صحوت مبكرا هذا الصباح على غير عادتي ، الرابعة والنصف صباحا ، خرجت من الغرفة بهدوء شديد ، تحاشيت إحداث أي جلبه في المكان ، لئلا أوقظ زميلي بالسكن .
رغم كل احتياطاتي صحى الهجرسي ، معتاد الصحو مبكرا جدا ، والنوم أيضا مبكرا .
حياني بصوت متناوم :
– صباح الخير يا عبدة ، غريبه ! ، صاحي بدري كدة لية مش عوايدك ؟.
و نمت بدري كمان ، أكيد فيه حاجة غلط ، طول عمرك مابتحبش تنام بدري ولاتصحي بدري .
رددت مبتسما :
– صباح الفل يا محمد ، صاحي فايق وبتروقني كمان !.
مرة من نفسي أنام وأصحى بدري ، أكسر روتيني في الحياه مرة .
– إكسرولا يهمك ، فاكر أيام الجامعة ، فاكر كلامك ، ما أطال النوم عمرا .
ضحكت من قلبي ، وقلت مازحا :
– كانت أيام ، إنت لسة فاكر ، الدنيا بتتغير يا صديقي . بس قولي :
– أنت أتأخرت أمس ، وبقيت بتسهر بره كتير ، حقك ياعم من لقي أحبابه نسي أصحابه .
ضحك قائلا :
– نزلت مع خطيبتي وسط البلد ، اشترينا شوية حاجات ، أنت طبعا عارف أن الفرح قرب والوقت بيجري بسرعة ، و أتأخرنا لما وصلتها وجاء العشاء وكدة يعني .
– بالهنا والشفا ونسينا خلاص النوم بدري، وكده يعني .
دار الحوار بيننا وكل منا يرتدي ملابسه ، يجهز سندوتشاته ، شربنا الشاي ، غادرنا المنزل سويا .
المنزل في باسوس ، نسير بسرعة لموقف السيارات ، طوال الطريق أستغرب وجودي في هذه المنطقة الغريبه ، أستعرض أيامي السابقة كلها ، أتطلع لأيام أخرى تتحسن فيها أحوالي .
الحقيقة أننى ضيف عليه في سكنه ، أقيم مؤقتا حتى موعد زفافه ، قاربت الأيام كما قال لي ، لعله كان يذكرني بما نسيته ، وهذا هم آخر على التفكير في حل سريع له ، ماعلينا ، أجلت حمل هذا الهم مؤقتا .
بدأت حياتى العملية هنا ، كان لابد من الإنتقال للعيش بالقاهرة ، من هنا بدأت الإشكالية الأولى .
ولأني من الأرياف فليس لدي سكن بالقاهرة ، أحتاج سكن معقول وقريب من العمل .
قفزت لذهني فكرة السكن مع الهجرسي ، أو بالأحرى ، لم يكن لدي غير هذه الفكرة ، حادثتة في سكني مؤقتا معة، رحب كثيرا بالفكرة ، إعتدنا السكنى سويا من أيام الجامعة .
بدأت معاناتي مع العمل والمواصلات، وفكرة المستقبل ذاتها ، وباق يأعباء الحياه الأخرى .
بدأت أول عمل لي بمعاناه شديدة ، طول المسافة من المنزل للمكتب ، مواصلات كثيرة أركبها وصولا للمهندسين والعودة ، ظل العمل فترتين يوميا مشكله ، لم أستسغها بعد .
بدءا من الثامنة والنصف صباحا ، انتهاء في الثامنة مساء ، أعود للمنزل قريبا من العاشرة مساء .
أحتار بشدة أين أقضي ساعات الراحة ، حيث لاغداء ولا مكان للراحة ، قبل مواصله العمل بالفترة الثانية ، من الخامسة للثامنة مساءا.
في نهاية فبراير ، والجو بارد بعض الشئ في أول الصباح ، ما لبثت الشمس أن سطعت ، ملئت الدنيا نورا ودفئا، وزاد معها إحساسي بالأمل رغم قله أسبابه .
انشغل ذهني بكل ذلك ، طوال الطريق إلى شبرا الخيمة ، زاد إحساسي أكثر بالمعاناه الحقيقية .
غمزني صديقي في كتفي وابتسم بخبث مصطنع وهمس لي:
– أيوة ياعم ، الحق الناس في انتظارك .
نظرت له وضحكت بصوت عال و قلت له :
– الحال من بعضه يا باشا ناس بالنهار وناس بالليل .
ضحك لملاحظتي ، واتفقنا قبل أن أتركه على موعد باللقاء في البنك حيث يعمل ونتغدى سويا .
وجدتها تنتظرني في المكان المعتاد ، تقف في خجل في رداء شتوي بسيط وجميل ، تضئ الشمس جانب من وجهها ، لمحتني وابتسمت لها تأكيدا أني رأيتها ، ردت بابتسامة بسيطة حرصا ألايلاحظها أحد آخر .
نكرر هذه الطقوس منذ أكثر من شهرين ، بداية من المرة الأولى لتعارفنا ، الآن تقاربنا أكثر و أكثر .
مازلت أحب تلك اللحظات ، التي أعتبرها أولى خطواتي في الحب كشاب في الخامسة والعشرين .
الجانب الآخر من المعاناه ، نفس المواصلات يوميا ، اعتاد وجوه الركاب و ملابسهم المعتادة أيضا .
كان يوما لا أنساه ، شئ ما يشدني نحوها، أراها كل صباح لأكثر من شهرين ، صرت أحفظ مواعيدها .
بدأت تلفت نظري بوجهها الهادئ المشرق ، جعلت أسترق النظر إليها طوال الطريق ، أحيانا كانت تفاجئني بنظرة تنم عن معرفتها التامة بنظراتي لها .
مر أسبوعان ليضمنا معا كرسي واحد بالأتوبيس ، كالعادة تبادلنا النظرات ثم الحديث وتم التعارف أخيرا.
بمرور الوقت وتكرار الركوب وصلنا للألفة التامة ، كنا ننتظر بعضنا البعض يوميا في ميعاد محدد .
لحسن الحظ تعمل بالقرب من عملي ، نستقل نفس المواصلات من شبرا الخيمة للمةندسين .
مواعيد العودة كانت مختلفة طوال الأسبوع ، إلا يوم الخميس فقط ، الذي ننتظره بنافذ الصبر .
ينتهي عملنا نحن الإثنين في الثانية ظهرا ، نعود معا في نفس المواصلات التي نأتي بها في الصباح .
وعن سعادتي لاتسل ، كأني أعيش فقط هذه السويعات القليله ، كانت تعطيني إحساسا كاملا بالحياه .
– صباح الخير ، قلتها و أنا أبتسم ، ردت علي بابتسامة عريضة وسرنا سويا ناحية الحافله المنتظرة .
ركبنا معا وأخذنا في تجاذب الحديث لمدة طويله ، حيث طال الطريق اليوم على غير المعتاد .
سألتني بأسى :
ستسافر غدا كالعادة؟ أعرف أنها لا تتحمس كثيرا لسفرى للبلد ، ولست أدري لماذا؟ لم أناقشها في ذلك .
– نعم إتفقنا معا أنا وصديقي على السفر للبلد ، نظرت لي كأنما ترجوني عدم السفر .
– أنت تعرفين أني قضيت الأسبوعين الأخيرين بالقاهرة ، أحتاج وبشدة أن أرى أمي و أخوتي وأبي و أصدقائي ، كلما زاد الوقت الذي أمكثه بالقاهرة دون الذهاب للبلد أزداد شوقا لها .
– أنت لم تحك لي عن البلد أو ظروفك كلها يا ترى ليه ؟
سؤال لم أتوقعة ولكني أجبتها مؤجلا الحديث :
– الوقت لم يسعفنا نحن في بداية تعارفنا .
حكيت لها عن أشياء كثيرة جدا ، كانت تسمع في إهتمام وتلمع عيناها ببريق من تطمئن أو تحاول الإطمئنان لمن اختارته ولمحت في عينيها نظرة جميله تنبئ بالرضا .
– من تفتقد أكثر حينما تسافر ؟
وكانت إجابتي باستفاضة عن أمي وأبي وأخوتي و أصدقائي، أفتقدهم كلهم .
أفتقد جميع أصدقائي خصوصا المقربين جدا ، لاتنتهي بينى وبينهم النقاشات في كل المواضيع .
نؤجل كلام كثير لنتحدث فيه سويا حينما نلتقي ، أسبوعيا أو كل أسبوعين أو أكثر حسب ظروفنا .
في الأغلب تكون جلسات كلها مرح بيننا كأصدقاء ولابد من تكرار الحديث عن الحب وأحواله .
ضحكت من حماسي للحديث عن الأصدقاء وحكت لي عن بعض متاعبها بالعمل .
هونت عليها ببعض كلمات الصبر ، إنتقلنا لحوار أكثر مرحا عن أيامي بالجامعة وبعض طرائفها .
متعة الحوار تنسينا التعب والهم ، وطول المسافة وسوء المواصلات والزحمة المقيتة .
وصلنا لمحطتي ، أنهيت الحديث بابتسامة منها ونظرة عليها ، نزلت بعد أن تواعدنا على اللقاء قبل عودتها في الخامسة إلا الربع .
وصلت العمل في مواعيدي المعتادة ، جائني عم محمد بالشاى ، نصف ساعة و جاء حازم حمزة من الإسكندرية على غير عادتة ، يأتي دائما أيام الخميس لصرف مستخلصات الجمارك في طريقة من الإسكندرية للمنصورة حيث تعيش أمه .
طلب حازم أن أذهب معه للبنك في الزمالك لصرف الشيك ، كان هذا مناسبا لي ، لدي عمل بالبنك فذهبنا معا .
أنجزنا العمل بسرعة وحان وقت العودة للمكتب ، الساعة لم تجاوز العاشرة صباحا ، تواترت الأنباء من راديو السيارة عما يحدث بالشوارع .
نتحرك ببطء شديد في اتجاه المهندسين ، الشوارع بها عدد كبير جدا من السيارات ، أكبر من المعتاد في هذا الوقت من الصباح ، لم أرى هذا العدد بشارع واحد من قبل .
تخرج من كل الشوارع الفرعية إلى الشوارع الرئيسية ، تزداد كثافتها في منتصف شارع جامعة الدول العربية ، كأنها أسراب نمل أو جراد تسير في جماعات تصل للآلاف ، تقصد اتجاه محدد لا تحيد عنه .
كأن رؤس الأسراب تقوده لمصدر الماء والرعي ، مازالت تتحرك ببطء شديد، كأنها لاتتحرك تماما .
الشارع كلوحة شطرنج ، مربعاتها مشغوله ، مليئة بالقطع و القطع لاتتحرك ، لا مجال لتحريكها في الإتجاه الذي يفضي للنهاية .
كانت أفكاري موزعة في اتجاهات شتى ، كل اتجاه أفكر به ينتج عنه أسئله صعبة ، غالبا ليس لدي إجابة لها ، فتارة أفكر بعودتي للسكن في آخر الدنيا ، وكيف سأصل إليها مع هذه البرجله التي نغشاها .
وتارة أخرى يغشاني القلق مما يحدث ونتائجه على البلد ، لم أجد في نفسي تفسير لهذا القلق ، والأهم هو الغد ، موعد يوم الخميس ، كأني على موعد مع أشياء كثيرة جميله .
بداية من لقائنا معا وقضاء ساعة قبل السفر للبلد ، إنتهاء بسهرة مع المجموعة نتسامر ونتحدث في كل شئ ، مرورا طبعا بلقائي مع أهلي وجلستي مع أمي ، هذا بالطبع غير ما لذ وطاب من طعام أمي والذي أشتاقه طيله أسبوعين للآن ، أمنياتي لاتتوقف بانتهاء هذه الأزمة بسرعة لأصل لكل ما أريد .
انتهت حواراتي مع نفسي بوصولنا للمكتب بعد ما يقارب الأربعين دقيقة ، تركني حازم بعد إنهاء بعض الحسابات ليلحق السفر للمنصورة قبل أن تشتد الزحمة ، لم يدر بخلده أنها أزمة وليست مجرد زحمة .
بقيت بالمكتب مع السكرتارية وعامل المكتب حوالي الساعة ، حضر على دياب – مدير التركيبات وأحد الشركاء بالشركة، تبادلنا الحديث حول ما يحدث وكيف أعود للمنزل وحاله الشارع الآن .
– صعب جدا توصل باسوس بأمان في مثل هذه الحاله ، قالها علي بجدية شديدة .
بدأت أقلق بشدة ، أفكر جديا في حديثة ، أسأل نفسي بحيرة شديدة أين أذةب ؟ سؤال لم يخطر ببالي ، انتابنتني حاله توهان للحظات .
تحدث علي مع منزله ، اطمئن عليهم . لم تستغرق محادثته أكثر من دقيقة واحدة .
– زوجتي والأولاد بخير ولم يخرجوا اليوم ، قالها علي بارتياح شديد .
لزمني شعور بالقلق العميق تجاه كل شئ ، قلقت عليها جدا، حاولت مهاتفتها للإطمئنان عليها ،غادرت مع زميلاتها ، أرسلوا سيارة من العمل أوصلتهم لأقرب محطة ممكنة قريبه لمنزلهم في شبرا الخيمة .
أجريت إتصال سريع بالهجرسي كى نعود سويا للمنزل ، أخبرني زميله أنه غادر للمنزل منذ ساعتين .
أجريت اتصالا آخرا مع أختي ، اطمئننت عليها ، فقط زوجها لم يحضر بعد وهو في الطريق، سوف تخبرني حين عودته ، نصحتني أن أذهب إليهم في مصر الجديدة حتى تنقشع هذه الغيوم .
كانت نصيحتها هي القرار الأخير . الذهاب إلى مصر الجديدة ، بالفعل هي أسلم الطرق ، علي دياب يسكن قريبا في الزيتون ، أستطيع الوصول لمصر الجديدة بسهوله كما تخيلت.
القرار الآن أن نلغي الفترة المسائية ، أن يلحق الجميع فرصته في الرجوع لمنزله سالما .
والد السكرتيرة حضر بسرعة وأخذها إلى المنزل ، عم محمد الساعي أخذه إبنه عائدا لمنزلهم بإمبابة .
اغلقنا المكتب ونزلنا أنا وعلي في حوالي الثانية عشرة والنصف متوجهين إلى مصر الجديدة .
في العادي والطبيعي يستغرق هذا المشوار ما بين ساعة إلى ساعة وربع ، حسب الزحام .
الظرف ليس طبيعيا ، لا أهمية للمسافة ولا الزمن ، فقط نفكر أن نصل لوجهتنا . وأن نصل سالمين.
سرنا في اتجاه كوبرى أكتوبر ، أو نحاول الوصول إليه ، كان الوصول شبه معضله .
بدأنا نفكر بسرعة كيف نصل ومن أي طريق ، و أخيرا ، لاسبيل إلا السير باتجاه نادي الصيد .
سرنا في الشوارع الجانبية للمهندسين ومنها للدقي ثم الكوبري .
الزحام والالتحام بين السيارات شديد جدا ، لففنا حول أنفسنا ربع ساعة ، في مسافة لاتزيد عن دقيقة .
عالقين نحن في لوحة مبعثرة التفاصيل ، ألوانها تطغي على بعضها، اختلط كل شئ في الشارع ، الناس ببعضها بالسيارات ، حاله فزع وهلع ، وخوف وجري ، بهدف واحد هو نجاة كل واحد بنفسه .
لم ألحظ خطرا حقيقيا يجتاحنا ، كأنما أتى الخطر من داخلنا ، بدأنا نخشى على حياتنا أكثر من ذي قبل .
وصلنا لدرجة الجبن في مواجهة الواقع ، تلك مشاعر غريبة أن تنتابني في هذه اللحظات بالذات .
بصبر نافذ كان على يقود السيارة ، يشعر بالملل الشديد ، بمنتهى الإحباط لهذا التوهان الذي انغرسنا داخله .
الخوف في أعين وعلى وجوه الجميع ، وبالأخص هذه السيدة التي مررنا بها في نفس المكان مرتين ، في رحله دوراننا حول أنفسنا ، وفجأة وجدناها واقفة أمام سيارتنا في مواجهة علي .
عليها علامات عز واضح ، مع احتشام ثيابها الشتوية ، تبدو متأنقة جدا كسيدة تخطت الأربعين أويزيد بقليل، ملامح وجهها تنبئ عن سنها ، و تبدى جمالا أنثويا هادئ ولا تداريه .
بعد مداوله سريعة انتهت بأن فتحت الباب الخلفي للسيارة ، واستقرت في المقعد خلف السائق ، تنظر مترقبة للشارع في هلع شديد ، بدا عليها قلقا غير طبيعي .
بدأت تتحدث في توسل ، تريد الوصول إلى بيتها في الحسين . تخشى على أولادها من حدوث مكروه لهم هدأناها نحن الإثنين ، كانت تحاول تسلية نفسها بقص حكايتها مع هذه الوقفة وفي هذا المكان .
– أنا زوجة رجل أعمال صاحب مجموعة مطاعم بالقاهرة، ساكنة في الحسين عندنا عمارة هناك ومطعمنا الأشهر يتصدر الميدان ، نزلت من بيتي لشراء بعض الملابس من محل مشهور في المهندسين ، سمعت الأخبار ورأيت رعب الناس .
– فجأة ازدحمت الشوارع بالسيارات والمارة ، استطعت الخروج بسرعة من المحل ، لم أستطع استيقاف تاكسي ، رفضوا جميعا ، ربما بسبب خوفهم من نزول الحسين في مثل هذه الظروف .
– استغرق الأمر مني ساعة ، أسير على قدمي ، وفجأة وجدت نفسي هنا ، لم أعد أستطيع السير ، إحساسي بالتعب رهيب ، زحمة الشوارع وعدم معرفتي بالمنطقة جيدا أوصلتني لهذا المكان .
كنا ننصت لها ونركز في الطريق ، ويظل سؤال معلق في عقلنا ، كيف الخروج من بيت جحا هذا؟ .
حوالي الساعة بين دخول شوارع صغيرة ضيقة وخروج منها ، زفرات من علي ، وانصات تام مني ، حديث متقطع لهذه السيدة ، وصلنا لمطلع كوبري أكتوبر في شارع الدقي .
وسألت السيدة :
– فيما كل ذلك ؟.
أجبتها شارحا لها حقيقة الأحداث .
– جنود الأمن المركزي في هوجة ، نزلوا للتحطيم والتكسير ، غضب وثورة ، أشياء لم يفهم الناس أسبابها ، بعض الناس استغربوا أن يثوروا كل هذه الثورة .
ردت باقتضاب وامتعاض :
– سمعت بالمحل الذي كنت به ، لم أستوعب أو لم أصدق ما سمعت .
تأتي الحكمة دائما مما يحدث لنا ، و فهمنا من أحداث الحياة التي نمر بها ، ولذا وجدت أننا لابد أن نقسم
المخاطر والأعباء والمجهود لنصل لمبتغانا ، العجيب أنني في هذه الأزمة أفكر بنظرياتي الأعجب ،
وطبقا لهذه النظرية فقد كان أمامنا أكثر من ثلاثة مراحل حتى الوصول آمنا لبيت أختي في مصر الجديدة.
أولا الوصول للأزهر لأجل السيدة التي معنا ، ثانيا من الأزهر حتى مصر الجديدة والزيتون .
لم أجد حلا آخرا ، أقنعت نفسي به وقلت إستعنا على هذه المراحل بالله ، وبدأت رحلتنا ومصاعبنا .
صعدنا بداية كوبري أكتوبر وكانت نوبة زفير من الأعماق ، لانتهاءنا من مرحله مهمة من مراحل نضالنا للوصول إلى منازلنا سالمين ، سعيا للاطمئنان على أهلنا ولنطمئنهم علينا .
مرحله الصعود صعبة ، وبرغم صعوبتها ، كانت السيارات بالأعلى أكثر كثافة من أسفل الكوبري .
السيارة تتحرك بقوة الدفع ، سير جنائزي فرض علينا فرضا فلانملك من الأمر شيئا، توقف ، حركة ، نحتاج مزيد من الوقت والمحاورة حتى نصل لشارع الأزهر .
الكوبري كصينية بسكويت في طريقها للفرن ، الصينية ضيقة و البسكويت كثيف ، السيارات تكاد تكون ملتصقة ، أصبحت كسيارة واحدة كبيرة الحجم مترامية الأطراف ، تعاني شدة الترهل ، أجزائها كلها تتخبط ببعضها البعض .
المنظر مرعب جدا ، والأكثر رعبا فيه أن يحدث أي حادث ، أو تتعطل سيارة خصوصا في وسط الطريق .
ستكون النتيجة كارثة ، الوقت له كل الأهمية والاهتمام ، ونحن جميعا نسابقه ، كل من يجلس في سيارة أعلى أو أسفل الكباري وفي كل شوارع وسط البلد لاهم له إلا الوقت .
استمر الحال هكذا لفترة ، توقف طويل وحركة بطيئة ، مر الوقت بين صمت مطبق منا جميعا وترقب لحركة السيارات للأمام ، لم يقطع هذا الصمت إلا كلمات بسيطة من السيدة خلفي .
تارة أنها كانت مضطرة لذلك ، مرة أخرى تدعو لنا أن أنقذناها من هذا المأزق وغالبا صمت مطبق .
لا أسمع غير همهمات من علي ، تعني أنه غير متضايق ، و أننا في الهم مصريين ، وكلنا لبعضنا.
ذاهلا عما يحدث أمامي ، أعيش في خيالي طوال الطريق ، لم أستوعب ما يحدث ، كأننا نشارك في فيلم عن زحام السيارات بأمريكا ، أداعب نفسي بأنني سوف أكتب هذه القصة يوما ما ، أسرح و أسافر بناظري للمستقبل ، يمتد الطريق حتى وصولي للبيت والراحة من عناء هذا المشوار .
تضاءلت الأحلام جدا ، تمحورت حول العودة للمنزل ، كأنها الجائزة الكبرى لمن يصارع كل ذلك .
فجأة وبعد فترة سرحان مني وصمت من باقي الركب معي وجدنا أنفسنا في قلب ميدان التحرير.
ثم بدأت مرحله النضال بالتحرير وصولا إلى العتبة ومنها إلى شارع الأزهر ، كانت مرحله قاسية جدا.
أعمال حفر وإنسداد في بعض الشوارع ، حركة سيارات غير عادية ، كذلك بشر يملئون الأرصفة والشوارع .
الساعة قاربت الثانية ظهرا ، بصعوبه تخطينا ميدان التحرير أخيرا ، أمواج هادرة من البشر والسيارات.
متجهين لعابدين والعتبة وصولا إلى الأزهر والحسين ، أخذتنا خطواتنا البطيئة المتواترة لشارع الأزهر في زمن أقل بكثير من المتوقع ، بدت كثافة السيارات والبشر أقل منها في التحرير .
السيدة بالخلف تدل علي على الطريق ، وصلنا لشارع جانبي من شارع الأزهر ، أشارت لبيتهم .
توقفت السيارة ، نزلت السيدة مترجله في اتجاه منزلها ، إنهالت من فمها كلمات شكر وتمنيات كثيرة بالسلامة والوصول لمنازلنا آمنين .
في اتجاه عودتنا لشارع الأزهر عند بدايته قابلنا أناس كثيرون ، أشاروا لنا بالتوقف والإحتماء في الشارع الخلفي ، و ألحوا علينا لوجود خطر من الصعود للدراسة الآن .
سألت أحدهم :
– فيه أيه اللي بيحصل هناك ؟
رد وهو مسرع الخطى :
– عساكر الأمن المركز عاملين هوجة وثورة ، نازلين تكسير وتدمير في شارع الهرم ، وكمان في الدراسة فوق عند المترو .
– طيب لية إية اللي حصل لهم ؟ سألتة باستغراب شديد .
قال وهو يجري :
– بيقولوا هيقعدوةم سنة زيادة كمان في الجيش .
قالها واختفى وبقيت أنا وعلي نحاول أن نعثر على مكان آمن لنا وللسيارة .
بعد بحث في أكثر من شارع ، أخيرا وجدنا مكان لنركن السيارة فيه ، أمام منزل السيدة التي نزلت منها ، كانت تقف في البلكونة ، أشارت لنا أن نضعها أمام منزلهم .
تركنا السيارة في الشارع الجانبي ، سرنا على أقدامنا حتى منتصف شارع الأزهر ، وهنا كانت المفاجأة المذهله والتي انعقدت لها ألسنتنا .
جحافل من جنود الأمن المركزي، يسيرون بالشارع جماعات كثيفة جدا ، كالمجموعات في أفلام الحروب ، بالبلدي كدة يسدوا عين الشمس ، بأيديهم هراوات كبيرة وشوم و أسياخ حديدية قصيرة ، يجرون مسرعين نزولا من أعلى من الدراسة لشارع الأزهر باتجاه ميدان العتبة .
يكسرون ما يقابلهم من سيارات خاصة أو عامة لايهم ، محال تجارية لو كانت مازالت مفتوحة ،عنف شديد جدا ، اندفاع في التخريب ، لا يأبهون لأي بشر أو سيارات أو خلافه .
وقفنا في أول الشارع ، تفصلنا عنهم مسافة لاتقل عن مائة متر ، مسرعون جدا جرينا أنا وعلي يمينا في إتجاه الغورية ، جرينا بأسرع ما يمكننا ، صوت الجنود الغاضبين بدأ يتلاشى من أسماعنا .
فجأة وجدنا أنفسنا متوقفين في منتصف شارع ضيق لانهاية له ، كثير من العيون تنظر لنا بفضول رهيب كنا نبدو غرباء عن الشارع ، وبدا كأن الشارع منفصل عن العالم الخارجي ، و لايدري ما يحدث على بعد خمسمائة متر منهم .
استغرقنا الوصول للنقطة التي توقفنا فيها حوالي عشر دقائق من الجري السريع ، انتبهنا لضرورة الإحتماء مما يحدث بالشارع الرئيسي .
نظرت لعلي مستغربا أنه لا يحس بإحساسي بالغربة ، كأنه يعرف الشارع .
لاحظ علي الدهشة بملامحي ، السؤال المتردد على وجهي ، أخبرني أن أسكت و أطمئن و أسير بهدوء تماما حتى لو نظرت لنا العيون التي تراقبنا من بعيد ، و تسأل بفضول مرعب من أنتم ؟
همس لي أننا في الباطنية ، ولم يدرك إحساسي بتواجدي في الباطنية للمرة الوحيدة بحياتي .
أردت أن أقول له أنني قرأت رواية الباطنية لإسماعيل ولي الدين ولم ألحظ أن وصفة بالفعل كان إلى حد كبير متطابق مع ما رأيته ، بدأت أدقق النظر فيما أرى بالشارع من مناظر وصفها في روايته .
بائعي الكيف والمزاج ، أشكال البشر الموجودين هناك ، أشعر بفرحة كبيرة داخلي أن عشت لحظات بالباطنية ، كأنني بطل من أبطال هذه الرواية .
خرجنا بهدوء شديد من هذا المكان لنطل على شارع الأزهر، بدا الشارع فارغا إلا من بعض الناس والسيارات ، أخيرا وصلنا للنقطة التي إنطلقنا منها ساعة الهروب .
قابلنا بعض الناس ، سألناهم عما يحدث الآن ، قالوا لنا أن الجنود عادوا مرة أخرى للمعسكر بعد مطاردة الشرطة لهم ، الشارع الآن أصبح آمن للسير فيه ، عدنا إلى مكان السيارة ، آذان العصر بدأ يرتفع من المساجد القريبة ، آثرنا الصلاة بالبيت عن التواجد في هذه المنطقة ، قررنا السير بسرعة لمصر الجديدة .
جفلنا عائدين باتجاه مصر الجديدة ، سرنا مسرعين جدا ، أصوات طلقات الرصاص بشارع المنصور كانت أسرع منا ، أجبرتنا على التوقف .
إقترح علي أن نذهب إلى بيت حماه على بعد خمسين مترا من مكان توقفنا ، لم يكن أمامنا إلا هذا.
ركنا السيارة في شارع جانبي ، دلفنا مسرعين إلى المنزل ، وفي أقل من دقيقة إلى الدور الرابع ، منهكين من التعب والمشوار ، و أخيرا الخوف من الرصاص .
ترحيبات من الحاج أحمد عثمان و أسرته ، أزاحت كثيرا من آثار كل ما كنا فيه، أول شئ فعله علي الإتصال التليفوني ، و أطمئن على أسرته ، و أتصلت أنا بعده .
رائحة الطعام تملا المكان ، أحسست بالجوع الشديد ، دعونا للطعام ، لم أقاوم كثيرا أو قليلا .
بدأنا الطعام والحديث عما حدث اليوم ، توالت المفاجآت المثيرة و التفسيرات الغريبة ، أدلى كل من كان موجودا بدلوه في الموضوع .
قال أحدهم :
– كده باين أنها مؤامرة من الداخلية وتجار المخدرات على وزير الداخلية ، الراجل بيحارب المخدرات وتجارتها ، شرد تجار المخدرات ، قضى عليهم تقريبا .
قفزت لذهني أحداث دخولنا للباطنية ، والعيون الكثيرة التي كانت تنظر لنا بشك وريبة .
الحركة داخل الشارع الذي وقفنا فيه كبيرة جدا ، وعدد كبير من الناس يتحدثون بصوت خفيض ، أو حتى مرتفع زيادة عن المألوف ، يمكن أكثر مما هو دارج في حواري مصركلها ، سواء في القاهرة أو بعض المدن المتوسطة والصغيرة ، تحس أنهم منفصلين عما يحدث في الدراسة ، أو مبسوطين بيه .
أسترجع كل ما قرأت في الرواية عن التجارة المحرمة ، بيع الكيف في الباطنية دائما يتم من خلال شبابيك منازل محددة ، في ظل رقابة على مدار الساعة بصبية تقف على نواصي الشوارع ، وفي الغالب تتم في طي الكتمان ، توارى الكتمان خلف جرأة غريبة ، تداول علني في هذا الوقت ، بجاحة ، كأنه لا خوف و لاحذر لديهم ، يبدو أن الواقع فاق الرواية بكثير ، وسقط حائط الخوف من قلوب هؤلاء .
حكينا لهم عما حدث معنا في الأربع ساعات السابقة ، وكانت الطامة الكبرى أصوات الرصاص في شارع المنصور بالدراسة حيث يسكنون .
تفاجئنا حينما أخبرونا بمروق أربع رصاصات في الغرفة التي نجلس فيها الآن ، أشاروا لمكان دخول الرصاص ، يوجد أربع فتحات بالحائط ، كلهم بحجم مقدمة الطلقات لقربهم من معسكر الدراسة .
سألت في دهشة بالغة :
– ومتى كان ذلك ؟ .
أجابني الحاج أحمد :
– من نصف ساعة فقط ، إضطررنا للنزول في الدور الأرضي خوفا من الرصاص .
تنفسنا جميعا الصعداء ، كانت نظراتي لهم في منتهى الإستغراب ، أنظر لمكان الطلقات بالحوائط والسقف ، أتعجب من توقيتات حركتنا بالفعل كانت رحمة من الله سبحانه وتعالى .
مر الوقت بسرعة ، تبادلنا كثير من الأحاديث ، الساعة قاربت السادسة مساء ، إنتهت مرحلة الحسين والدراسة ، أذن الوقت بمواصلة الرحلة لمصر الجديدة .
أعلن التليفزيون عن حظر تجوال في القاهرة وبعض المحافظات ، سيبدأ الحظر من السابعة مساء حتى السادسة صباحا ، سيستمر الحظر حتى تعود الأمور لطبيعتها الأولى .
مسرعين نزلنا من البيت ، اختفى صوت الجلبة بالشارع ، هدوء بداية ليل الشتاء الطويل ، فبراير والبرد قارس ، بدأنا المسير بالشارع ، زاد علي من سرعة السيارة لحاقا بالوقت قبل سريان الحظر .
بدأ انتشار الجيش في الشوارع ، كانت البداية من أول العباسية و التي وصلناها في خمس دقائق لاغير .
حركة الشارع مازالت كثيفة سيارات و بشر ، يسيرون بسرعة محاولين الوصول لمنازلهم قبل بداية حظر التجوال ، زحام منظم جدا .
كان خط سير على لبيته في الزيتون ، يوصلني في طريقة إلى مصر الجديدة ، الحل نزولي في ميدان روكسي ، أكمل مشي للبيت .
سار في شارع الخليفة المأمون، لينزلني في الميدان ، ومن هناك أسير بمفردي للمنزل ، والذي يبعد حوالي نصف ساعة سيرا على الأقدام.
الحقيقة كانت مغامرة ، الحظر أوشك إن لم يكن بدأ بالفعل . . ظهر جنود الجيش بجوار مدرعاتهم ، يرشدون المارة إلى الطريق ، يساعدونهم للوصول لوجهتهم .
وصلنا ميدان روكسي ، توقف علي لكي أنزل ، ودعتة شاكرا كل ما فعله اليوم .
بدأت السير بالشارع ، لاحظت ما يشبه الإبتسامة الغريبة تكسو وجه الجميع بالشوارع .
حاولت ايجاد تفسير لذلك ، أكانت بسبب أنهم غير معنيين بما يحدث ولم يشاركوا فيه ؟ أو ربما أنهم ليسوا طرفا في هذه الأحداث ؟ يشعرون بمزيج من عدم الرضا والخوف والترقب لما سيحدث .
سرت على قدمي باتجاه المنزل ، طال الطريق جدا ، أسرع الخطى وصولا للمنزل بالرغم من تعبي .
بدا أنني مذهول مما رأيت اليوم ، فوضى الأمن ، ماحدث أمامي في الباطنية ، ماهذا اليوم العجيب الذي أعيشه من الفجر للآن ؟.
بدأته في شبرا ولا أعرف أين سينتهي ، مرورا بكل هذه الأحداث حتى الباطنية وتجارة المخدرات ، والأعين التي كانت تنظر لنا ، وحاله الأمن في البلد وكأنها بلا صاحب.
هل لدينا أمن أو داخلية ؟
سؤال ألح على عقلي ساعتها ، إننى لم أشاهد ظل أحد من الشرطة ، كأنهم اختفوا تماما ، أشباح غير منظورة ، ولم يعودوا قادرين على الظهور مرة أخرى .
ظللت أسير بسرعة ، وكلما أحسست بالتعب زاد إصراري على مواصلة السير، أمشي بأقصى ما يمكنني ، أخشى التوقف عن السير ، أخشى أن أجلس بلا حراك في أول مكان فيه فرصة الجلوس .
لم يستوقفني أحد من الجنود ، سألتهم عن الطريق ، يرشدوني للطريق بأدب شديد.
رغم التعب أواصل السير حتى وصلت المنزل ، صعدت الدور الثالث على السلم ، لست أدري كيف وصلت له ، فقط هو الإصرار على الوصول لأقرب كنبة أستريح عليها ، من فرط التعب خيل لي و أنا أصعد درجات السلم أنني نائم بالفعل .
ضغطت جرس الباب ، لم أتركه حتى فتحت أختي ، دخلت مشيرا لهم بالتحية ، لم أستطع الحديث .
استلقيت على أقرب كرسي ، طلبت بعض الماء ، شربته دفقة واحدة وطلبت غيره ، تنفست الصعداء بعد شرب الكوب الثالث بالرغم من أننا بالشتاء .
تركوني بعض الوقت ، غفت عيني قليلا ، ربما ساعة أو أقل نائما على الكرسي .
على العشاء بدأت حكاية يومي الطويل جدا ، أقص عليهم ماحدث لي وأسمع منهم ، السهرة طويلة .
بدأت الحديث بما حدث ، بداية من الصباح لوصلونا للدخول خطأ حي الباطنية ، وما رأيته هناك .
مندهشين جدا ، تقريبا غير مصدقين ما أقول ، بالفعل أنا نفسي في حكم غير المصدق .
أحكى لهم أثناء نشرة الأخبار ، أشير لهم على الأماكن والأحداث التي رأيتها اليوم ،
قلت بأسى شديد :
– يا خسارة هيروح فيها أحمد رشدي ، البلد مش مكتوب لها راجل كويس يبقى وزير .
قال عبد الحميد :
– الفساد والمفسدين في كل مكان بالبلد ، تكاثروا بشراهة هذه الايام ، في كل مكان ، لايقبلون بينهم شريف ، لازم يبقى زيهم أو يدمروه .
قلت بسخرية :
– على رأي عمنا عادل أدهم عنده شرف جته قرف ، ضحكنا على النكتة الساخرة .
استمر الحديث طويلا ، داهمنا الوقت ، قارب الوقت على الثالثة صباحا .
قلت لهم مستأذنا :
– حان وقت النوم ، متعب جدا ، سوف أصحو مبكرا للعمل في الغد .
سألتني أختي :
– ةل ستذهب للعمل في هذه الظروف .؟
– العمل سيكون حتى الثانية ظهرا يوميا ، مفيش فترة مسائية ، حتى عودة الأمور لطبيعتها .
نمت كما لم أنم من قبل ، كأني كنت ميتا وصحى من النوم مرة أخرى .
كانت التاسعة صباحا عندما صحوت من النوم ، أنهيت حمامي و أرتديت ملابسي بسرعة .
اتصلت بعلي ، قال أنه بانتظار مكالمتي ، انتظرت بالشارع بضع دقائق حتى جاء .
– صباح الخير يا هندسه .
– صباح الفل رد على التحية ، انطلقت السيارة بسرعة نحو المهندسين .
الشوارع تكاد تكون خالية من المارة ، كأنه يوم إجازة ، كأننا الوحيدون الذاهبون للعمل .
لم يكن بمخيلتي إلا شئ واحد وهو أن أطمئن عليها ، أسمع صوتها ونتحدث لبعض الوقت ، والأهم من كل ذلك أن نعود سويا في باص واحد إلى شبرا الخيمة .
لحظاتي معها أختطفها من أيامي ، أجمل أوقاتي حينما نكون معا ، أعاني من روتين حياتي المملة .
عمل ومواصلات ونوم وقراءة ، خروج وسفر بين البلد و المدينة، أحيانا لكسر الروتين أذهب لمشاهدة فيلم قديم بالسينما أو أدخل المسرح ، وكثير من الأنشطة التي تتراوح بين كرة القدم والكتابة والقراءة .
ومع كل ذلك أشعر بالوحدة الشديدة ، أو قل هي الغربة ، وكيف و أنا أعيش في بلدي ولم أتحرك بعيدا كثيرا عن أهلي ، حتى أقاربي ومعارفي كثر بالقاهرة ، ومع ذلك أحس بالوحدة الشديدة .
متعتي الكبرى ، التسكع بوسط المدينة ، متفرجا على الحياة ، أسير صامتا فترة طويلة ، أحاول استيعاب تعبيرات الوجوه عن الحياة ومصاعبها ، تأسرني الإبتسامة على الوجوه المصرية الأصيلة ، الضحكة الواسعة من الأذن للأذن ، حتى ولو بالصوت العالي لأبناء البلد ، والأدهى النكتة الحراقة التي تخرج من القلب ، والتي تنتزع باقتدار وفن ضحكة عفية في عز الضنك الذي يعيشه أغلب شعبنا .
راكبا مع علي بالسيارة ، حكى لي ما حدث معه أمس ، كيف وصل للمنزل وكيف كانت ليلته ، وكأنني كنت في مكان آخر تماما ، كنت أعيش بعيدا جدا، داخل خيالاتي وأحلامي ، محلقا مع كل تلك التخيلات .
بالرغم من صعوبة الحلم في ظل ما نواجهه من مشكلات ، ولكنها الحياة دائما ، نعيشها كما هي ، وبشروطها ، لأن كل لحظة مهما كانت صعبة ستنتهي وتمر ، وتصبح ذكرى لها سحرها وجمالها وتأثيرها علينا .
وصلنا متأخرين وكان الجميع قد سبقونا إلى المكتب في الثامنة والنصف ، إعتذرنا بما حدث لنا أمس .
قضينا الوقت من العاشرة صباحا حتى الثانية ظهرا في الاطمئنان على أصحابنا و أقاربنا ، كانت مكالمتي معها هي الأطول ، طال الحديث بيننا تعويضا للأمس .
قضينا الوقت في قليل من الأعمال وكثير من الكلام ، حان وقت الإنصراف ، لممت نفسي وأشيائي بسرعة ، وجدتني في زمن أقل من المعتاد وصلت محطة الأوتوبيس .
أقف في انتظارها بعيدا عن أعين صديقاتها ، لمحتني بطرف عينيها ، أومأت أنها تراني ، جلسنا في مقعدين متجاورين في الباص ، من حسن حظنا أنه غير مكتظ اليوم على غير العادة ، يبدو أن كثيرا من الموظفين لم يذهبوا للعمل اليوم ، ناهيك عن تغير مواعيد الإنصراف وتفاوتها بين كثير من الشركات .
أخذنا الحديث عن الأمس من كل شئ ، استغراب واشفاق مما حدث ، تنظر لي و لا تقول شيئا ، مجرد تعاطف واحساس وصلني ، الحمد لله أنك بخير ، سلمت من كل سوء ، احتويتها بعيناى .
حان وقت عودتها للمنزل ، وصلنا شبرا الخيمة في زمن أقل من المعتاد ، لأول مرة أكره انسيابية المرور جدا ، تبا لقله الزحام في هذا اليوم أوصلتنا في زمن قياسي .
حرمتني من وقت أطول معها ، كنت أمني نفسي من الأمس بوقت أطول و أجمل معها ، ياخسارة .
سألتنى قبل أن تنزل :
– ماذا ستفعل الآن ؟
رددت :
– رايح السكن بسرعة ، سآخذ ملابسي التي تحتاج للغسيل و أسافر إلى البلد .
استطردت في الحديث :
– أرى أسرتي و أصدقائي ، الليلة طبعا سهرة طويلة ، حديث عما حدث والمغامرة التي تعرضت لها بالأمس .
– تروح وتيجي بالسلامة ، خد باللك من نفسك جيدا ، هتوحشنى حتى السبت ، قالتها بهمس .
أول مرة تقولها لي ، جعلتني أحلق للسماء ، أكاد أسمعها أغنية جميله دوما في أذني .
استدركتها سائلا :
– بجد ما قلتي ؟ صمتت ونظرت من الشباك ، حمرة الخجل تغمر وجنتيها الجميلتين .
صمتت تداري ابتسامة خجلة ، كأن عينيها تدمعان في هدوء ، ضحكت وسكت أنا الآخر ، لم أرد أن أحرجها أكثر من ذلك ، ظللنا صامتين حتى توقف الباص تماما وخلا من معظم الركاب.
ألقت تحية الوداع ونزلت ، ظللت أنا جالسا أفكر في سعادتي بكلماتها لحظات ، كأن العمر هذه اللحظات .
استدارت و أشارت لي بيدها ، رددت تحيتها من خلال زجاج الباص ، ابتسمت بفرح و أغلقت عيناى .
نزلت من الباص بعدها بدقيقتين ، أودعها بعيناى التي تتابعها ، أخذت تسير بهدوء ولاتنظر ورائها في اتجاه المنزل ، أطير أنا فوق السحاب ، استقل الباص للسكن كأنه بساط الريح ، يا لأحلامنا البسيطة .
قضيت ليلة رائعة في البلد ، غمرتني الأسرة بكل الحب والرعاية ، أحسست أنني ملك متوج على قلوبهم جميعا ، أبادلهم نفس الحب و أكثر .
كانت جلسة ممتعة ، بيني وبين كثير من أصدقائي ، مائدة تناولنا فيها كل ما لذ وطاب ، حكايات وتعليقات ، أحاديث وضحكات ، برغم كثرة الأسئلة والإستغراب مما حدث ، كانوا بين مصدق وغير مصدق ، ومن يستبعد أن يحدث كل ذلك في يوم واحد ، كل هذه الأحاديث أنستني كثير من التعب .
حينما وضعت جسدى على السرير أحسست أنني أخيرا وجدت ما كنت أبحث عنه من زمن .
خلدت إلى نوم عميق في الثالثة صباحا ، لم أصح منه إلا على صوت قرآن الجمعة بالمسجد .
عودة إلى القاهرة والعمل ، أسبوعين من حظر التجوال ، ودائما مع كل حدث تجد أن له وجه آخر ، عليك أن تكتشفه وتستمتع به ، يمكن أن تكون الحكمة من وراء الاشياء .
العمل طوال مدة الحظر فترة واحدة يوميا ، استمتعت فيهما بلقائها مرتين يوميا، الذهاب سويا صباحا وعصرا ، كانت من أجمل أيامي معها .
نسيت كل همومي ، النوم مبكرا في انتظار الصباح ،الانتهاء من العمل والإسراع للعودة معها .
في طريقنا معا إلى العمل ، كان الوقت يطول أويقصر ، بمقدار ما نتبادل من حديث ممتع عن الحياة ، أحلامنا لمستقبل أجمل ، تنتظرنا فيه أيام جميلة تحمل كل الأماني التي نحلم بتحقيقها ، نتحدث سويا .
تحدثنا في كل شئ ، تناقشنا في أمور كثيرة ، اختلفنا كثيرا وتقاربنا أكثر و أكثر برغم اختلافاتنا.
حتى شعرت معها بضرورة الإرتباط الرسمى ، أراه الأفضل للحب الحقيقي .
ولكن و آه من لكن هذه ، أكرهها دائما ، لم نستطع الإستمرار ، ظروفنا الشخصية ، مشاكلنا المادية.
لم نستطع المقاومة ، كانت عظامنا هشة جدا ، المواجهة صعبة لنا سواء كل بمفرده أو معا ، حتمية التنازل عن حلمنا أو تأجيله .
القرار الأوفق والأصعب ، أو قل الخيار الوحيد ، ذهب كل منا لحال سبيله .
وقد كان ذلك صعب على جدا ، ترك آثارا سيئة جدا على نفسى ، جعلنى لا أفكر في الإرتباط طويلا .
بالرغم من الألم ، فإن أي أزمة نتعرض لها وجه آخر ، إما أن تقوينا أو تخلق فينا أملا جديدا ، أوتنبت لنا حلم آخر يجعل أيامنا أفضل من ذي قبل .
- حظر يفوت ولا حد يموت
- التعليقات

