..عدتُ الى البيت مسرعا، لأستبدل حذائي القديم بآخر جديد اشتريته من سويقة الاشياء المستعملة، في صدفة كانت خيرا من ميعاد، إذ لم اتمالك نفسي بانتظار الغد امام رغبة طفولية استحوذت علي.! انتعلته بغبطة بادية، وتخلصتُ من الآخر الذي صار كحرباء في قدمي، تتلون بحسب المكان، ليبدو لي زاهيا في لمعانه، معتدا بنفسه، ينظر بشيء من الاستعلاء الى باقي الاحذية المندسة تحت الطاولات كقطط أليفة، في مقهى الحي الشعبي؛ لكن لونه يشحب ويذبل، وتهتز ثقته بجودة جلده، وينظر بشيء من احساس الدونية الى باقي الاحذية المحترمة لعلية ناس البلدة، في ارقى مقاهيها، فكان دَهْنه الرخيص يذوب خجلا، ويختبأ اكثر بين اقدام طاولات فاخرة.!
لهذا شعرتُ بالرضا، لانه يمكنني ان اجلس، غدا، بكل ثقة وامد امام اعين السادة في سيدة المقاهي، حذاءا من نفس جلدة احذيتهم، وإن كنتُ قد اشتريته من ” الجوطية” ؛ لقد اكد لي التاجر انه جديد، كأنه لم يُلبس قط من قبل، وأن ثمنه الاصلي يساوي مبلغا يكفي لكسوة عائلتي كلها من بنانها الى شعرها. كما لا احد منهم يعلم بالامر، لأن لا احد منهم يزور تلك ” الجوطية”، فاقدامهم المحترمة لها سوقها الممتاز.! والاهم انه، ورغم أن قدما سبقتني إليه وفضتْ بكارته، جديد مقارنة ببناني القديمة.!
وهكذا انتعلته متلهفا، واخذتُ الطريق من جديد، عقب عودة غير متوقعة الى البيت، في اتجاه مقهى الحي الشعبي، والزهو يلمع على جلده تحت اضواء الشارع..كنتُ على يقين ان حذائي سيمشي على الالسن في المقهى الشعبي، وسيدفعها الى الكلام عنه. لهذا كانت عيناي مشدودتين إليه في خطواتي، غافلة عن المارة والسيارات، وانا اسير، مسرعا، شاعرا بنوع من الاسف لأن العيون العابرة في زحمة شارع عابر لاتلتفت الى حذائي الرفيع.! ولم انتبه لنفسي، إلا حين اوقفني حارس ضخم على باب ملهى ليلي فخم، ومنعني من الدخول.لم تكن ربطة العنق تتدلى على صدري، كما الداخلين؛ ولم استطع الابتعاد عن الباب، ولا الكلام. ظللتُ، لمدة ليست بالقصيرة، يدفعني الحارس بكفه الغليظة بعيدا، ليعيدني حذائي من جديد بخطوات راقصة.! الى ان سإم مني، فامسكني من رقبتي، ودفعني امامه كعربة خفيفة حتى زاوية الشارع ، ثم هوى علي بصفعة قوية ، رمتني على الارض فاقدا للوعي.! لما استعدته، فتحتُ عيني، ورأيتُ شخصا ينزع حذائي، بعد ان فتش جيوبي، فأعدتُ إغماضها. وحين احسستُ برجلي حافيتين، تذكرت اني كنتُ ذاهبا الى مقهى الحي الشعبي، فنهضت مفزوعا.!

أضف تعليقاً