..وأخيرا جاء اليوم الموعود، بعد طول انتظار، كانتظار امرأة لمولود، بعد أن فقدت الأمل في قدرة رحمها على الإنجاب، وصارت تعتبره عضوا نافلا كالزائدة الدودية. لهذا كانت الفرحة كفرحة أم تفتح عينها أخيرا على أمومة استطال انتظارها. وكان مولودي حذاء عجيب لم أحلم لحظة بامتلاكه، بل لم أتخيل وجوده حتى. فكنت أميل إلى الجزم أنه ليس إلا حلما ستجلوه اليقظة، لكن الشمس الشاهدة في السماء كانت تقول لعيني العكس كلما رفعتها إليها. لهذا كان الحذاء الذكي حقيقة بين قدمي وٱلة التحكم فيه بين يدي. وماكان علي سوى تجريبه، بعد أن وجدت صعوبة بالغة في استيعاب كيفية تشغيله وإيقافه، حيث بذل مُوَرِّدي مجهودا كبيرا، حتى كاد ينفذ صبره، في تعليمي إياها..لاأنكر أن هذه الٱلات العجيبة، التي تهطل من كل صوب وحدب، تفتح فمي على مصراعي دهشته، وتحرك في ذاكرتي الجن والأشباح والأرواح الهائمة، وتبعث الخوف في أعصابي. كما أؤمن أنه سنرى العجب العجاب الذي لانستطيع تخيله حتى ! لهذا لم أكذب وجود حذاء ذكي، بعد أن تجاوز الكلام الحديث عن هواتف ذكية إلى مدن ذكية، رغم أني لاأستطيع التمييز بوضوح بين الذكاء والغباء، وقد أحسب الغباوة ذكاءا والذكاء غباوة، فمستواي التعليمي لايسمح لي باستيعاب هاته الأمور، وأنا بالكاد أميز الحروف عن بعضها ! لهذا لم أتردد لحظة، في ذاك اليوم المبارك..لا..ليس اليوم ذاك هو المبارك، بل ذاك الشخص الغريب الذي توقف عندي بسيارته، وسألني عن أحد الدواوير المجاورة، هو المبارك..وإلا كان يومي ذاك قد مضى، كباقي الأيام المتشابهة، ثقيلا بطيئا كسلحفاة وهو يجر جزمته الغليظة، مستمتعا بمَهل الدوس على روحي المفتوحة كطريق أعزل أمام أقدام هوجاء ! كنت سأعود إلى داري، كما عدت ٱلاف المرات، وأمامي الحمارة البطيئة الثقيلة المثقلة كلحظات انتظار محموم، وفي يدي قضيب أملس يغذق الضربات بسخاء على جلدها كي تحث الخطى أكثر. وعلى لساني ينبوع أسود من الشتائم، يمكن أن يطال رذاذها أي شيء او أحد، بما فيه شخصي، شخصي الذي لم يستطع إدراك سوى حمارة بالكاد تهش البعوض عنها..وعني، بينما الناس أدركوا السيارات، في زمن السرعة المتسارعة هذا، حيث إذا لم تلحق فلن ينتظرك أحد !لهذا لم أكذب ذاك الشخص الغريب، بعد ان امتد حديث بيننا، والذي رأى، من زجاج سيارته، محنتي مع الحمارة الكانت مثقلة بحمولة من طحين، وتدب أمامي كسلحفاة هرمة، أتجاوزها أحيانا، في لحظة سهو وسهوم وشرود، قبل أن أتوقف وأعود إليها..وإلي، بضربات سخية من القضيب الأملس، الذي أدرك أنه أنبوب يفرغ وقع الضربات الخابطة داخل النفس الى الخارج، ولم يكن أمامي ما أستطيع ضربه سوى الحمارة، أنا الذي يجد نفسه أحيانا أمام ٱخرين في وضعية الحمارة، فكنت أضرب فيها حتى نفسي..وماالعمل..!؟ العنف هواء ٱخر نستنشقه، حتى أثناء النوم، وأنا لي أنف كباقي الأنوف ! وكم كان ٱسرا حديثه عن حذاء ذكي، في بلاد النصارى، ذاتي المشي، سرعته تقارب سرعة السيارة، ولايحتاج منك سوى شحن بطاريته وتحديد نقطة الوصول والمسار، على الخريطة في ٱلة التحكم..ثم الإتكال على الله..حذاء يمنح فرصة الإستغناء عن السيارة حتى، إذ يمكنه السفر بك الى حيث شئت، ويكفيك أن تضع حقيبة السفر على ظهرك وتركب بساطه العجيب الذكاء..حذاء لم يدخل بلدي بعد، ولم يوزع إلا على نطاق ضيق، ولازال ثمنه مرتفعا. لكنه سيدخل عما قريب، وتحديدا في عطلة الصيف القادم، إذ أخبرني ذاك الشخص الغريب أنه سيجلب معه، حينها، بضع أحذية تلقى طلبات بشأنها. فرأيت في الامر فرصة للتخلص من قوائم الحمارة..ومن أقدامي المتثاقلة مع مرور الأيام، إذ يمكنني السفر على متنه، أنا الذي يرى السفر سَلَطة لاتزين إلا في النادر مائدة وجباته الأساسية، وكذلك قضاء الأغراض الخفيفة، التي لايستتبع ثقلها ظهر الحمارة. لهذا سألته عن سعره، فقال لي انه يتراوح بين مليون ومليوني سنتيم، ثم سألني عما إذا كنت أرغب في شرائه، ولما رددت عليه أني لاأملك ذاك المبلغ في الوقت الحاضر،أجابني أنه لايبيعني حوتا في أعماق البحر كما يقال، بل لن يتسلم سنتيما واحدا قبل إحضار الحذاء في الصيف القادم. وأمام صمتي المشوب بالحيرة والأسى، والذي طال أكثر من اللازم، سألني بنوع من الإستغراب المستهجن، عن كيف لن أستطيع توفير مليون سنتيم، من ذاك الصيف حتى الصيف الموالي !؟ قبل أن يضيف أنه سيكتفي معي بسعر مليون سنتيم، بينما باقي الطلبات تراوحت بين مليونين ومليون ونصف، تقديرا منه لظروفي الصعبة. ليختم كلامه بلغة صريحة مستفزة فحواها أنه إذا لم تستطع توفير مليون في مدة عام، فلاجدارة لك بالعيش وموتك أفضل ! وبعد تشجيع وحث منه، مرفوق بإغراء أني سأكون من الأوائل الذين سيحصلون على هذا الحذاء، مما سيأهلهم لجوائز لن تخطر لهم على بال، تمنحها الشركة المصنعة، قد تكون سيارة وقد تكون دارا فاخرة وقد تكون شيكا عليه مبلغ لم يحلموا بمثله. بعد هذا كله، اتفقت وإياه، وانضم طلبي الى الطلبيات الاخرى، وغمرني حماس منعش كي أفعل المستحيل لجمع ذاك المبلغ في إبان العطلة الصيفية القادمة، بل وطفح بي الحماس وفاض الى حد سؤاله عن إمكانية توفر الحمير، في بلاد النصارى، على حذوات ذكية كما بردعة ورسن ذكيين، الأمر الذي فجر قهقهة عريضة على شفتيه، قبل ان يرد علي فيم يده تمسك بكتفي وعينه منغرسة في عيني : في بلاد النصارى، انتهوا من عهد الحمير والبغال، وأعادوا لها ظهورها ! وافترقنا على وعد أن نلتقي صيف العام القادم، لأتسلم الحذاء وأسلمه الثمن. وانصرفت بهمة وعزم وأمل الى جمع المبلغ المأمول، كما أفلحت في إقناع زوجتي بمساعدتي عبر بيع دملجها الذهبي، ووعدتها بشراء حذاء لها أيضا، حالما ننال الجائزة التي ستكون كبيرة أكثر من أحلامنا الصغيرة..لكني كنت أضمر نية معاكسة، إذ ماالذي سيضمن لي القدرة على تعقبها لو امتلكت هي أيضا حذاءا ذكيا ؟ المهم كان جمع المبلغ كاملا ! وهذا ماحصل، وجعل يوم تسلم الحذاء يوما ساطعا فارقا في حياتي، إذ الذي بعده لن يشبه ماقبله، وفاقت الفرحة فرحة يوم زفافي، ولم تضاهيها سوى فرحة يوم استعماله البكر ، بحسب الإرشادات التي زودني بها موردي. لهذا ضغطت زر الإنطلاق، بعد أن حددت نقطة الوصول ومسار الرحلة على خريطة ٱلة التحكم، واندفع بي كالسهم، على وقع زغرودة عميقة من لسان زوجتي وسط الجيران الفاغرين أفواههم، ولم يخطر على بالي أن موجة دَوار ستعصف برأسي، ودفقة غثيان ستطلع من أعماقي، وبالكاد أستطيع ضغط زر التوقف، لأفتح فمي بسرعة للقيء، قبل ان ينفتح من تلقاء الغثيان، ويفيض علي !
- حذاء ذكي
- التعليقات