تلاقت عينانا عبر شبك البوابة الشمالية لجامعة اليرموك بقضبانه البيضاء، عيناها تأتلقان ببريق الفخار والخُيَلاء، وجلبابها الأخضر الزيتي، وشالها الذهبي. وعيناي تشعّان بروح الظَّفَر والنجاح، وروب التخرج يزيّن هندامي. وحين تمتزج روح الفخار والنجاح تقول العيون ما لا تقوله صفحاتٌ من كتبٍ.
قالت عيناها: ها قد حققتُ الخطوة الأولى من حُلُمي، وأريدك معي؛ فهل سنلتقي من غير هذه القضبان؟!
وقالت عيناي: سأنطلق إلى الحياة؛ لأعمل وأعود، فانتظريني!
وتقاطعتْ نظراتنا، حتى دخلتْ هي لتنغرسَ سنبلة جديدةً في أرض مستنبَت إربد الذي تحوّل إلى مستنبَتٍ للعقول. وانطلقتُ أنا لأركب سيارة أجرة، جابتْ بي الدنيا عشر سنين، أعمل، وأكافح، وأسمَن وأهزَل، حتى غزا الشيب عارضيَّ وفوديَّ؛ ثم عدتُ.
تسوقني رجلاي إلى تلك القاعة التي تحتضن مناقشة الرسائل العلمية، تغصّ بالحضور يستمعون إليها تقدِّم بيانَها العلمي، وقفتُ في طرف القاعة، وشبّكتُ يديَّ على صدري أنظر إليها مركِّزَةً نظرها فيما تقرأ، وجلبابها العسلي وشالها الفوشيّ يشعّان بالفرح!
أنهتْ كلمتَها بابتسامة عريضة، وتناولتْ منديلاً ورقيًّا لتمسح حبّات تتلألأ على جبينها، فتلاقت عينانا، فأضاءتْ عيناها بصفاء أغرقهما بنور خفيٍّ، وقالا لي: أخيرًا عدتَ؟!
– عشر سنين لم تفارقني عيناكِ ولا ألَقُهما المشعُّ بالنجاح، فتهوّنانِ عليَّ كلَّ صعبٍ.
فأجابتا: عشر سنين أنحتُ في الصخر، وأنتظرُكَ.
ساعتان كاملتان وأنا أتكئ على جدار الصمت أتأمل عينيها وهي تحاور مناقشيها، بحياءٍ ورقّةٍ، وكلما أشاحت بعينيها عن رسالتها التقتا عينيَّ، وفيهما نظرة عتاب وحزن: لقد تأخرتَ كثيرًا، وعانيتُ في غيابكَ أكثر وأكثر!
– حاولتُ، وحاولتُ،…، وها أنا عدتُ، ما فارقني نورُ عينيكِ ولا بريقُهما، ولا نمتُ ليلةً من دون أن أودعَهما على أمل اللقاء، فهما السُّكْرُ والمُدَامُ، وهما العِشْقُ والغَرامُ، وهما التَّوْقُ والهُيَامُ، وهما شُرْبي والطَّعامُ، وهما طائر الحمام، وهما النجمُ الساري الذي لا ينامُ.
ما أن أنهت المناقشة ونالت درجة الدكتوراة حتى شعرت بوطأة عشر سنين تفصلنا، ومئات الأيام، وآلاف…، فنبّهني أحدُ الحاضرين يوزِّع الحلوى ابتهاجًا بنجاحها. لكنّها كانت يدُ سائق سيارة الأجرة، يُعْلِمُنِي أننا وصلنا بوابة الجامعة، ووقفتُ أنظر إلى البوابة الناصعة البياض، وأتنسّمُ عبير السنابل والأماكن العتيقة، ورأيتُ من بعيدٍ شعارَ الجامعة يعتلي الدُّوّار الذي يتوسَّطُها، وندَّتْ منّي تَنْهيدَةٌ: هل سأجدها بانتظاري؟!.
- حديث العيون..
- التعليقات