نام الولدان فتوقفا بذلك عن المطالبة بمضاعفة نصيبهما من الخبز, نصيب هو الأعظم رغم أنه يقل عن حجم الكف, ناما وأراحانا من عامل للخوف أيضا, يمثلانه ببكائهما الذي قد يدلّ عناصر التنظيم إلى مكاننا, فإما قتلا وإما سَوقا إلى منطقة أخرى نكون فيها طابوقة في حائط الصدّ.
إذ لم يبق في الحي أحد سوانا, وربما آخرين تجرأوا على البقاء وآثروا الموت بالقصف على الموت جوعا. حملتهما إلى السرير إذ توقفت المعركة وساد هدوء لبرهة, وضعتهما في الفراش فوجدت نفسي أطير وأصطدم بجدار الغرفة ولم أسمع سوى صوت صفير, خرجت منذهلا فوجدت أن الدرج قد سقط ومن فوقه السقف على عائلتي التي كانت تحتمي به, لم أر أحدا سوى ساق أبي, صرخت مذهولا وخرجت أركض أستغيث, ولا أحد سوى داعشي لم يتوقف عن مضغ العلك حين صرخت به:
– ول اخوي اهلي جوا الدرج تعال ساعدني الله يخليك
– هاه! لأجل هذا بقيتم؟! مبارك لك التحرير
رجعت أركض أحاول أن أزيح أطنان السمنت عن أهلي دون جدوى, سحبت أبي بقوة حتى أحسست بأنني أفصل ساقه عن جثته, توقفت وقصدت بلا شعور حلّي الامثل, بدأت أصيح وأبكي بهستيريا وألعن نفسي, وارميني بكلمات بذيئة وأصفع وجهي, أنا الذي كنت أستعجل التحرير وأشرت لهم أن ننتظره هنا, يا إلهي, ما هذي الفجيعة التي نزلت بأهلي! بقيت دقائق أجلد ذاتي، أبكي بنفس الوتيرة على مصابي، بقيت دقائقا حتى أحسست بكف تربّت على كتفي، من يكون هذا يا ترى؟! ابطأت في رفع رأسي إليه، من هذا الذي نجی من أهلي ياتری، أعرف أنه ليس أبي، لعلها أمي، لا ليست بهذه القوة كي تواسيني، وليست زوجتي، لعله أخي, نعم يالله فليكن أخي، رفعت رأسي إليه فإذا الداعشي الذي استصرخته قبل قليل، فنهضت من فوري ولكمته بما أوتيت من قوة، تراجع إلی الوراء ونصحني بالخروج، فطنت لولديّ، وجدتهما نائمان لا يزالا، حبة الفاليوم أدّت ما عليها وزيادة، حملتهما واستمعت لقول الداعشيّ فخرجت، أراد أن يحمل واحدا فبصقت في وجهه وسكت، سكت لأنه كان يطلق النار بالقرب منا فردت عليه الطائرة فكانت فجيعتي، حدث هذا بالخطأ! سيقول أبناء الكلاب هذا الكلام, اتجهت إلى حيث يتواجد الجيش فصرخ الداعشيّ بأن سأقتلك إن ارتددتْ، واصلت سيري وسمعت فتح أمان البندقية، لم ألتفت، مشيت ولم ينفذ تهديده، ظللت أمشي حتی دخلت الأرض الحرام، الساعة التاسعة ليلا والظلمة سيدة المكان، كم تمنيت أن أدوس لغما، أو أن أكون صيدا لقناص داعشي، أو هدفا خطأ مرة لطائرة أمريكية أو لجندي عراقي, أحسست بألم شديد في يدي، كسرت على الأرجح في الضربة، لكنني أواصل حمل ما تبقی من أهلي، هما تؤام في الرابعة, لم يشهدا ولا لقطة من الحادثة وربما لن يتذكرا شيئا عن أهلهما في المستقبل، لأجل هذا سأحيا، فقط لأوصلهما إلی منطقة أمينة وليقتلوني،
ها هو القناص بدأ يستهدفني، أزيز رصاصة يجعلني أسرع في ركضي، أخری تمر سنتمترات عن رأسي، ثالثة تصيب رقبة ابني، فإذا هو جثة هامدة, يا إلهيييييييي! تداهمني الهيستيريا مرة أخری وأحس أن قواي خارت ولا يمكن أن أواصل السير، أدخل بيتا على الطريق وأرمي الولدان كي أنوح ( على كيفي ) فتخرجني رائحة إنسان متفسخ, أحمل ولديّ وأواصل طريقي، تواجهني حفرة أحدثها انفجار، فتتوسل يدي المكسورة ان أدفن فيها الولد، قدماي هي الأخرى تصرخ بي, لم تستطيعا المواصلة إذ لم يدخل جوفي سوی الماء والملح منذ أيام ثلاثة، أرمي الولد وأصفع وجهي بضع مرات قبل أن أهل عليه التراب، أنهض وأحمل ما تبقی لي من الدنيا، ولدي الوحيد, وأواصل السير..
أركض إذ أتلقى إشارة من الجيش، أهم بعبور تقاطعا فيصرخون أن توقف، تعبر إلي مصفحة كي لا يصيدني قناص مرة أخری، يهنؤني علی سلامتي فأجهش بالبكاء:
– أي سلامة هذه؟! يا ناس فقدت كل أهلي، ولم يتبق سوى هذا الولد
– أي ولد؟! هذا ميت يا رجل
قالها الجندي الذي كان يحمله، فدهشت، أخذته منه اتحسسه، رميته وعدت ركضا إلى الأرض الحرام، إلى قبر ابني، نبشته, يا إلهي! لقد مات، دفنه حيا يا إلهيييييي، قتلته بيدي.
- حَدَثَ بالخطأ
- التعليقات