…انتفضت الآمال من مرقدها، و أزهرت الأقاحي في أرض قلبها بعدما عانى من القحط سنين طويلة.كالوردة الذابلة التي بللتها قطرات المطر فأينعت من جديد؛ كانت شامة تقضي يومها نشيطة مبتسمة، تذرع البيت جيئة و ذهابا في خفة، تغني بصوتها الرنان، و قبيل الغروب تتسلل قاصدة شجرة الصفصاف حيث قلبها ينبض. لم تعد تعبأ للمحجوب ولا لتهديداته بل صارت تتحداه بشجاعة وتقف ندا له خاصة حين يسيء معاملة والدتها.
– “أ تعرف أنك سبب قوتي” قالت وهي تسند رأسها على ركبتيه وتتأمل خيوط الشمس الحمراء، وقبل أن يرد واصلت كلامها بصوت حانٍ:
– بفضلك تغلبت على خوفي وضعفي وما عاد المحجوب هاجسا يؤرقني.
تبسم محسن وهو يمرر يده على رأسها و يلاعب ضفيرتها الطويلة بين أصابعه وقال وهو ينظر الى نفس المكان الذي تنظر اليه:
– لقد وحدنا القدر يا عزيزتي فهل يفرقنا البشر؟؟ محسن لشامة و شامة لمحسن من الصغر أ نسيتِ؟
– نعم..ما أجمل الصغر !
– ما أجملك انت ! أسند رأسه على جذع النخلة و كأنه يسترجع ذكريات من قاع ذاكرته، ثم تبسم و أردف قائلا:
– أتذكرين حين أمسكت بنا جدتك في قن الدجاج؟ انفجر الاثنان من الضحك و ردت شامة و هي بالكاد تمسك ضحكتها:
– أ لا أتذكر! ..يومها كاد قلبي أن يتوقف من الخوف..استسلمت لنوبة ضحك طويلة ثم عادت تقول:
– لو أمسكتنا يومها كانت ذبحتنا.. فقسنا البيض قبل أوانه ..اه مسكينة جدتي رحمها الله .
– كانت أول مرة أقبلك فيها..
قالها وهو يمسك وجهها بين كفيه. احمرت وجنتاها و هربت من عينيه و طأطأت رأسها في خجل. في حين واصل كلامه و هو يقترب منها أكثر
– أ لم يحن وقت قبلتي الثانية؟؟..
أدار وجهها نحو وجهه و بدت شفتيها كقطعة كرز حان قطافها. اقترب أكثر و ارتعشت الانفاس وخفق القلب ودق دقات مجنونة ، وقبل أن يقطف من بستانها الزاهي قطعة كرز هربت من بين يديه و تورات وراء الأشجار تاركة صوت ضحكاتها يرن في أذنيه و عطرها يملأ قلبه!
استيقظت شامة حاملة بصدرها قلبا يرفرف فرحا، وبعينيها بريق ساطع زاد وجهها حسنا وجمالا، كانت أمها تستعد للخروج ، جرت نحوها مبتسمة ،انهالت على وجنتيها تغرقها بالقبل وهي تلف يديها حول رقبتها قائلة:
– ما أجملك يا امي… !كم أحبك يا أمي.. !
– ممم.. يا مشاغبتي ما سر هذا النشاط كله؟
– انا سعيدة يا أمي ..سعيدة أشعر وكأني أمتلك العالم كله..
راحت تدور حول نفسها قائلا بسعادة غامرة:
– أشعر أني أطير ..أطير .. أطير كالحمام..!
– جعل الله أيامك كلها سعادة حبيبتي.. قالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع وواصلت كلامها و هي تكفكفها بطرف يدها:
– أخيرا سأراك عروسة..وتتخلصي من عبئي ومن المعاناة التي عشتها بسببي،
وقبل أن تكمل كلامها هرعت اليها شامة وأخذتها في عناق قوي و هي تردد:
– لا تقولي ذلك أنت أمي .. أنت حياتي كلها ولن أرحل من هنا حتى أخلصك من ذلك المعتوه و ستعيشين معي.
– لا يهمني من هذه الحياة الا سعادتك أما انا فلا يهم ،هذا قدري و سأعيشه كما كتبه الله لي يا ابنتي
– هذا القدر سيتغير يا امي أعدك. .خرجت الام و هي تغرق ابنتها بدعوات النجاح والسداد، والسعادة.
انغمست شامة في تنظيف البيت،وفجأة سمعت طرقا عنيفا على الباب، هالها الامر ووقع في قلبها كدر مفاجئ فهرعت لتفتح الباب..

أضف تعليقاً