بعد انتصاف الليل بقليل أتممتُ توزيع العلاج للمرضى الراقدين ، مناوبتي الليلية في كل اسبوع مرتين يومي الأحد والخميس . الليلة الآن ليلة الجمعة اضطجعتُ على فراشي في غرفة المراقبة، ثلاثة أسرة أمامي، ممكن مراقبتهم عبر الحاجز الزجاجي .رجلان وامرأة ، مهمتي لن تكون صعبة لكون وضعهم الصحي مستقر .أجهزة (المونيتر )المنتصبة عند كل سرير تشير إلى استقرارنبضات قلوبهم .أطفأتُ الأنوار الساطعة وتركتُ الأضواء الخافتة متوهجة وأحكمت اغلاق الباب الرئيس . بعدهذا الوقت انتصاف يُمنع الدخول لأي كائن مهما كان باستثناء الطبيب الخافر. تمددتُ فوق سريري وعيناي تنتظران صوب المرضى النائمين ..الرجلان الكبيران يغطان في نوم عميق منذ الغروب باستثناء تلك المرأة العجوز التي كانت تثب بين حين وآخر كأنها تعاني من كابوس يؤرقها وينغّص عليها نومها .
ما أن اغمضتُ عيني حتى حلّ ظلامٌ دامس شمل المكان برمته .حتى شاشات المونيتر التي تسجل نبضات القلب توقفت وانطفأ شعاعها .اعتدلت فوق سريري منتظرة أن يعود التيار الكهربائي إلى صالة الإنعاش . طال الوقت ولم أرَ بارقة أمل فشعرت بتوجس غريب يجتاحني ، تلك حالة غريبة لا تتكرر في هكذا مكان .فجأة رأيت دخاناً رمادياً يخرج من جسد المرأة العجوز ويلتف كالخيوط مرتفعاً نحو الأعلى مكوناً كائناً يشبه الجسم البشري . بعد قليل توضّحت ملامحه فقد بان له قرنان في رأسه وله ذراع طويلة وذراع قصير ة، رأيته متشبثاً بسقف الصالة فوق جسد المرأة العجوز مباشرةً وهي تختلج تحته بحركات غريبة.
يبتسم مكشّراً عن أسنان بشعة ، عيناه تومضان ببريق شديد .أمسكتُ أُكرة الباب لأفتحه كي أهرب ، الباب كان مقفلاً،انطلقت مني صرخة ظننتها أنها ستفزع المرضى الراقدين ولكن محاولا تي في إيصال صوتي لم تجدِ نفعاً ، فلا أحد يسمعني البتّة .أمسكتُ بمفل رأس قناني الأوكسجين الضخم ورميتُ به الزجاجة الكبيرة ، ضربتها مرتين ، الزجاجة بقيت على حالها كأني أضرب في الفراغ، رأيته يتحرّك من مكانه ويقفز عبر الحاجز الزجاجي ليستقر في غرفتي الصغيرة ثم يقفز نحو المروحة المعلقة بالسقف ليستقر فوقها .المروحة متوقفة منذ شهر فبراير .
التصقتُ بالباب أحاول إخراج هاتفي الخليوي لأتصل بالنجدة .الهاتف مغلق لنفاد الشحن .سمعته يضحك بضحكة مجلجلة تحاكي تكسّر صحون السيراميك قال لي بصوت غريب كانها يصدر من أعماق نفق عميق :
_كل شيء معطّل في هذا المكان أيتها الممرضة الذكية ..حتى قلب تلك الساحرة العجوز .
_ماذا ؟!
_نعم.. لقد ماتت تلك المريضة اللعينة فور خروجي من جسدها .
قلت له بصوت لا يشبه صوتي :
_لماذا قتلتها ..ما ذنب تلك العجوز المسكينة؟
_ليست مسكينة… إنها ساحرة ملعونة ،استدعتني لقضاء حاجة لها ورفضت شروطي التي أمليتها عليها …إنها تستحق الموت لأنهالم تحترمني وأنا زعيم قومي .
قالها ونفذ من خلال الزجاجة ليستقر عند الباب الرئيس ..قبل أن يجمع خيوطه ويتلاشى قال لي :
_انتهت مهمتي الآن ….وداعاً .
لم أصدق اختفائه ، أدرتُ أُكرة باب الغرفة فانفتح بسهولة، ثم أشتعلت الأضواء لوحدها ، عادت أجهزة القلب تعمل كما كانت ، اقتربتُ من المرأة العجوز تحسسّتُ نبضها ، كل شيء فيها متوقف تماماً . تفحصتُ بؤبؤي عينيها كانا كالزجاج المصقول .شاشة (المونيتر) مؤشر السهم فيه خط مستقيم .غطيتُ وجهها بالشرشف وأخرجتُ الموبايل من جيبي لأخبر بالطبيب الخافر .درجة الشحن تشير إلى الصفر . أخرجت الشاحن من حقيبتي اليدوية وأوصلته بالموبايل وقلبي يعتصر ألماً لما حدث .بماذا سأخبر الطبيب، وماذا سأقول لذويها لو وجدوها ميتة ؟
رفعتُ رأسي نحوها، مددتُ يدين مرتجفتين لجس نبضها لعلني أكون واهمة أو أن ذلك الشبح يكذب عليّ ، رأيتُ الأسلاك المربوطة لجهاز القلب منزوعة الرؤوس
والسرير فارغاً !.

أضف تعليقاً