هذا الغريب الذي يجاورني بالقطار يبدو وجهه مألوفا لدي ، كأنني رأيته منذ ألف عام أو يزيد ، شجعتني ابتسامته البلهاء على الكلام .
أخيرا ألقيت حملي عليه ، شعرت براحة لم أصادفها منذ زمن غابر . تؤلمني أسراري الصغيرة التي احتفظت بها منذ القدم ، كمسامير طويلة رفيعة قوية محماة تنخزني دوما ، في صحوي وفي نومي تسير معي أينما سرت ، فشلت محاولات التخلص منها ، مغناطيسية أفكاري جذبها لي أو جذبتني لها لست أدري .
تجاوزت كل تلك المحاذير التي تفصلنا عن الغرباء ، إنطلق لساني كأنما فكت عقدته المتصلبة ، جعل الكلام يسيل من فمي كما لو كان آيس كريم يلحسه طفل صغير في عز الشمس .
يسمعني في اهتمام وبلاهة عجيبة ، تركيبة تغريني بالاسترسال ، حكيت كل دقائق حياتي وما فعلته في أدق المواقف ، تجمدت نظرة ثقة بعينيه ، تقول أنه صار يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي ، يردد ما قلته له ويزيد عليه ما حاولت دوما إخفاءه من حقائق ، حتى عن نفسي . كانت الرحلة طويلة جدا ، لعلها أخذت الليل كله وبعض من ساعات البكور ، أفقت قبل الوصول ولم تكن الشمس قد تعامدت بعد ، حمدت الله على ما حصلته من ساعات نوم كانت عزيزة بالأمس . حينما وصلت البيت لم يكن هناك ما يدل على الحياة ، فاجأني رفيق القطار يقف مبتسما مواجها لي ، يسألني في خبث : كيف حالك بعدما تخلصت من ذكرياتك؟.