يذكر عندما كان والده رحمه الله يرسله لشراء زجاجة غزّة كولا فيشرب نصفها .. ويسقي أبناءه النصف الآخر .. كان نصيبه من هذا النصف .. الربع أو الثلث .. بحسب تواجد إخوته الصغار .. وكان لا بدّ من إعادة الزجاجة الفارغة .. واسترداد الرهن الذي يقارب ثمن المشروب .. كانت أقرب بقالة من منزلهم .. تبعد حوالي مئتي متر .. وكانت هذه المسافة هي حدود دنياه المسموح له السير فيها منفردًا .. كان يتوحّش من الطريق إذا خلا من السابلة .. فتراه يسابق خياله في طريق الذهاب .. لم يكن يستطيع الجري وهو يحمل الزجاجة ممتلئة لأنّ البقّال كان يفتح الغطاء الحديدي بمفتاح خاص بفتح زجاجات المشروبات الغازية .. كانت تتراءى له شياطين الإنس والجان .. إذا أمست الدنيا .. كان يخجل أن يقول لوالده أنّه يخشى الظلام .. كانت تتراءى له الأشباح وأشباهها كلما اقتربت أضواء السيارات من بعيد .. وكانت تتراءى له حكايات الغول والقتيل واليهود التي تخطف الأطفال لتعجن بدمائهم فطائر الأعياد .. والضبع الذي يبول على عابر السبيل فإذا أصابه الرشٙاش ظلّ يجري وراء الضبع ولا يتوقّف إلّا في مكان بعيد عن العمران ليلتهم فريسته المسحورة .. كلّ هذا وأكثر كان يلهبُ الخيالٙ الكبيرٙ لذلك الطفلِ الصغير .. فكان ينتظرُ لتمرّ إحدي العرباتِ لتنير له الطريقٙ فينطلق خلفها كالبرق .. يحرّكه خوفُه القديمُ من الظلام .. وكان إذا تأخّر مرورُ السيارةِ التي يريد .. يُغلٙبُ على أمرِه فيسير في منتصفِ الطريق بسرعةٍ وهو يردّد الفاتحة – التي بالكاد يحفظها – كيلا تطوله أيدي الغيلانة التي تتراقصُ على جانبي الطريق .. كان برغمِ صغره يفكّر في أمرٍ ولا يجرؤ على مفاتحةِ والده فيه .. وكان ينوي أن يفعل هذا الأمر مع اولاده عندما يرسلهم لشراء زجاجتين غزة كولا .. واحدة له والأخرى لأبنائه .. وكان ينوي أن يشتري زجاجاتٍ فارغةً حتى لا يجبر أولادٙه على الرجوع مرّة أخرى لاسترداد الرهن .. يذكر الطفل أنّه بعدما شبّ دُهش من تسمية المشروب البرتقالي بالكولا التي ما عرفها من بعد إلّا سوداء .. كلّ هذه الأمور كانت تلازمه في الطريق الغربيّ وهو الطريق المشرقُ والمضيءُ مقارنةً بالطريقِ الآخر الذي ينتصفُ القبور .. قبورٙ الأموات .. كان يشعرُ بالرهبة والقشعريرة كلّما مرّ معٙ أحدِهم عن القبور .. ولا يتردّدُ في إغماضِ عينيه و ترديدِ الفاتحةِ حتى يتجاوز القبرٙ الأخير .. كان يتصورُ الموتٙ هو القتيلٙ الذي يخرجُ من القبر يهوّم بيديه الطويلتين ولباسه الأبيض …. في السنة التالية سجله والده في الصف الأول الابتدائي .. ويذكر أنّ المعلمٙ كافأه بطبشورةٍ ملوّنة .. جعلته يحتضنُ المدرسة ويفوق أقرانه ..
هو يذكرُ ذلك وهو منكمشٌ في القبر المهجور .. عندما طارده بعضُ جنودِ العدوّ بعدما قذفهم بالحجارة .. أصواتُهم لا تبعدُ عنه سوى أمتار .. يسمعهم يتخاطبون من خلال الأجهزة اللاسلكيّة .. أين ذهب خوفُه من القبور ..؟! وكيف له أن يتكوّم داخل قبرٍ وهو الذي يصابُ بالهلع إذا مرّ من جوارها .. خفتت الأصواتُ وانصرفٙ جنودُ الاحتلال .. ولما تيقّن من انصرافهم انتظر بضعٙ دقائق خشية الكمائن ثمّ زحف بين القبور إلى الجانب الآخر .. ولمّا اطمأنّ إلى خلوّ الطريق .. انطلق لا يدري من أين جاءته النجدة .. وكأنّ قوّةً خارقةً قذفت به إلى البيت .. غيّٙرٙ ملابسه فربّما علق بها بعض الرفاة .. دخل فراشٙه الدافئ .. وظلّ يُحدِّث نفسٙه بتشويحات يديه .. كيف ؟! وكيف ؟! ولم يحدّث أحدًا بعد ذلك بهذا الحدث .. وكان كلّما تذكّره حاول أن يقنعٙ نفسه أنّه حلمٌ لا أكثر ..

أضف تعليقاً