تدغدغها نسيمات ,فتقصدني تتمسح بحذائي الكبير ، كقطيطة لعوب ،وتبالغ في التمسح، تحتمي بباطن حذائي ، تتملقني ، ربما تتجسس علي ،كنت أراقب ذلك الجرح الغائر من الأرض , يلفظ الملايين من النملات السوداء, رافعة مؤخراتها السوداء كحبيبات العنب أو ثمرات التوت المشنوقة ، مشمرة على الأذرع ,وتجر أضعاف وزنها: سيزيف يصعد بصخرته قمة الجبل ، في عجلة من أمره بين الذهاب والإياب .
أمعن النظر طويلا ،أ كاد أخترق حبل الوريد من أعماق الأرض. يسيل بجيوش من النمل في حركة سريعة : كأنها تسير فوق صفيح حديد ملتهب , تحدثني تلك القشة :
– ما بالك ، يا أخي ؟ ما يهمك من ثقب الأرض هذا ؟ أتريد أن تسحقه بحذائك الثقيل كعادتك ؟ أ أنت جندي من جنود سليمان؟ فأنتم – معشر البشر- تعشقون لعبة السحق والتدمير والقتل ,تكرهون كل ما هو جميل.
أمسح محيط حذائي بنظرات فاحصة وأقول:
-إني أبحث في هذه الحشود الكبيرة عن نملة ،يقولون : إنها أنقذت وادي النمل من الحوافر والأظلاف وأحذية الجند الثقيلة . نملة يقولون : إنها كانت تطعم دودة عمياء في أعماق البحر .تلك النملة الشجاعة التي كانت تعبر مسارب حقول الذرة ، فيعترض سبيلها فيل الملك , و يتحرش بها ويتغزل بجمالها ، لكنها الحرة الأبية : تلقنه درسا في الأدب ،وهي تعرف أنه فيل ذلك الملك الطاغية ·
شكاه القوم يوما إلى مولاه , لأنه كان يدمر محاصيلهم الزراعية ويتركهم عرضة للجوع وبلسان واحد يصيحون حتى لا يموت الفرد بذنب الجماعة :
– يا ملكنا إن فيلكم الكريم.
وقبل أن يكملوا شكواهم يصرخ فيهم وهو يداعب مقبض سيفه الفولاذي:
-ما باله هذا الفيل يا جماعة النحس ؟
وخوفا من بطشه ،يكتمون الشهادة · ويلح عليهم في السؤال، وجباههم تلتصق بالأرض فرقا :يجيبون بلسان واحد :
-فيلكم السعيد يا مولانا فوق رؤوسنا .. في أعيننا.. لكنه تنقصه فيلة جميلة سنختارها له!
يغوص فيل الملك في ضحك هستيري ساخرا من جبن هؤلاء القوم ونفاقهم المقيت .
يحار الملك في أمر ضحك فيله .فيستدعى خيرة كهنته وعلماء بلاطه .يريد معرفة سر ضحك فيله , ربما يكون أصابه مس من جن أو هبل و خبل .
يتداولون فيما بينهم ويفتون بالإجماع :
-يا مولانا ,إن فيلكم المبجل ، تنقصه فيلة أجمل من تلك التي سيختارها له شعبك ، فالشعب دوما عديم الذوق والحس الجمالي يا مولانا ، و لحسن حظه أنه حظي بذوقكم الرفيع ، فاخترتموه ورضيتم به شعبا لكم!
– يا قشة , أريد أن أتملى بطلعة نملة استرجلت عندما استمرأ رجال الملك , فكانت أكثر شجاعة من علمائه ,وأكثر وطنية من شعبه ، لأنها تحدت جبروت الفيل وطغيان مولاه .
وتمعن القشة في الاختباء بباطن حذائي, إنها تخاف سطوة النسيم:
-وهل ساعدك حظك للعثور على ضالتك التي نابت عنكم -معشر البشر- في ركوب أمواج تحدي الخوف, ليوسمها التاريخ بوسام البطولة ؟
وأنا أخربش تخوم قرية النمل بعود يابس , أجيبها دون أن ترى ملامحي :
– لم يحصل لي شرف لقائها بعد ،كيف لي أن ألتقيها وكل النمل يتشابه ، يتساوى في رفع المؤخرة التوتية السوداء, كل النمل يطمع في اعتصاري وإدخالي في ثقب الأرض ؟ كل النمل يتساوى في الطموح ، ويختلف في الإرادة وقوة العزيمة •
-وهل تمكنت من ضبط أعداد النمل الساكن هذا الثقب من الأرض ؟
-لا كلما حاولت تفلت مني زمام الأمور, تختلط علي الألوان والأحجام ، فالنمل أشبه بشعوب أسيوية صفراء : الكل يتشابه ولا أحد يشبه الآخر, و إحصاؤه سيجعل الطريق سالكا معبدا لعد حتى شعيرات البشر, وأوراق الشجر، وجلاميد الحجر!
– إيه . إيه ! راعي الغنم أذكى منك، مسحة واحدة من طرف عينيه تجعل العدد جاهزا مهما كان الكم كبيرا ، ولماذا كل هذا التعب والعناء؟
أنفش ريشي وأتظاهر بعظمتي الوهمية وأنا أعرف زيف كلامي :
– أريد أن أبرهن على أن قدرة البشر عصية على القهر مستعصية على الهزيمة.
وترمقني القشة بإشفاق:
– اعلم أنك أيها الإنسان ,حتى لو تأتى لك ذلك ، فإن قدرتك لا بد وأن تقهر. فإنك لن تقدر على عد النجوم في السماء, أو الأسماك في البحار, وحتى لو تمكنت من ذلك ,فإنك لن تقدر أن تقهر عدوك الكامن في أعماقك, أن تقهر نفسك الأمارة بالسوء .
إن نرجسيتك توهمك بأن الطريق سالك, ربما محركك الأساس هو الأنانية . والله إن ضعفكم -بني البشر- يجعلكم تمسحون خوفكم بلباس اﻷضعف في حلقة الوجود !
تمسحون خطاياكم في أضعف المخلوقات على وجه الأرض ! ضعيفكم أبد الدهر , قشة لمحرقة حروبكم وصراعاتكم ! تغسلون جرائمكم بدماء الضعفاء منكم, ألستم أنتم من قال: البقاء للأقوى . حبذا لو قلتم للأصلح!
أشعر بضيق في التنفس, وإنسانيتي تدوسها هذه القشة ,وتضع عيوبي تحت مجهر الحقيقة وتعريني من رأسي إلى أخمص قدمي و بحنق شديد أرد اتهامها :
– ومن أنت حتى تكيلين لي كل هذه التهم ؟ وما أنت إلا قشة صغيرة ضعيفة ، لا حول لك ولا قوة . هزة بسيطة من نسيم بارد ،ترميك في السماء السابعة . لمسة بسيطة من حافر حمار تسحقك وتزيلك من الوجود تماما!
– هذا صحيح لأنكم لا تعرفون إلا لغة السحق ،فالطبع يغلب التطبع ! فأنت تقر بظلمكم -معشر البشر- فإذا كان ما ذهبت إليه صحيحا ، فكيف تلصقون بي تهمة أنا بريئة منها براءة الذئب من دم يوسف؟
-وما هي هذه التهمة ،يا قشة ، يا قاف القنوط و يا شين الشقاء ؟
– ألم تتهموني بأني أنا التي قصمت ظهر بعيركم ؟ أنتم تريدون مسح جرائمكم ببراءتي ؟
أفكر, وأفكر مليا فأجد تساؤلها معقولا, كلامها فيه حكمة:
-لكن ، بمجرد ما امتطيت ظهره قصم ، أم لك تفسير آخر؟ –
-إذا كنت أنا قشة قصمت ظهر البعير! فما لكم وقطرة الماء, إنكم تمسحون بضعفها ثورة /فورة غضبكم ، فتلصقون بها تهمة إفاضة الكأس . فهل يعقل أن تفيض قطرة كأسا؟ أم أنكم تبحثون عن أسباب لتبرير جرائمكم , تدعون الحكمة وما أنتم حكماء ,.شرعتم للذئب افتراس الحمل ,لأنه يعكر عليه صفو الماء ، بعدما قلبتم مجرى النهر . في عرفكم المخبول شعيرة واحدة بين الحرب والسلم , بين الحق والباطل. و في قرارة أنفسكم أن الفرق كالفرق بين الأرض والسماء ، ما بين الظلام والنور … إنكم تحرفون الحقائق خدمة لأهدافكم الخاصة .
تبررون اعتداء الذئب على العنزة ، فتألفون اﻷكاذيب, تقولون :
– أرادت العنزة أن تنتقم من الذئب ، فارتدت جلد السلوقي وانقضت عليه, ففر لا يلوي على شيء كالمسعور, وهي تمعن في اللحاق به ، ومن كثرة خوفه, كان يقذف فضلاته ككويرات البرد , لكن المسكينة أخطأت تقدير العاقبة, فتعثرت في شوك سدرة كبيرة فصرخت من الألم :
– ماع…..ماع …. ماع …..ماع …..ماع .
فطن الذئب لحيلة العنزة , فاستجمع ما تبقى فيه من قوة, ورجع إليها وشرر الحقد يتطاير من عينيه ، فأدركت المسكينة الخطر, فبدأت تلتمس منه الرحمة:
-يا ذئب الذئاب ، تعرف أنك سيد الغاب، فأنا كنت أمازحك.
تحمر عيناه وتستيقظ في أعماقه غريزة الافتراس :
-يا وقحة , أتعتبرين فضلاتي هذه مجرد مزاح يا لك من بليدة قليلة الأدب .
فينقض عليها بسرعة البرق ويدق عنقها . فكانت بداية تفشي العداوة بين فصيلة المخلبيات وفصيلة الظلفيات.
وأنا ألملم خربشاتي, وأجمع شتات أفكاري ،وكلي إنصات لحديث هذه القشيشة الحكيمة . ،تهب فجأة ريح قوية, فتخطفها من قرب باطن حذائي ، وتتلاعب بها في أعماق السماء وسط ضباب كثيف من القش ، كون عاصفة قشية أشبه بعاصفة رملية ,فتتلاشى قشيشتي في هذا الزخم من القشيشات المليونية العصية عن العد.
تعصرني الحسرة فأعض على أصابعي وأصرخ :
– يا لسوء حظي , لا النملة المتمردة ، ولا القشيشة الحكيمة ,لا هذه ولا تلك

أضف تعليقاً