كانت ليلة هادئة .. القمر يطل من النافذة بخجل لينشر نوره الخافت في أرجاء الغرفة الغارقة في السكون .. ثم يقع على جزء من وجهي المكفهر وقد تمددت على السرير مسجى لا أكاد أبدي حراكا .. سارحا بفكري في عوالم بعيدة، شاخصا بصري إلي السقف .. فقد مضت أيام لم يغمض لي فيها جفن؛ منذ أو وقعت صغرى بناتي طريحة الفراش .. كانت تذبل مثل الوردة؛ ذهبت نظارة وجهها وغارت عيناها في محجريهما .. وكلما نظرت إليها في حالتها تلك؛ ينقبض صدري ويغشاني حزن شديد؛ فقد كنت كلفا بها ولا أكاد أصبر عنها لحظة، كما كانت بدورها تميل إلي لما كنت أحبوها به من عطف وما أقدمه لها من هدايا .. حتى صرنا لا نفترق إلا لحظات قليلة تلك التي أقضيها في العمل .. ولا تسل عن مدى سعادتها واحتفائها بعودتي كأنما غبت دهرا؛ إذ ترتمي في أحضاني وقد أشهرت ابتسامتها العريضة التي تملأ وجهها المتلألئ .
لكنها الآن تصارع المرض بجسد ضعيف أنهكته العلة .. وعندما أناديها من قلب مكلوم تفتح نصف عينيها ثم تغتصب ابتسامة تجود بها علي، فلا أملك دفع دمعة تطفر من عيني رغما عني فأداريها بابتسامة مفتعلة كنت أبذل جهدي لكي أجعلها تبدو طبيعية .. وأطبع قبلة على خدها الملتهب لأودعها كل ما املك من حنان .. وعند هذا الحد لا أتمالك نفسي؛ فأشيح بوجهي جانبا وانخرط في بكاء صامت .. بينما تضغط أصابعي بأناملها الناعمة كأنما تترجاني أن لا أضاعف ألمها .
كانت حالتها تزداد سوءا .. والطبيب عجز في تشخيص حالتها فأوصى بالراحة وكثيرا من العقاقير والحقن التي كان تزيد من حالتها سوءا أكثر من أن تخفف عنها ما كانت تعانيه .. كانت تتجرع الدواء بمرارة بعد أن أقنعتها بأن ذلك ضروري لصحته، أما الحقن التي كانت تنال من جسدها الغض فقد كانت دائمة الاحتجاج والرفض لها .
يتضاعف الألم ويكثر تردد الأطباء بينما الجسد النحيف يزداد ذبولا .. والعين التي كانت تبتسم أصبحت لا تقوى حتى على رؤية النور .. كانت راحتها في الاستغراق في النوم .. وترسل تنهدات متقطعة تدل على أنها لا زالت على قيد الحياة ..
لم يعد يشغلني غير أمر هذه الفتاة التي وقف الطب حائرا أمام دائها ، وكنت حين تضيق بي السبل ويدركني اليأس أهرع إلى غرفتي وأخر ساجدا متضرعا إلى الله أساله أن يرحم ضعفها ..
في تلك الليلة أخذتني غفوة من شدة الإرهاق؛ رأيت فيها والدي يتوسط الغرفة بقامته المديدة ووجهه الأبيض المشرب بالحمرة .. كان على هيئته التي مات عليها لم يتغير منه شيء .. بقيت ممددا على السرير أتأمله في إجهاد .. حاولت أن أقف لأحتضنه؛ فقد كنت بحاجة إليه لأبثه لواعج فؤادي، ولكن قوتي الخائرة لم تسعفني .
لبث مدة يتأملني جامد الملامح ثم انبسطت أساريره فجأة وتقدم نحوي بخطوات بطيئة حتى لامس سريري .. تأملته عن قرب فلاحظت شحوبا يكسو محياه بمسحة من الكآبة .

ما بين النوم واليقظة هو ذا يأتيني زائرا .. بعد أن انقطعت الأسباب به منذ وفاته، وانشغلت بهمومي عن زيارته، أحسست في أعماقي بالتقصير في حق هذه الروح الطيبة التي جاءت تواسيني في أحلك الظروف .. بينما كنت مستغرقا في هذه التأملات أحسست بيمناه تستقر على صدري بردا وسلاما .. مددت يدا مرتجفة لأتناولها وأمرغ فيها خدي ولكنها وقعت في الفراغ .. ثم بدأ طيفه في الابتعاد رويدا، بينما تثاقلت أجفاني واستسلمت لنوم عميق ..
أفقت في الصباح موفور النشاط على غير العادة منذ أن وقعت فتاتي طريحة الفراش .. وانتابني إحساس غريب أنعش الآمال في قلبي .. فتوجهت مباشرة إلى غرفتها لأملأ عيني مما تبقى فيها من نور كان إلى وقت قريب يضيء حياتي سناه .. فألفيتها جالسة تتوسط سريرها وقد ارتسمت على محياها الوديع ابتسامة جميلة ، ثم بسطت لي ذراعيها ، فلم أتمالك من دهشتي وسروري أن ألقيت نفسي عليها وضممتها إلى صدري أريد أن أجس نبضها، فسرى بيننا تيار من المشاعر الدافئة .. رفعت بصرها وحدقت في جيدا ثم فاجأتني قائلة ببراءة الأطفال :
– لقد زارني البارحة جدي وأمضينا الليل في مرح ولعب ..
قاطعتها متلهفا :
– نعم .. وماذا حصل بعد ذلك ؟
وضعت يدها على جبينها كأنما تعتصر ذاكرتها وأجابت بعد تفكير :
– مسح على رأسي وهو يتمتم بعبارات غير مفهومة، ثم ابتسم لي وغاب خياله كما ظهر فجأة !
منذ ذلك اليوم بدأت حالتها تتحسن .. وعادت النضارة إلى وجهها فأوردت الخدود الضامرة وسرت فيها الحياة من جديد .. كانت تقفز وتلعب وتوزع علينا البسمات ، فأتأملها وقلبي إلى جوارها يرفرف سرورا .
استوقفتني يوما وهي في غمرة مرحها وترجتني أن نزور قبر جدها الذي اشتاقت إليه ، فذكرتني بواجب الشكر للغائب العزيز ..

أضف تعليقاً