبال ليقنص طرائد طرية دون منازع في سمائه التي لا تعرف قانون القيادة، أو بوصلة تحديد معالم ما، يمكنه أيضا أن يسبر أمواج بحور العالم، ويصطاد من السمكات طازجها بحرية مناقير حادة، الغراب ذاك ألف المزابل لأنها تحرره من قيود التعب في الأعالي وفن عوم لا يدرك لذة الاستمتاع بها إلا الأقوياء على شاكلة النسر، أو الصقر الذي لا تتحكم خرائطه حدود…
تطير الريشة بعيدا عنه، وتغيب كليا عن أفكاره المسمومة، وتطوف على البيوت المرسومة وفق بيانات، ظن الغراب أن الإنسان غبي ولا يتقن فن الدفن، لم يكن يدري أنه كان يخطط لإحراق جثة أخيه، لكي تنعدم المعالم كليا، تميل الريشة صوب الاقتراب من الأرض، تتطاول على البنايات وكأنها تتجسس على الساكنة متوسلة يدا ناعمة تحتفظ بها بين دفات كتاب أو بين أدوات فنان..
الضوء ينبعث من نافدته، كان وحيدا، مستلق على سريره يخطط لمشروع فني، أم أنه كان منهكا من تصنيع حوار جميل بينه وبين تلك الفتاة التي كان يتربص بها لأعوام مضت، لم يكن يعلم أنها تنتظر منه إشارة واحدة لتكون قطعة قماش حريري بين يديه، لأنها تبدو طيبة وحسناء، تشبه رسوماته التي كان يصنعها لها في خياله، بين تلك الأفكار الجميلة، وكأن الريشة تطلب تدخلا رسميا في رسم ملامح قصته، وهي تتسلل عبر شباك النافذة، النسيم الصباحي يمازح الريشة وهي كالفراشة منسلة بين الأصابع، توحي بلوحة جديدة، تعلو كل اللوحات، لأنها ستمتزج بقصة الفتاة الولهانة كما هو، كان الفنان متيقنا أن موضوعه سيكون مكتملا في نص تعبيري جميل، لأن الريشة ستبدل جهدها لتكون ضيفة عزيزة على المكان، لم يتردد صاحب الألوان من لمس جناح غراب تائه، ريشة تبكي لأنها كانت محرومة من رسم اللوحات بدل تخبطها في المزابل البشرية…
كانت الريشة من أجمل أدوات الفنان، وهو يقوم بدهنها، ووضعها في غمد ورقي بعيدا عن الغبار وروائح الصبائغ…
الغراب هنالك يجول فاقدا ريشته المميزة، وكأنها الوحيدة التي تدله طريق اكتشاف مزابل القرى، بينما هي تنعم بالظل والتلميع…
الرجل الألماني المجاور الذي يسكن المدينة، يعلم بأن صديقه الفنان يتقن رسومات للطبيعة، ويعبر في لوحاته عن ظلم البشرية وسطوها على مسح ملامح الجمال، لم يكن يتردد لزيارة التشكيلي الجميل، وسط زحمة الانبهار والدهشة التي أطفتها الريشة الجديدة على اللوحات، طلب منه أن يرسم له لوحة لجميع أشكال الطيور، بينما هو يحاول، وإذا بغراب يطل من النافدة، وكأنه يطالب بعدم رسمه، لأنه لم يجد ريشته المفقودة بعد، ربما كان قد أعد لها قبرا في الغابة، ليتخلص من بعضه، وتنتفي الجريمة في قلبه قبل أن يموت…
- جناح غراب
- التعليقات