بدأت جنى تتوصّل عبر بريدها الوارِد وبشكل منتظم برسائلَ مختصرة من أحد الشبان، تحمل تلميحات الاعجاب وإشارات الرغبة في توقيع علاقة صداقة، تهدف إلى تبادل المعلومات والصور والآراء، كما يفعل أقرانها إناثا وذكورا بواسطة شبكة التواصل الاِجتماعي. لم تكن لتهتمّ بهذا الشاب، لولا زياراته اليومية والمتكررة لحسابها، وتسجيل “أعجبني” والتعليق الإيجابي على كل ما تدوِّنه على جدارها. دخلت حسابَه الخاص، وأوّل ما شد انتباهَها، صورُه التي يزيّن بها لوحة الحائط الخاصة به. إنه شاب لا يكبر سنها بكثير، يشع الإغراءُ من عينيه، ويمتلك وَسامةً آسِرةً لا تقاوَم، ترْضَخ لسِحرِها كلّ فتاة تُؤمن بقدراتها الأنثوية وتظنّ نفسَها مُحصّنة من كل استهواء ذكوري. أمّا بالنّسبة للمعلومات الخاصة به، فقد استَقتْ من الصفحة الخاصة بذلك، أنه عازب، مسلم، طالب يدرس بالمدرسة العليا للمهندسين، يقطن بنفس المدينة التي تسكن بها، وضمن الاقتباسات المفضلة دوّن ” أنا لي فؤاد… في هواكِ عليل”. قرأت العبارة مرات، تأمّلت معناها رغم وضوحه وتساءلت: ” تُرى مَنْ يقصِد بكاف هواكِ؟”.
وجدت جنى نفسَها مستغرقةً في سَهْو طويل أمام صورةٍ من ألبومِه، يمسك فيها بين يديه قيثارة يعزِف على أوتارِها ويبتسم ابتسامة هادئة، وزرقة البحر من خلفه تضفي على المكان جمالا ينضاف إلى جمال صاحب الصورة. أحست بنوعٍ من الحرَج أوّلا، والخجل ثانيا وهي تتحسس ملامحَه في كل صورة، وما لاحظته جنى في أسفل حائطه، هو أنّ حسابَه حديث النشأة، لم ينضم إلى شبكة التواصل الاجتماعي إلاّ مُؤخّرا.
رغم أنّ جنى فتاة كَتوم، لم تستطع مقاومةَ الرغبة في الكشف عن سِرّ هذا الشابّ الافتراضيّ الذي بدأ يهتمّ بها غمزا وإشارة، فقرّرت إخبارَ أوار خاصّة، وهي زميلتها في الثانوية، وتعتبِرها أعزّ صديقة لها والأقرب إليها منذ المدرسة الابتدائية، حيث كانتا تدرسان معا، وهي تثق بها ثقة عمياء وتُكِنّ لها الحبّ والاحترام، ولا تذكر يوما خذَلتْها فيه أو مسّتْها بأدنى سوء.
أبدت أوار حماسا وإعجابا واضحيْن، فشجّعت زميلتَها على التجاوب مع الشاب بشكل كبير، و اتخاذ المبادرة بين الفينة والأخرى بإرسال رسائل نصّية إلى بريده، تُبادله فيها نفس الإعجاب، وتمرِّر إليه عباراتٍ مُفعَمةً بالأحاسيس والمشاعر المرهَفة، وأن تضاعف تعليقاتِها على ما يضعه بصفحته. وأردفت أنها قد تكون مناسبة سانحة لتغيير موقفِها من الذكور، والخروج من بعض الانطواء الذي بدأ يُغلّفها مع بداية المراهقة، بالإضافة إلى أنّ هذا الشاب الاِفتراضِيّ قد ينسَلّ من افتراضيته ويصبح حقيقيّا، ماسِكا بيده باقة ورد تتفجّر حمرة، وناطقا بكلمات الحب والإعجاب وهو ينحني أمامها مبايعا مُتضرِّعا:
– لا تُفوّتي عليك الفرصة، كوني حوّاء حقيقيّة… إنه وسيم يا جنى، وسيم ومهندس… و يقطن بجانبك… في المدينة نفسها….
اِبتسمت جنى في وجه صديقتِها ابتسامة خفيفة، تلاها نوع من الشرود أيقظها منه رنينُ الجرس معلِنا فتح باب الثانوية، فذابت في أمواج التلاميذ نحو الساحة.
مرّت أسابيع وجنى على اتصالٍ بهذا الشاب الاِفتراضي الذي أصبح شابَّها، فقد تطوّرت علاقتُهما بوتيرة سريعة عبر كلّ الوسائل المتاحة: الحائط، البريد الوارد، وخاصة الدردشة، إلى درجة أصبحت فيها منشغلةً عن كل اهتماماتها السابقة وبالخصوص واجباتها المدرسية، غير مبالية باقتراب موعد الامتحان النهائيّ الذي سيؤهلها للولوج إلى المدارس العليا. لقد قامت بتحميل كلّ صورِه سواء المنشورة على حائطه أو التي خصّها بها لوحدها، وجعلت من صورة الغلاف صورتَه التي يعزف فيها على قيثارته ويبتسم ابتسامة هادئة خلف زرقة البحر، كما استبدلت الصورةَ الشخصية التي امتدت عليها سُحب داكِنة عبر الأفق بصورتِها، بدتْ فيها أفضل ممّا هي عليه في الحقيقة.
لم يعد هذا الشاب بالنسبة لجنى غريبا أو صديقا عاديا أو ذا ميزة خاصة، بل أصبح حبيبَها. نعم حبيبها، تقولها وبصوت عالٍ يملأ رحاب الدنيا. أحسّت في البداية بانجذاب طبيعيّ نحو هذا الوسيم الذي لا تُقهر وسامتُه، فاتخذت كل الاحتياط حتى لا تنساقَ مشاعرُها أمام مظهرِه الأخّاذ أوّلا، وكلامِه الأنيق والجميل ثانيا، لكن أن يقول لها أثناء الدردشة بأنه أحَبَّها لأوّل نظرة إليها وهي تغادر الثانوية، فهذا أمر خارِق بالنسبة إليها، وأقوى من طاقتها. وحتى لا يخامرَها أدنى شكّ في حبه لها، صرّح لها بأمور كثيرة تخصُّها، كاسم ثانويتها ونوع لباسِها، ومهنةِ أبويْها وعنوان منزلها، وحتى أسماء بعض صديقاتِها…
على يديْه قطفت جنى من شجرة الشِعر قوافي الحبّ والصَّبابة، من خلال القصائد التي كانت ترِدها منه، والتي أجّجتْ عاطفتَها وأَلهبتْ هذا المولودَ الجديد الرائعَ الذي وُلِد في حياتِها كبيرا ودون سابق انذار. أَلْفتْهُ سماءً ماطِرةً بالكلمات الساحرة وبطاقات الحب العطِرة بحُمرة الورْد القانية، سَقتْ جذْبا فرَوتْه، ولمست قلبا فأنبضَتْه. هكذا أصبح هذا الوسيم يسكنُها، يسري في دمها، ينسج بقسمات ملامحه أفقا ورديا يناديها عروسا في يوم سَعْدها، تراقِص حبيبَها تحت نغمٍ عذبٍ سَلْسالٍ هو نَبْض قلبيْهِما…لم تتردّد هي أيضا في الكشف له عن طوفان حبه الذي اجتاحها دفعة واحدة، ولم يُمهلها ولو لحظة تلتقط فيها أنفاسَها، وتستعدّ لاستقبال هذا الوافد الجديد الذي لم يكن في الحُسبان. أصبحت تحيّتُها في الدردشة “أحبك عمري” مصحوبة بِقُليبات لا تُعدّ، لتدخل بعد التحية في بوْح مُباح لا يتوقف إلاّ في ساعات متأخّرَة من الليل، ليستأنفَ مسيرَه الممتع في لذّة اللقاء والعناق على فراش الأجفان المطبقة.
لم يعد التواصل عبر شبكة التواصل الاجتماعي يشفي غليلها، فجنى تريد أن ترى حبيبَها بلحمه ودمه أمامها، تُلامِس أناملَه، تُداعِب نظراتِه، تستنشق أنفاسَه، تهمس في مَسمعيْه ما تعوّدَتْه دردشة… الشوق إلى رؤيتِه عذّبها، بعثر تفكيرَها وأربَك طريقةَ التعامل مع هذا الاِفتراضيّ الذي تريده حقيقيّا وتراه بأمّ عينها. اِلتجأت إلى صديقتِها أوار تشكو إليها أمرَها علّها تخفّفُ عنها معاناتها، أو تُملي عليها ما يساعدُها في علاقتها مع حبيبها، فهي تعرف قصتها الغرامية من أوّلِها:
– الأمر في غاية البساطة صديقتي، اقترحي عليه موعدا…
– لكن، لماذا لم يبادر هو أوّلا… اسمعيني أوار، الأمر صعب عليّ والله..
– قد يكون خجولا… وينتظر بدوره الدعوة منك أوّلا، فكثير هم الرجال من هذا النوع…
– ولكن…
– أنت لا تعرفين معنى الحبّ إذن يا غَريرَة…الحبّ تضحية وتضحية…
– ولكن…
– ثقي بي جنى، إنه ينتظر دعوتَك. أطفئي هذا اللهيب الذي بداخلِك بلقاء حبيبِكِ الوسيم… ستلتقين به، وسيملأ حياتَك بالسعادة الحقيقيّة لا الوهمِية…
تردّدت جنى كثيرا في اتخاذ المبادرة، واعتبرت اقتراحَ صديقتِها خدْشا لكبرياء أنوثتِها، لهذا لم تستسِغ الفكرة، وقرّرتْ أن تُمهل نفسَها بعض الوقت تستأنِس بها. ” لكني اريد لقاءَكَ، اريد لقاءَكَ، إنكَ حبيبي، حبيبي… احبُّك وتحبُّني… سأُمرّر إليكَ بعض التلميحات وستفهمُها سريعا حبيبي، ستفهمُها بروحكَ التي تسكنُني… سأضع يدي في يدِكَ و نطير بعيدا حيث لا أنفاس إلا أنفاس حبِّنا…”.
وفي المساء وكعادتِها، اختلت جنى بنفسها أمام الحاسوب، وجدت حبيبَها متّصِلا بالشبكة فحيّتْه بعبارتِها “أحبّك عُمري”، مصحوبة بالقليبات المعتادة، ودخلت في بَوح جديد بِتجلّيات هذا الذي بداخلها يلتهِب، وفي نفس الوقت تنتظر الفرصة المناسبة لتقتلع منه موعدا ثمينا أصبح هاجسَها الأكبر، لكنّ حبيبها تدخّل وبدون مقدّمة يطلب منها ما تنتظر، موعدا في أقرب وقت ممكن، وكأنه يقرأ في أحاسيسها أكثر مما يقرأ في أفكارها. أحست جنى حينها بالخجل والارتباك والفرحة… توقّفت عن الكتابة، وبعد هُنيهة، أعلنت موافقتَها وهي في تمام سعادتِها، ثم حددا الزمان والمكان.
رغم أن الموعد قريب، فإنّ الزمن بالنسبة لجنى بدا دهرا، تمرُّ اللحظة فتشيبُ معها شعْرة، لكنها تأهبت نفسيا بما يكفي. اِرتدَت فستانا بحمرة قانية، وأسدلت شعرها متوسط الطول. طمأنتْها المِرآة، وغادرت تحت وقْع قلبِها المدوي، بخطى حثيثة جعلتها في المكان المحدّد، دون أن تُحسّ كيف قطعت المسافة. وبشكل مفاجئ، وجدت نفسها أمام أوار وثلاث من زميلاتِها ينظرن إليها وهنّ يضحكن ويتبادلن الغمزات ويحاوِلن معانقتَها وتقبيلَها…
خرجت أوار وزميلاتُها من المِصحّة النفسية بعد عِيادة جنى، يتلبّسُهنّ الحزنُ والألم لِما وقَع، يَسِرْن صامِتاتٍ بخطى وئيدة، يُسيِّجُهن الإحساس بالذنب، ويخِزهنّ سوءُ التصرف والتلاعب بمشاعر زميلتِهن. وَقْعُ الصدمة على أوار كان الأقوى، فهي صاحبة فكرة طائشة خالتْها مزاحا، لكنها ضربةٌ قاضية لفظت بلا هوادة صديقتَها على سرير الأمراض العقلية والنفسية.

أضف تعليقاً