..بعد أن كان لي وقت ليس فارغا فحسب يمكن ملأه كإناء بأي سائل تعتصره اللحظة، بل وفائضا حتى يمكن التخلص منه كنفاية زمنية؛ إذ كنت أهرقه في النوم الفائض عن الحاجة أو في أي شكل آخر من أشكال الغيبوبة الطوعية. كنت أحسب أن صنبور الوقت من ساعتي لايمكن أن ينضب أبدا، ويمكنني، إن شئت، أن أفتحه، وحتى أنزع غلاقته، وأدعه يتدفق بلا توقف، بل وأملأ كفي بالوقت المنساب وأرشه حولي، أرش الثواني والدقائق والساعات كمن يرش الماء.! بعد كل هذا، قلَّ الوقت، ولم يعد في الساعة سوى ماتبقى من سويعات، بينما الطريق الطويل الذي كنت أؤجل، كل يوم، مسيرة يومه الى الغد، لازال يزداد طولا كما صار لايطيق إنتظارا وبدأ يجر خطواتي الشاردة وراءه الى مصيرها المحتوم إذ لامفر للخطوات التي لم تقطف ثمار الطريق في أوانها أن تنتهي غبارا تلعقه قارعة الطريق.! ولن أستطيع أن أسير اليوم سوى المسافة التي كان علي قطعها أمسِ، فيم تتأجل مسافة اليوم الى الغد، بالرغم من أني سأسير اليوم، فمهما خطوت، الآن، باتجاه الغد تفلت مني خطواتي وتصب في الأمس، لأن الطريق كالسيف إن لم تقطعه قطعك.! وانا مضطر لتدارك طريق أشهر حده القاطع في وجهي، بما تبقى في رأس ساعتي من شعيراتِ وقتٍ لم يدهسها شيب الزمن بعد.! لهذا كان علي أن أتحرك من مكاني بعد أن بدأ يفوت الأوان، لكني، حين اضطررت لهذا، إكتشفت الحقيقة المرعبة: أني مجرد شيء جامد.. مجرد مشجب مسمر في مكانه تتدلى منه معاطف اليوم السبعة التي يرتديها كل اسبوع على مدار الشهور طيلة السنين، المعاطف المعروفة الأليفة نفسها: معطف الإثنين ومعطف الثلاثاء وجلباب الجمعة وبذلة الأحد.. المعاطف التي كنت أخال أنها معاطف أيامي، لم تكن معاطفي، لأنه لم تكن لي أيام حتى؛ واليوم الذي كنت أخاله مشجبا في حائط ساعتي أعلق عليه ماشئت من معاطف الأيام والشهور وأرقام أحذية السنين، كان سيدا يذهب ويجيء، وانا كنت المشجب الخدوم الذي حفظ أسماء معاطف الأسبوع عن ظهر قلب، وظل وفيا للمكان الذي فتح عليه عينه ووجد نفسه مسمرا فيه دون أن يعرف حقيقة لماذا.؟ بينما ظل اليوم نفسه يذهب ويجيء، والمعاطف نفسها تذهب معه وتجيء..لكني لم أظل أنا نفسي، لأني صرت مشجبا لايذهب ولايجيء، أنا الذي لم يولد من بطن مشجب، وعرفت يوما واحدا ظلت سحنته هي هي بين ألوان معاطفه السبع.! لذلك لايمكن للمشجب أن يتحرك من مكانه، كما لايمكن للمعاطف السبع أن تتحرك وحدها من مكانها، بينما اليوم نفسه لايتوقف، ولاينتظر، يخلع معطفا ويرتدي آخر ثم يواصل شق طريق لن يتوقف عند حد معين.! والآن، وعلى غير توقع، لايرتدي معاطفه كما جرت العادة كل إثنين وثلاثاء وأربعاء إلخ، بل هاهو يضع كمامة ويتنكر في بذلة تشبه بذلة رائد فضاء، ويبدو غريبا كأنه ليس اليوم نفسه ،الأليف السحنة، ولاينتظر..وهاأنا لاأستطيع أن أتحرك، أن أفتَكَّ نفسي من كوني قذ صرت مشجبا مثقلا بمعاطف لم تعد تميز اليوم نفسه الذي يشرق، الآن، كل يوم، من وراء الكمامة نفسها.! ولاأستطيع أن أصم أذني عن طرق يتعالى بتواتر على الباب، وعن صوت يردد بنبرة تزداد وضوحا وارتفاعا:
– لايمكن تأجيل موت اليوم الى الغد، فالموت لاغدٌ له.!!.