ككل صباح أستيقظ في نشاط ، أحتسي قهوتي ،وأداعب هرتي العجوز ،أجمع كتبي و كراسات تلاميذي و كمامتي و سائل التطهير .ثم أشغل سيارتي و تبدأ الرحلة …رحلة المتاعب و المشاغل ، الطريق مكتظة بالسيارات ألوان و أشكال مختلفة . المارة يسرعون في عبورهم خوفا من العربات المجنونة حينا و شتائم السواق أحيانا.
ما أن تصل إلى المدرسة ، حتى يستقبلك التلاميذ بابتسامة الوليد و نظرات مستشرفة لمستقبل مظلم غير واضح المعالم ….كل الأشياء أصبحت مفترضة …الدراسة بطريقة الأفواج أسبوعا تستقبل أحلام و أماني و سرور و أمان الله و أسبوعا آخر تلتقي بشيماء و أسماء و أحلام و نور ..جميعهم يتطلع لغد أفضل رغم الداء و الوباء …أنت تكتب على السبورة و هم بصوت خافت ووشوشة قصيرة يتساءلون ماذا يعني هذا – رعاه الله – بالحجاج و البنية الحجاجية و الأساليب اللغوية و البلاغية ….
أمان الله يداعب أزرار هاتفة برفق و حنان حتى لا أنتبه إليه ، أحلام ترسم على ورق مخطط قلوبا حمراء و خناجر دموية …تنظر إليها أسماء و تنفجر ضاحكة …أتوقف عن الكتابة ،أتأملها مليا فتخجل ،أعاتبها بصيغة الجمع فيخجلون …الصمت يخيم على القسم..
قمت أتفقد الكراسات و أأشرها باللون الأحمر ..الأول لم يكتب العنوان و الثاني لم يذكر توقيت العمل و الآخر تناسى ذكر المحور …تسألهم برفق عن الأسباب يقولون لك ببراءة الأطفال و دهاء أبطال الفري فاير : – نحن يا سيدي أطفال أصبحت ذاكرتنا ضعيفة و المواد المقدمة كثيرة فهذا أستاذ الرياضيات يطالبنا بقيس المحيط الهادي و البحر الأبيض المتوسط و أستاذ الجغرافيا يحدثنا عن الضغط الجوي و المحيطات ….. طأطأت رأسي قليلا ثم قلت : وما علاقة هذا بذاك ؟ صمت يخيم على القسم ،كافة التلاميذ تائهون ،أعينهم جاحظة ،ينتظرون الحدث الأعظم ..نعم إنه صوت صافرة المدير معلنة على انتهاء الحصة الصباحية ..حتى تراهم مندفعون متسابقون نحو عتبة الباب .. تغادر القسم وأنت تائه الفكر شارد البال تسأل و تجيب في الآن نفسه : ما مستقبل الوطن مع هذه الأجيال البائسة ؟ لماذا أصبح الجميع يفكر هكذا ؟ كل الشعب غير مبال السياسيون يتجادلون هراء..المناصب السياسية هي غاية الكل لحصاد المنشود من مال وجاه و…الدولة شبيهة بكعكة مرطبات، كل يريد نصيبه ويريد تشغيل أقاربه وأصدقاءه و تحقيق طموحاتهم..تصوروا مدرس الرياضيات يدرس الجغرافيا
و مدرس العربية يحلل ظاهرة فيزيائية،و…و …هكذا حال البلاد في هذه السنوات العجاف . الفوضى هي عنوان كل شيء هذه الأيام .أينما تلتف لا تجد حولك إلا الفوضى و الدمار و الوباء و الأمل المفقود ….
- حياتنا في زمن الكورونا
- التعليقات