كانت الأيام تمر ثقالا كالغمام، وكنت أنظر لمثواه الأخير، إلّا أن هول الصدمة في تلك اللحظة أفقد وعيي عند قبره، فرأيته كقديس بين يديه صولجان وإيماءة منه تنصاع له الأشياء من حوله، وكذلك أيام الوجد حين يعزم على أمر تلبى له ما يريد، وكنت عن كثب أراقبه دون دراية منه لأسبر مكنوناته حتى يزيد عشقي وهيامي له، أجل أحببته بكل ما أملك من المشاعر والأحاسيس، كان هو الفارس الذي أحببته وكان حلمي الذي سأحققه في يوم ما، كنت أرصد كل ما يتعلق بحياته بأدق التفاصيل التي سبرتها، وأنا كفراشة حائمة تبحث عن خلاصها بين الزهور لتمص رحيقها الذي يمنحها الحياة، وكذلك شممت عطره وأخذت رحيقه ليتغلغل في دمي وأنقل جيناته إلى جيناتي، كنت مهووسة به، رجاحته، حسه، بهاء طلعته وذاك القد المياس، لقد أشعل بقلبي نار الحب والوله…ترى كيف الوصول إلى قلبه؟ يا إلهي ما العمل وكيف سيعرف أنه الحبيب الوحيد في حياتي؟
كان عمله في السوق شراء المواد الغذائية وبيعها من عامة الناس، راقبت تصرفاته عن كثب وهو يشتري منهم ويبعها في أماكن أخرى ليربح، شاهدت تسامحه مع الناس يعطي أكثر من باقي الباعة ليرضي ضميره لما يعرف من معاناة الناس في هذا الحصار على بلدي، كان منهمكا في عمله الدؤوب، قدحت الفكرة في تلافيف رأسي أن أبيعه بعض من المواد الغذائية، في الصباح الباكر لملمت بعضي وأشيائي لأكون أول البائعين له، عند نزولي من السيارة تجمع حولي رهط من المتمرسين بهذه الصنعة التي تحتاج إلى نوع من الحذاقة،إلّا أني لم أره البتة، حاولوا إقناعي وعرضوا عليّ سعرا جيدا إلّا أني لم أبع لهم بضاعتي، ركنتهم جانبا ومضيت أمشي وسط السوق لقتل الوقت، قد يأتي وأعاود وأبيع ما حملته إليه بثمن بخس، لكنه لم يأت أبدا ذلك اليوم الذي أكن له كلاما قد يدخل قلبه ويحسسه بما أعاني، قفلت راجعة إلى بيتي والأسى يمزق قلبي عليه شيئا فشيئا ، ترى لِمَ لم يأت؟أعائق منعه؟أم حدث شيء ما؟…أوه لا أريد أن أسبق الأحداث سأعاود الكرّة غدا من جديد وحتما سألاقيه ولابد من هذا الحتم، وبعد أن أعلن الديك صياحه لفجر جديد كنت أول المستيقظين من أهلي،لملمت بعضي و بضاعتي قاصدة السوق العتيق الذي يخلو من البضائع الأساسية، الناس مساكين يبيعون بعض موادهم الغذائية ليشتروا الكيروسين ليحميهم من البرد القارس أو المكيفات الهوائية ليقيهم شدّة الحر والجوع رابض بأحشائهم أي دمار ينهش بوطني ونحن أغنى البلدان، كنت أحدّق في وجوه المشترين لبضائع الناس وكأنهم ذئاب كاسرة لا يعطون الأشياء حقها إلّا حبيبي كان لبقا وإنسانيا مع الناس البسطاء، كان يشعر باحتياجاتهم ويلبي لهم حتى لو خسر في البضاعة التي يشتريها،المهم يريح ضميره تجاه نفسه والآخرين، انتظرته هذه المرة طويلا حتى قدماي كلّتا من الذهاب والإياب، لم يحالفني الحظ في المرة الثانية، قلت عسى أن ألقاه في الثالثة، كان إصراري شديدا وأصبح شوقي إليه أشد لأنه شغل بالي ليوميين متتاليين لم أره، ما الذي جرى له؟ هل هو مريض؟أم أصابه مكروه؟لا أعلم…بدأت الأفكار تجتاحني وتفتك بي، فهممت بالذهاب إلى البيت فإذا به أمام عيني، بدأ الارتباك جليا عليّ، لا أعرف ماذا أقول له،وهو كان أشد استغرابا لوضعي ولتحديقي إليه، تقدّم نحوي وسألني:
_ هل أستطيع مساعدتك؟، أجبته:
_ لدي بعض المواد الغذائية أتشتريها أم أبيعها لغيرك؟…، قال:
_ نعم أشتريها. وهو منهمك في تفتيش رحلي وما حملت إليه وأنا ساهبة ممعنة النظر وموغلة في وجهه المكتنز طيبة وسحرا، وكثيرا ما حدثت نفسي باستغراب، أحقا أكلمه ويكلمني وأشم أنفاسه التي امتزجت بأنفاسي؟ يا لهذه المصادفة الرائعة والغريبة حين تأتي لا يعرف المرء كيف يتصرّف لحظتها؟ سألني وكنت شاردة الذهن بما أحدث نفسي.
_أي مبلغ تريدين ببضاعتك؟، قلت:
_ إليك يرجع الأمر والسعر. قال:
_ سأعطيك بما يرضي ضميري وما تستحقه بضاعتك, ثلاثة آلاف دينار، أعتقد مبلغ جيد تستطيعين الحصول على ما تبتغينه.قاطعته وهو لا يدري بنار الحب التي كوتني،قائلة:
_ على رسلك، كل ما تدفعه سيفي بالغرض، إلّا إني لست بفقيرة ولست بعوز أصلا لهذه المواد إن شئت أعتبرها هدية مني إليك ولتكن هديتي هذه شيئا للذكرى أو لصداقة جديدة بيني وبينك فهل توافقني؟.قال:
_ آنستي… هديتك قد قبلتها ولكن أكراما لي أن تأخذي مبلغي هذا واجعليه في خزانتك،وموادك سأعطيها للناس الفقراء هل يرضيك اقتراحي هذا؟.أجبته:
_ كل ما تقترحه أنا موافقة عليه، وقبل أن أودعه طلبت منه اللقاء غدا وعرفته باسمي أحلام وأما أسمه فهو في قلبي حفرته. قال أنا أسمي.. قاطعته قائلة:
_ سعيد هو أسمك.باندهاش قال:
_ وكيف عرفتِ اسمي.بادرته:
_ أن للقلب أشياءه وخصوصياته، أردت أن يعرف مدى اهتمامي به وكم هي لوعتي، غادرته والفرح القزحي انهال بفؤادي مرة واحدة، كم تمنيت أن أكون حقا فراشة أطير بجناحي وسط الرياح التي تحملني من زهرة حمراء إلى زهرة حمراء،آه يا حبيبي شهور وأنا أتشظى، الآن لملمت بعضي إليك لأنشد أقاصي وجدي أيها السعيد، وبينما كنت أحط هنا وأقفز هناك على أريج الورد، صحوت على أزيز الرصاص،احضروا حبيبي مسجى، احضروا روحي الثكلى هي الأخرى مسجاة بجانبه، ويح قلبي، كيف للقبر أن يضم جسدك الغر؟، لطمت خدي وشقّيت جيبي ولفتني دوامة الحزن مصروعة في غيبوبة فرأيتني:
كنت أحمل بعض الأشياء لأبيعها إليه إلّا أمي كانت فطنة قالت:
_ إلى أين تأخذين هذه المواد هل تبيعينها أم هنالك شيء آخر؟قلت لها:
_ يا أمي هناك أناس جائعون وحري بي أن أطعمهم وبما أن الخير لدينا كثير فلم لا نعمل الجميل ؟ أجابت:
_ لك ما تشائين.
أي فكرة هبطت عليّ من السماء ، حملت أشيائي في زوّادة وهرعت لأستقل السيارة، ركبتها ودقات قلبي تسرع إليه ترى هل ألاقيه كما وعدته أم لا؟كانت نظراتي ثاقبة إلى المكان الذي تواعدنا عنده شاهدته على غير هيئته وفي الموعد نفسه،بادرته قائلة:
_ هلم نخرج من هنا لمكان أشد عزلة عن أنظار الناس كي نفضفض ما بداخلنا، ابتسم ابتسامة هادئة لم أعهدها من قبل.قال:
_ اتبعيني وكوني بعيدة بضعة أمتار عني وعن أنظار الناس . وكذلك فعلت إلى أن وصلنا ذلك النهر الذي ألقيت فيه مرساتي وأحزاني القديمة عنده لأستقبل يوما كنت بأمسه لملاقاة أعز الناس،وبعد أن أزحنا تعبنا جلسنا معا تحت أيكة عظيمة،تلاقت أعيننا، تساؤلات انهمرت مرة واحدة على عقلي، وقلبي ينبض بها… أيها السعيد هل أكون من بعض ما تسعد به.فأجاب:
_ أيتها الحالمة في بحبوحة الحياة سأقول كلاما ولا أريد أن يثير حفيظتك، هذا لأني شديد الحرص عليك وشديد الصراحة معك لأنك في قلبي الآن، إني رجل فقير لا أملك من الدنيا سوى عملي الذي شاهدتني فيه أعمل ولكن هناك شيء يجب أن تعرفيه إني أديب أكتب القصة والشعر والنقد، أقول قد يصلح حالي الزمن وأكون حبيبا رائعا.
أجبته والفرحة جعلتني أطير في سموات العشق والأمل والحياة التي تنتظرني:
_ يا أنت يا سعيد الروح والقلب، أي فقر تتحدث عنه بحبنا نبنى حياتنا بهجة وسعادة، فما بالك بالذين يملكون الدنيا فتراهم قلقين على أموالهم وعلى أنفسهم من اللصوص لا يستطيعون أن يوفروا فرصة واحدة لراحتهم بسبب الأموال، أنا أعرف بأن الحب يخلق المعجزات ويحوّل التعاسة إلى سعادة والدليل واضح وبما أنك أديب ستجدني خير رفيقة لك كي أمنحك الشيء الذي تبحث عنه طيلة عمرك وصدقني لن تخسر شيئا البتة وستريك الأيام صحة ما أقول وهذه حقيقة يجب أن تؤمن بها يا سعيد. سحب نفسا عميقا وأجابني:
_ هكذا إذن اطمأن قلبي، سأجعل حياتك سعيدة أكثر مما تتصورين سآتي أليكم وتكوني عرضي وشرفي الذي أحيا لأجله كل سني عمري يا ملاكي الطاهر.
كانت مادة( الأمونيا) النافذة إلى أنفاسي هي التي أيقظتني من غيبوبتي كنت أنظر إليه نظرة الوداع الأخيرة وهم ينزلوه إلى لحده، كانت عيناي قد جفت مآقيها وصراخي يتعالى وحقدي يكبر ويكبر على من اغتال حبيبي وعشيقي هؤلاء الإرهابيون الأوغاد، لماذا أنت؟ لماذا قتلوا الفرحة فيّ وفي فلذة كبده الثلاثة؟، تعالت صرخاتي وهم ينثرون التراب ليس ليدفنوك بل ليدفنوا روحي، ويح روحي لفراقك يا سعيد، أهكذا ترحل عني وتتركني للذئاب المسعورة، لم احتمل فراقك يا حبيبي،وها هي السماء قد رعدت حسبتها عبوة ناسفة لا اعرف بالضبط هل هو رعد السماء أم عبوة ناسفة ذابت روحي وغبت عن وعي، فرأيتك ،كان الأهل في ترقب مجيئك، رن جرس البيت، قلبي الذي فتح الأبواب له وبدأت الأحاديث بأمور المهر المقدم والمؤخر إلّا أني هيأت إليه الأشياء حتى لا يكون في حرج،وتم الزواج، كان يعلم أننا مناهضون للسلطة وكثيرون من العائلة قد تم إعدامهم (الفاشست) وكان سعيد شجاعا لان كثيرين لا يستطيعون الزواج بي لأني من عائلة مناهضة للسلطة وكان لا يبالي لهؤلاء الأوغاد لان الحب قد شغف قلبه أولا وحدد مسيرة حياته ثانيا وثالثا وجد ما كان يطمح إليه من امرأة متعلمة ناضجة لتكون له خير عون في الحياة وخير أم لأولادها.

أضف تعليقاً