تبسيط العلم بالبلدي لا يقلل من قيمته، ولكن اللجوء إلى تبسيط النقد الأدبي هروبا من مصطلحاته المعقدة التي تحتاج لشرح مفهومها، لم نقصد به مطلقا ضرب العلم الأكاديمي بنظرياته ومصطلحاته عرض الحائط والاستهانة به، ولكن لرأب الشرخ الكبير بين علم النقد المتخصص المعقد وبين الكاتب والمتلقي اللذان لم يعتادا منذ الصغر على الإطلاع وقراءة كتب النقد كنوع من الكتب غير محفز بطبيعته للتداول والقراءة، لأن في حقيقة الأمر هو علم أكاديمي بحت يحتاج الدراسة، مثله مثل الطب والهندسة والجيولوجيا وعلوم أخرى كثيرة تمعن في التخصصية، وهذه العلوم ومنها النقد الأدبي يحتاج تحصيل تدريجي -أي أن كل سنة أو مرحلة دراسية يدرّس جزء ثم الانتقال إلى جزء آخر- وهذا هو حال طبيعته (يعني بالبلدي.. مش بالفقاقة) ولا ننفي أن النصوص الأدبية تثير التذوّق وتفرض الانطباع لدى القرّاء، (ولكن) الرأي بالانطباع لا يتعدى كونه رأي شخصي بحت -أي يميل إلى هوى الشخص وفقا لتركيبته ودائرة معارفه الثقافية الخاصة- يفتقر للعلمية، وإن كانت بعض القراءات الانطباعية بها شيء من العلم غير الموظف في الغالب..
إن علم النقد الأدبي اكتسب صفة العلمية لضخامة مدارسه ونظرياته ومصطلحاته، أي أنه قادر بفرديته على فك شفرات أي نص أدبي مهما كانت حداثته، لم يكن فقيرا مطلقا لاستيراد مصطلحات خاصة من علوم أخرى كالفلسفة مثلا لتأويل مبتغاه أو ما يرمي إليه، ورغم أن علم النقد الأدبي علم جمعي إلا أنه يتضافر ويكتمل من خلال علوم تخصه بالطبيعة، كعلم اللغة العربية وبلاغتها الحديثة المتعددة، وعلم الكلام، وعلم التأويل، وكلها علوم ضخمة ومباحثها واسعة ومكتملة النضج كعلوم لها خصوصياتها، فالفيلسوف الذي يكتب قراءة على نص أدبي من خلال نظريات ومصطلحات تخصصه تعد قراءته في علم النقد الأدبي مجرد انطباع يجيد أو يشط -ومع احترامي في الغالب يشط- وهذا يصدق على القراءة النقدية للكاتب المحترف والقارئ المتذوّق المثقف، لأن كل هؤلاء نادرا ما تميل قراءتهم على جانب التخصصية لعلم النقد الأدبي المكتمل شكلا ومضمونا، فلنضرب مثلا ودليلا على هذا، هل الفيلسوف لديه علم كاف بمعرفة الأجناس الأدبية بتوصيفها العلمي الدقيق؟ أي أن دراسته لعلم الفلسفة بشكلها الأكاديمي تمكنه من تحديد دقيق لجنس نص أدبي حداثي، أو نص لكاتب أو كاتبة ممن يجربون الكتابة الأدبية على الفيس بوك دون أن يخطئ في تجنسيه ويستطيع فك شفراته وتحليله؟
وهذا الرأي كما ينطبق على الفيلسوف ينطبق أيضا على الكاتب المحترف والقارئ المتذوّق..
وهذا الرأي رغم قسوته غير أنه أمانة علمية إن كتمناه وحبسناه في صدورنا سوف ينحدر ركب الثقافة والأدب العربي حتى يسقط في ترعة الجهل والعشوائية، وبوادر نتائجه السلبية ما يحدث الآن في الجوائز الأدبية الكبرى وهم يختارون لجان التحكيم من نقاد غير متخصصين فنجد أعمال تكسب جوائز دولية كبرى وهي دون مستوى بل بها خطاء جسيمة في التجنيس والحبكة والتكنيك بل ركاكة في اللغة العربية وبلاغتها.. هذا شيء مضر جدا يعوق ركب الثقافة العربية في النمو والارتقاء..
واليوم أردت أن أتكلم عن شيء مهم.. أخطاء جسيمة رأيتها في نص أدبي (قصيدة شعرية) منشورة على الفيس وكان الاحتفاء به عالي جدا ويكتب له قراءة أحد المثقفين الكبار مما يعدونه أهل الفيس من كبار النقاد، واكتشفت خطأ شاسع لدى الكاتبة صاحبة النص وأيضا المثقف الذي كتب عليه القراءة على صفحته واحتفى به، ألا وهو حدود المجازات والتشبيهات..
يعني ايه حدود المجازات والتشبيهات؟
المجاز في اللغة العربية ليس شطح، له سقف بالتأكيد، وهذا السقف هو حدود ما يستوعبه العقل ويستطيع أن يتخيل صورته، ما لا يستطيع أن يستوعبه العقل ويتخيل صورته يسمى شطح وهوس ولا يعد أدبا ولا مجازا بلاغيا، مثلا هل يصح أن أقول مجازا: (حتى أني سبقت القطار في عدوي الذي كان يسير بجواري وهو على آخر سرعته) مستحيل طبعا وهذا شيء لا يتصوره العقل.. أما أني أقول مثلا: (يراقصني الريح) كيف؟ الريح يدفع الشيء في اتجاه واحد، مستحيل الريح يدفع خصر إنسان من الجانبين بشكل مستمر في سرعة الذبذبات الكهربائية حتى يجعله يرقص وهو ثابت في مكانه، وفي التشبيهات البلاغية أيضا ينطبق عليها نفس الكلام، هل يصح أن أشبه: (التوتر والقلق بالزهور المتفتحة وأريجها المنعش) مستحيل طبعا لأن هذا لا يتصوره العقل..
خلاصة القول: أن المجازات والتشبيهات البلاغية في اللغة العربية لها حدود وسقف، أي لابد أن يدركهما العقل ويتخيلهما الذهن في صورة واضحة منطقية..
يا جماعة الخير النقد الأدبي علم كامل العضوية له علومه المتضافرة معه، لابد لكل من يريد العمل به أن يلم علومه ويدركها إدراكا صحيحا ويستطيع تطبيقها تطبيقا صحيحا. داخل النص.

أضف تعليقاً