ولدتْ القصة القصيرة جدًا مِن رحمِ أدب القصة وانبثقتْ مِن ثناياها فهي جنس أدبي مُستَحدَث، أخذتْ تفرّدها واستقلاليتها لتواكب مُتطلّبات العصر والغاية التي كانت سببًا لوجودها وانتشارها كما نراها اليوم.
كُتبتْ القصة القصيرة جدًا، بكلماتٍ لا تتجاوز الخمس، كما في نصّ الكاتب الكبير همنغواي – للبيع ، حذاء أطفال، غير مستهلك – عام 1925.
وأيضًا رواية انفعالات للروائية الفرنسية ناتالي ساروت – والتي تكون فيها القصة الواحدة منها، طويلة نسبيًا وقد تصل إلى ورقة كاملة تقريبًا – والتي تمّت ترجمتها للعربية عام ١٩٣٨ وهنا بدأت المشكلة، حيث أطلق عليها المترجم المصري فتحي العشري على أنها قصص قصيرة جدا.
إذن نحن أمام ملاحظتين يجب الوقوف عندهما:
الأولى: التأثّر والاستشهاد والانجرار خلف كتّاب ظهروا وبرزوا واشتهروا قبل عقود عديدة، وكانت لهم ظروفهم وبيئتهم الثقافية والأدبية الخاصة بهم وآرائهم واجتهاداتهم؛ فكتبوا نصوصهم. وكذلك الانسياق وراء المترجم المجتهد الذي أعطى كلمات ودلالات ومعانٍ مختلفة أو بعيدة عما نتداوله ونعرفه اليوم، والسبب هو إن القصة قصيرة جدًا – حينها – كانت في مرحلة المخاض والولادة وعدم نضوج فكرتها- مِن تسميتها إلى استقلاليتها كفنّ أدبيّ قصصيّ مستقلّ، مرورًا بالأسس والمبادئ والضوابط التي تقوم عليها، وحجمها – مِن حيث عدد الكلمات التي تحتويها – والأطر التي تؤطرها.
الثانية: تعدّد الآراء وتضارب الرؤى للنقاد حول القصة القصيرة جدًا وعدم الاتّفاق على تفاصيلها؛ اتّفقوا على التسمية لكنّهم اختلفوا في حجمها وبعض التفاصيل الأخرى، وتمسّك بعضهم على ما تبنّوه- سابقًا – واستمروا عليه لحدّ اليوم وعدم قبول التغيير وعدم الرضا بواقع يُحاكي ما يتطلبه التطوّر وما وصلت إليه بعد أن استوعبت كلّ ظروف وعوامل نضجها ووصلت إلى مستوى التتويج وجني الثمار لتأخذ شكلها وقوامها النهائي بين مختلف أنواع فن القصة.
إذن نحن أمام تفريط وإفراط في حجم القصة القصيرة جدًا، وآن الأوان لنتحمَّل مسؤولياتنا – نقّادًا وكُتّابًا ومُهتمين – لنحدّد وبشجاعة، إطار هذا الفن الأدبي الراقي، ونوقف أميبيته وحالته المتحرّكة غير المستقرّة؛ ليأخذ شكله النهائي ليساهم وبقوة في نشر الأفكار والرسائل والأهداف المتوخاة من كتابتها، منتشلين أفكارنا المشتّتة بين اجتهادات المترجمين واختلافات بعض النقّاد والكتّاب الذين بنوا دراساتهم وتبنُّوها على أساسٍ اعتبروه- بمرورِ الوقت – أنه من المُسَلَّمات، وفي أجواء وظروف بيئية تغيّرت- بعدها – معالمها وتطوَّرت مفاهيمها مع نضوج هذا الفن وأساليب الطرح الذي تناوله الكُتاب المُحدثون، لنوحّدها على أسس وأطر سليمة ومضامين مَرِنة تسمح للإبداع أن يأخذ مداه لأبعد مسافة مع وجود رابط متين لا يسمح بانفلاتها وتيهانها ويمنع القفز مِن مداراتها الذاتية إلى مداراتٍ أخرى بحيث تفقد ملامحها وصورتها، لترتدي ثوبًا آخر وصبغة أخرى بعيدة عن الققج، لتكون فنًا آخر لا علاقة له بها.
أرى أن القصة القصيرة جدًا، يجب أن لا تزيد عن خمسين كلمة ولا تقل عن أربع عشرة ، خاصة مع ظهور جنسّ أدبيّ جديد وهو فنّ قصة الومضة، الذي بوجوده توضّحت معالم فنّ القصة القصيرة جدًا، أكثر وتمَّ فكّ الاشتباك عن ذلك النوع مِن النصوص التي يتم فيها طرح فكرة وامضة؛ فالقصة القصيرة جدًا تحمل عنوانًا يُلمّح ولا يصرّح -على أن لا يتجاوز عدد كلماته الاثنتين كحدّ أقصى، لأنه لا يحتمل أكثر من ذلك- ومع المتن تتكامل الفكرة، وبوجود حبكة في السرد تتصاعد تدريجيًا لتؤمِّن قفلة صادِمة تلتقي مع العنوان في دورة تكاملية تهب القارئ المعلومة والفائدة والرسالة والمتعة.
و بعد أن طفتْ وطغتْ على الساحةِ الكثير مِن النصوص التي تُسمَّى بالقصة القصيرة جدًا، وأسميها: القصة الخاطفة – تمييزًا عن قصة الومضة – ؛ فالقصة الخاطفة و التي تشتمل على فكرة خاطفة وامضة خالية من الحكائية والحبكة، أقرب ما تكون إلى الخاطرة أو الومضة الشعرية ، نعم ممكن أن نستخدَم اللغة الشعرية الوجدانية في خدمة النص القصصي الحكائي وضمن إطار ومَعلَم الققج، على أن لا يكون هو الغالب والمُهيمن.
للقصة القصيرة جدًا هدف من طرحها وبالفكرة التي تحملها وبالوسط الذي يتلقّفه، المُتلقي الذي يحيا زمكانية خاصة به، تحمل حكاية محبوكة مكثّفة بأقلّ ما يمكن من الكلمات، يتمّ اختيارها بعناية لتهب المعنى الدقيق والمُتشظي – بآن واحد – عن دلالات غايتها تعميق وترسيخ الفكرة- وإن تلقَّاها القارئ كما يفهمها هو أو قام بإعادة إنتاج وقراءة ما تلقاه – متجنّبين فيها تكرار الكلمات.
فمع تسارع وتيرة الحياة ومُتطلّبات الواقع والاحتياج لفنّ أدبيّ يلائم ويناسب ويلبّي حاجة المُتلقي الذي يعاني من ضغط الوقت القصير المستمر الذي ينفد منه بسرعة وزخم وشدّة عوامل الحياة المُختلِفة المُتفرِّعة المُتشابِكة، كانت الحاجة إلى القصةِ القصيرة جدًا بشكلها الحالي.
الققج هي فنّ تكثيف التكثيف والإنجاز في الإيجاز بأقل الجمل وأدَّق التعبيرات وبعيدًا عن تكرار الكلمات، لخلق أفق رحب من الفكر والتصوّر ولتقديم الفكرة بشكل مُركّز، والتكثيف هنا ليس المقصود به قلّة الكلمات بل نعني: حذف أية كلمة غير ضرورية وزائدة، والتي عندما نرفعها ونحذفها، لا تترك أثرًا على المعنى أو على فكرة المتن.
تطوّرت القصة القصيرة جدًا في السنوات الأخيرة ولم تأخذ شكلها النهائي بعد، واعتمدت الشكل الأميبي المُتغيّر المُتحرّك، رغم الاتفاق- بشكل عامّ – على أركانها المعروفة، مِن تكثيف وسرد، ووجود الحبكة وحضور المُفارقة، والتسريع، وتنتهي بقفلة مدهشة، مع توظيف الجمل الفعلية، والاستعانة بخاصية الحذف، ومراعاة شروط هذا الفنّ الجديد، والعمل بعناصره التقنية، مِن ترميز، وأنسنة، وتشخيص، وتناصّ، واهتمام باللغة وبحركات التشكيل وعلامات الترقيم، وتنويع في البدايات والنهايات.
وفي المقابل، يجب الابتعاد عن عدد مِن الإشكاليات والسلبيات التي يقع بها الكثير ممن يكتبونها، وممكن تلخيص أهمها في ما يلي: الإسهاب، التفكّك، التقريريّة والمباشرة، غياب التّكثيف، تغليب النفَس الروائي أو القصصيّ، المَيل إلى الأحجية والنكتة، سوء استخدام الرمزية واستسهال عمليّة كتابتها.
نعود لحجم القصة القصيرة جدًا ، لماذا نريدها مُحدَّدة الكلمات؟ ،والجواب هو للأسباب التالية:
1. لم يعد أغلب الناس قادرين على قراءة رواية أو حتى قصة قصيرة تتألف من صفحات عديدة، بسبب ضغط عامل الوقت؛ فهنا استوجبت الحاجة إلى قصة قصيرة جدًا، قادرة على حمل رسالة موجزة مُكثَّفة للمتلقي؛ فتمنحه فكرة، يتم تأويلها وإعادة إنتاج وقراءة ما تلقاه وحسب ذهنيته ليتذوّقها ويستوعبها ويهضمها، ليتلقَّ غيرها.
2. بالرغم من الحريّة الفكرية وحرية التعبير عن الرأي التي يتمتع بها الكثير من الأدباء والكتّاب في الدول المتقدمة، والذي نفقده في أغلب بلداننا – النامية – ؛ فأرى إن فنّ القصّة القصيرة جدًا أتى مُلبيًا لهذا الهدف بتكثيفه وقصره ورمزيته وحجمه المقترَح، والذي تمكن الكاتب من قول الفكرة، من خلال التلميح والإشارات والرموز بعيدًا عن التصريح والتوضيح والكشف المباشر، بشكل يفهمه المُتلقي النبيه.
3. ممكن بكتابٍ واحد يشتمل مثلًا على 120 قصّة قصيرة جدًا، لا تزيد القصّة الواحدة منها على 50 كلمة ، أن تقدَّم ما تريد إيصاله للمُتلقي ، 120 فكرة رئيسية ، مع مئات الأفكار الثانوية في وقت قصير جدًا، مقارنة مع القصة القصيرة أو الرواية… إذن عشرات القصص بمئات الأفكار في ظرف لا يتجاوز ساعات قليلة لقراءته.
4. نأيًا- كما ذكرتُ أعلاه – عن الإفراط والتفريط في حجمها، وخير الأمور أوسطها، وهذه الوسطية، هي فعلا التي تخدم وتناسب القصة القصيرة جدًا كما نريدها لتخدم الهدف وتترك الأثر المطلوب وتصل إلى عقل المُتلقّي وقلبه وتؤثر في حياته وتُحاكي واقعه بكلِّ هواجسه وآماله وآلامه.
5. فنّ الققج هو فن تكثيف التّكثيف، فلا يمكن تقديم نصّ مكثّف غير مترهّل لا تتكرّر كلماته ويشتمل على كلّ أسس وشروط الققج، إلاّ في نصّ مُقتضب قادر أن يحوي بكلماتٍ محدودة ومعانٍ دقيقة يشترك فيه العنوان والمتن الذي ينتهي بقفلته، والذي يبدأ بجملة فعلية تهب الحيوية والحركة، تتصاعد أحداثه بأفعال- على ضوء فكرة – ليحكي مَشهدًا محبوكًا، يلخّص حدثاً أو أحداثًا متداخلة بعيدة تاريخيًا أو قريبة، حصلت، بأسلوبٍ بعيد عن التقريرية والمباشرة.
6. تحديد عدد الكلمات، هو لوضع إطار عامّ للكاتب، حتى لا يستسهل التّجاوز الدائم، مما سيضرّ بالتكثيف، الذي هو مَطلب مُهّم جدًا، وإنْ تجاوزَ، فيكون استثناء، إذا كان الكاتب على قناعة تامة أنّه بتجاوزه ذلك، هو لغرضِ إكمال عمله الإبداعيّ، الذي لن يتمّ، إلا بتخطّي العدد المُتّفق عليه.
الخاتمة:
نحن لا نكتب مقالنا برأي المنظّر المجتهد فحسب بل بخبرة الكاتب، فالقصة القصيرة جدًا هي التي تفرض على الكاتب حجمها وعدد كلماتها، وليس العكس؛ لأنها فنّ تكثيف التّكثيف وتفقد خواصّها ولونها إذا أكثرنا من كلماتها وما راعينا عامل التّكثيف -الذي أراه هو أهم ميزة تميّز هذا النوع من الفنّ الأدبيّ عن غيره – وتتحوّل إلى لون آخر بعيد عنها.
ومن يدّعي إن تحديد الكاتب بكلمات محدودة هو تقييد للإبداع؛ فأظن أنّه يجانب الحقيقة، فالإبداع في القصة القصيرة جدًا هو أن يُكتَب نصًا مكثفًا، بكلمات قليلة تهب معاني دقيقة، والابتعاد عن تكرار الكلمات مع استخدام حركات التّشكيل وعلامات التّرقيم بشكل مناسب وصحيح… إذاً الإبداع في الققج يتجسّد من خلال التعاطي والتّناغم والتّجاوب والتّماهي مع متطلّبات وشروط وخواصّ هذا النوع من الأدب الذي يتميّز عن غيره – من أنواع القصّ – بتكثيفٍ عالٍ يفرضه هو على الكاتب وليس العكس -إن كان فعلًا النّص الذي يروم كتابته ينتمي إلى الققج.
وأخيرًا:
القصّة القصيرة جدًا، هي العروسة التي نضعُ على رأسها تاجَ العنوانِ المرصّع بلآليء تلمّح ولا تكشفُ ماهيتها؛ ليعتليَ هامةً مكسوّةً بثوبٍ اختارتْهُ هيَ قبل أن نختاره لها، إنّهُ ثوبٌ قصيرٌ جدّاً يتماهى مع جسدها الرشيق ويتناغمُ مع ما تطلبهُ لتُمَيّزها عن شقيقاتها، لا أطول تتعثّر به؛ فتسقط ولا أكبر فيكون فضفاضاً مُهلهلًا؛ فتتشوّه، ولا أقصر فتتعرّى؛ فتُعاب، يفصَّل بأيدٍ ماهرةٍ لتَظَهر بأبهى حلةٍ و بمقاسٍ يتوافقُ مع ما تريده هي، حتّى قبل أن نسألها ونشرع في تلبيةِ احتياجاتها، ليناسب حجمها وطولها وتفاصيل تضاريسها وبألوانِ المعاني التي تُجمّل كلّ جزءٍ منها وتزيّنها بأحلى زينةٍ، ونجعلها مُتسربلةً بثوبٍ ذيله يباغت الرّائي ويبهره ويشدّه إليها بعد أن يجمع كلّ تفاصيلها ويضعها تحت مجهر ذائقتهِ ويحاول فكّ رموزها وأسرارها؛ فيقف مشدوهاً أمام محيّاها النّضرِ وهامتها الجميلة وصورتها المشرقة لتزف عروسةً تفرضُ حضورها وتُغْني بحكمتها، مانحةً الفائدة المرجوّة والمعاني الدسمة والرّسالة السامية لعريسها – القارئ – الذي سيحبّها ويعشقها، وتحلو له أكثر وأكثر، عندما يراها بعينيه الثاقبتين ويتأمّلها بمنظارهِ الفاحص ليسبرَ غورها ويحيا معها أهنأ الأوقاتِ وهو يتأمّل حكاياتها المحبوكة التي تستقي جمالها وتكاملها من كلّ قواعد وأسس وأطر جنسها المغري.
- حجم القصة القصيرة جدا بين الإفراط والتفريط
- التعليقات