تَعَرَّضَ شَابُ لِحَاث مُرُورٍ مُرَوِّعٍ ومُفْجِعٍ، فتوَجّه أهْل الْحَيِّ إلَى المَشفَى لعيّادتهِ والاطمِئْنَان عَليْهِ، مَا إنْ دَلفَ أحَدُهُمْ غُرْفة الانْعَاش، حَتَّى َوَقفَ مَبْهُوتًا، لمّا رَآه عَلى تِلك الحَالة، مُثخَنُ بالجِرَاحَات، مُسَجّى فِي ألبِسَة بيْضَاء، مَعْصُوبَ الرّأس، قد شدّت رجْلاهُ إلى أعْلى، وعَلى مُسْتوَى الذرَاعَيْن أرْبطة ضَاغِطة، وأنابيب مُتدليّة حَاقِنَة للمَصْل ومُغذِيَّة..تاهَ وَسَط هَذِهِ المَشَاهِد البَشِعَة المُقزِّزَة المُفزعَة، ولمْ يَتمَلك نَفسَه أمَامَ هْول مَايَرَى، فانفجَر بَاكيًا،خَانتهُ الكلمَاتُ المُلائِمَة ليُعَبّرعنْ حُزْنِهِ وألَمِهِ، فانْبَرَى يُمْطِرُهُ بوَابل من الأسْئِة، دُونَ أنْ يَتوَقف، أو يَنْتظرَ مِنْهُ جَوَابا..وَبدَلا مِن أنْ يَرْفعَ مِن مَعْنويَاتِه، ويَفسحَ لهُ في أمَل الشِّفاء والمُعًافاة، زَادَهُ هَمًا إلَى هُمُومِه، وأطال عِندَهُ الجُلوسَ، وأثقله بالسُّؤَال، كانَ المَرِيضُ فِي حَالةٍ حَرِجَة، يئنُّ مِنْ شدَّة الألمِ..يَتنفَّس زَفِيرَ حَسْرَتِه، كانت أمُّهُ تسْندُ ظهْرَهَا إلى بهْو الغرْفة.. وهِي تقفُ واجِمَة مُحْتارَة ترْتشفُ دُمُوعَ حُزْنِهَا، كانَ الأبُ بَارعًا فِي اخْفاءِ ألَمهِ، يتحَرَّك بهدُوءِ هُنا وهُناك، ويقول: ” يَرْحَمْ مَن زَارَ وَخَفّف..”.
يتحَدَّث الزَّائِر بصَوْتٍ جَهُور، بِكلمَاتٍ ضَاربَة فِي الغَرَابَة، يَسْأل بقرَفٍ..مَتى وَقعَ لك الْحَادِث؟ كيْف وَقعَ لك الحَادِث..؟ كنتَ تمْشي أو مُتوقفا؟ مَعك عِيَّال أمْ كنت وحْدك؟ هَل انقلبَتْ بك السَيَّارة؟ أمْ صَدَمتك أخْرَى..هل كنْت في حَالة تجَاوز.؟ أمْ كنْت مَشغُولا بالهَاتِف؟ هَل التقيْت بالمَركبَة وجْهًا لوجْه؟ وهَل سَقطت عَلى الأرْض؟ أم بَقيت دَاخل المَقصُورَة مُعَلقا ؟ مَنْ قامَ بإسْعَافك؟ هل كُنتَ فِي حَالة وَعْي؟ من أخذك إلى المَشفى؟هل أجرْوْا لك عَمَليّة جِرَاحِيّة؟هل الجُرُوح والكسُور خَطيرة؟ ماذا أكلت؟ مَا اسْم الطبِيب الذِي اشرَف عَلى عِلاجك..؟
أذْعَنَ المَريضُ لأسْئلةِ الزّائر الثقيلةِ الركِيكَةِ السّخِيفَة المُرْبِكَةِ وهُو مُحْرَجٌ، سَمِعَ بعضًا واعْرَضَ عَن بَعْض، وليْسَ لهُ اخْتيّار ثالثٌ، كانَ الأبُ يَتلطفُ ويُحَاول إبْعَادَهُ،أوْ اسْكَات ثرْثرَتِه.. العيّال مُتضمِّرُون..غَاضِبُون..مُتأسِفُون.. لم يعُد المَريضُ قادرًا عَلى مُقاوَمَة هَذا الغَث، تضرَّجَ وجْهُه بحُمْرَة الخَجَل، وانْتفَضَ كالطيْر الجَريح بعَصَبيَّة، وهُو يُتمْتِمُ بيْن الصَّمْت والنُّعَاس، نفدَ صَبْرُ العِيّال واشتدّ غَضبُهُم..أقبَل بعْضُهُم على بَعْضٍ يتلاوَمُون، يتقدّمُ الطبِيبُ مُنتفضًا وَهُو فِي حَالةِ انْفعَال فيَقول: انْتهَت الزيّارَة،رَجَاءً.. يعْترضُ سَبِيلهُ..فيَرفعُ الطبِيبُ صَوتهُ مُتأسِّفا: لسْتَ مُؤهَلا للتحْقِيق مَعَ المَريض،أوْ حَتىَّ الاقترابَ مِنهُ، رجَاءً مُغادَرَة القاعَة..فيسْتديرُ نحْوَهُ وَيقول: المَريضُ لم يُجبْهُ بعْدُ عَن أسْئِلتهِ..فيَجِبهُ المَرِيضُ بصوْتٍ خافِت يُشبِهُ الهَمْسَ، مَهْلا يا َعمِّي.. أنَا تعْبَان.. أرِيدُ أنْ أنَامَ..رَجَاءً امْهِلنِي حَتى أفكّرَ..سَأبْعَثُ لك بأجْوبَة الحِوَار لاحِقا ..يَسْتوَى جَالسًا عَلى كرْسِيِّ مَهُجُورٍ ويَقول: بأعْلى صَوْتهِ هَا أنَذا فِي الإنْتظار…وَلنْ أبْرَحَ الْمَشْفَى حَتّى آخُذَ الْجَوَابَ!.
- حَتّى أخُذَ الْجَوَابَ
- التعليقات