على جدران السجن العتيق، تقشر التبليط، وتبصمت الحيطان، وخلفت عنوان ألف زائر بلا رغبة، جدران تحكي صدأ الماضي، صدأ النسيان، ثم صدأ مرايا الوجوه الأخرى الراحلة من سجن إلى سجن، كان النزيل ذي الرقم 127، آخر سجين سيتم ترحيله إلى وجهة غير معلومة، في الغرفة 712 ترك الرسالة، رسالة مبهمة، مربكة لأنها لا تعني النزلاء الجدد، على الحائط الموالي لسريره المتلاشي المتآكل، شقوق ورسومات، منها العفوية والمصطنعة بفعل أظافر اليائسين والبائسين ممن سبقوا إلى سفينة فقدان الحرية، تلك الرسومات تعبر عن أشكال رمزية لأناس فكروا بأن يكون للإنسان أجنحة، متى تخلص من أوهام بقائه رهن تفكير في الحيطان، والسياجات المصطنعة، أشكال تعبر عن مكنونات ماضية، وأعماق روتينية التكوين، سببها الإنفلات النفسي، أو زراعة غرسية الطبع، خلقاها الآباء في الأطفال دون نية، لأن الرعب سائد بحكم الذات المتوترة في الذات، عبر أزمان لا حقن فيه ولا توجيه، أشكال عفوية بحكم الزمن، بحكم تقادم الحيطان، يهرول الذبول في البناء القديم ليطال الجرح الجديد، في الشكل سنبلة مجروحة، سقطت منها الحبات دون ترتيب، على الجدران قصص وتراكيب، في الشكل أيضا عصفور فقد صوته، لأن الحرية تعنى الترتيب، على الجدار موسيقى، استقاها الجلاد من سوطه المعتاد، في الشكل قرية ذابلة ترعى الشعراء الذين تركوا البلدة عنوة، ليصطادوا الحرير في الجزر البعيدة، مع آخر اللمسات العينية للنزيل الأخير، تتساقط وريقات التبليط، كأنها في آخر موعد مع الانهيار، النزيل انتقى الأشكال الرمزية لتكون غلاف روايته السجنية، رواية كثر فيها اللون الأحمر، سماء سوداء، برج غير مرمم، تلفاز لم يعد صالحا، النزيل أحس بأنها نهاية الكلام، في الغد تدخل سيارة اسعاف مخصصة للسجناء، في المستشفى القديم، يجد السجين الأخير عدة مرضى، وفي الواجهة رسومات قديمة، قيل عنها أن الوقت مزال طويلا، والليل قائم في بدايته، سأل عن رقم الغرفة، أخبروه أنها 217…
- حبيس الترتيب
- التعليقات