ليل الشتاء طويل وليل الوحيد أطول، يعانده النوم ويأبى أن يعانق جفنيه، تقلَّب على جانبيه ثم نام على بطنه وعاد فاستقرَّ على ظهره من جديد، تعلقت عيناه بسقف الحجرة تكوُّنان أشكالاً من الظلال التي تصنعها الأضواء البعيدة الخافتة المنعكسة عليه، ها هي صورتها تأتي زاحفة من الركن البعيد لتتوسط المشهد وتكبر شيئاً فشيئاً حتى تبتلع ما عداها من الصور محتلة سقف الحجرة بأكمله فتتسارع دقات قلبه الذي يغالبه الحنين إليها، راعه أن يراها دون بسمتها المعهودة التي تشرق دوماً على ملامح وجهها، تساءل: تُرى ماذا بكِ؟!
تذكَّر لقاءهما الأخير قبل الرحيل حين همس لها وهو يمسك دموعاً تكاد تغلبه و يداري أنات قلب يمزقه ألم فراق لامحدود:
– في بعادكِ أخشى شيئاً واحداً.
همست بدلال وابتسامتها تتوسد وجهها:
– شئ واحد فقط؟!
أجاب وهو يتنهد من أعماقه:
– أخشى حرقة الشوق.
سألت بمكر الواثق:
– هل ستحزن لفراقي؟
صمت رافضاً الإجابة عليها فأحست بأنها طعنته فاسترسلت قائلة:
– معك ذكراي والذكرى تطبب الحزين.
دقق النظر في صورتها على السقف فوجد الحزن يشع من عينيها ويكسو وجهها فهمس وهو يطلق تنهيدة حارة ودموعاً أحر:
– تُرى ماذا بكِ؟! هل أدركتِ الآن معنى كلماتي؟ هل أحسستِ بحرقة الشوق حبيبتي؟ هل أحسستِ بطعن السكين؟ أحمتك الذكرى أم زادت من الأنين؟
أيقظه فجأة من غيبوبة شجونه صوت رنين هاتفه المحمول معلناً عن ورود رسالة، أمسكه متبرماً من إزعاجه في هذه الساعة المتأخرة من الليل فإذا برسالة منها تقول:
– أرى الآن صورتك على السقف وأنت تضحك… تُرى ماذا بك؟!.
- حرقة الشوق
- التعليقات