1 – مَا كنتُ اعْرفُ أنّ عمْرَانَ الْمَدِينَةِ يتطَوَّرُ بهذا الشكل المُبْهِر،وأنّ سُلوكَ الإنسَان يَتغيَّر تبعًا لذلك، تباعَدت الْعَوَاطِفُ، وتبَاينت العلاقات، واختفت الْعَادَاتُ، وأخذ الحُزنُ يُطمِرُ بعْض اليَنابِِِيع، فالذِّكريَات فِي شَوَارِعِ المَدينةِ القدِيمِة تذوبُ وتتلاشى، والأحْلامُ تتأرَجحُ ويَصْمُتُ صَهِيلُ الْكلمَات، ترْتدي الْحُروفُ ثوْبَ الإثارَة حِينًا، وأحْيَانا أخرى ينطلقُ لُهَاَثُ نبْضِهَا مُجَلْجَلاً، وفِي الزّخم المُرُوري وفوضى الساكنة أتسَاءل: من أين أبدأ والى أيْن اذهَب؟ أتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ والغُيُومُ ترْتعِشُ باسطة أرْديَّتها، الزُّهُورُ تحْتشِدُ وتمدُّ أعْناقها، يَسْقطُ جَفنِي سَهْوًا مِنْ مَنابِعَ الدَّمْعِ، هَسْهسَاتُ الحُرُوفِ تخْشعُ لها حَنايَا الفؤاد، وُجُوهٌ كالِحَة تُعَانِي من تسَاقطِ أهدَابِ العُمْر، سَطْوَة الأيَّام تقفُ واجِمَة مُحْتارَة فِي الطرَقاتِ، كأنها تنتظِرُ الشيْبَ والانكسَار،على الشرُفات تمَارسُ النسْوَة فِعْل النِسْيَان، تكتبُ العَصَافِير فِكرتهَا، اشعُر بإحْسَاسٍ هُلامِي خفيّ، أتوسّط مَرْكز المَدينة، أقفُ قبّالة دَار البلديّة القدِيمَة، أتسَاءَل: وفي ملامحي تاهَت ابْتسَامَة مرْشوقة بالأمَل،الضوْءُ من حَولي يتآكل، ربَّاه..أنا ابتلعُ كلامًا يوقظُ في نفسي أحَاسِيسَ رَهِيبَة، ومَشََاعِرَ تتصَارعُ، حَانت مِني التفاتة خاطفة إلى سَاعتي وأنا ألجُ مَقهَى{ألسّْلامي} المُكتظ بالزبَائن، أسْندت مرفقي إلى المنصّة، للتو ناوَلني النادِل قهْوَة فِي فنجَان مُسْتهَلك، رُحْت أحَدّق فِي كل الاتجَاهَات، وأنَا سَادرٌ في الحَنين، ضَارعٌ في الشَّوْق، أرَى الوجُوهَ فِي عَيْني أطيَافا كالأشبَاح ترَاوغ الظمَأ، ارْمُقهم بسهَام مُضرَّجَة بالدّهشة، افركُ كفي ببعْضهما، استحْلبُ الدِّفْءََ، ليْسَت هذهِ الوجُوهُ التِي اعْرفهَا، ربّما دَاهَمتهم مَوجَات الشيْخوخَة، فغيّرَت فيهِم المَلامِحَ،غابَت الأسْمَاءُ وصَار الأصْدقاءُ مَعَارف، أسْرج الرُّوحَ التائِهة، والطينُ فِي التِلال يَبتلعُ النعَالَ ويُعَفّر المَلابِسَ، أمدُّ كفي لأمْسك الأفقَ، سَائرًا مُدندِنا والمدَى يَتمَطى، اسْخرُ من نفسِي، ادخل الْمَدارسَ.آه.. لا احَد صَار يَعْرفني، اخْرُج مُلتفتا لا احَد يرْشدُني، ألُوكُ ما تبَقي من الذكريَات وهيَّ تلهثُ خلفي، اقتفِي بقايَا الدَّهشة، كنسْمَة عَابرة تلمَسُ غُصنا نديا يتأرجَحُ، تنَاثر الأصْدقاء في الأحْيَاء الجَدِيدَة، وقد سَكنوا جَديدَ العِمَارات.

2- أسْأل عن الذين بلغُوا من العُمْر السّتين؟ ماذا ستفعل السِّتين والسَّبعين بالأوْفياء؟ أخالهُم في رحْلة العُمر يتألمُون،أجل. يَكتشفون ذوَاتهم في مرْآةِ الذوَات التائهة، يَجْرفهُم التقاعُد إلى حيْث لا يدْرُون، يلوكُون أتعَابهم، يُطاردُون الأحْلام المُبعْثرة، والذين غيَّبَهم النسْيان قابِعُون في مُنحدَرات اليأس، تدَاهمُهم المُنعرَجَات، تُسَلمُهم لنسَمات حَزينة كلهْفة الشوْق،يَنتبذُون أمْكنة مَهْجُورَة بلا عِنْوَان، الأسْئِلة صَاخبة ضَائعة بين مََاضِي طوَاهُ النسْيَان، وحَاضر يتربَّعُ على عَرْشِه يَسْخرُ من الألم، يُسْعِفُنا النسْيانُ في اسْترْجَاع الذكريَات، نُقاوِم على ضِفاف النهايَات، حَنايا الظهُور يُحدِّقون في عُيُون بعْضِهم البعْض، يكتفون بالذهُول، يطلقون آهَات الفزَع، ينتفضُون من أوْهام الذات. اذرَع شوَارع المَدِينة جيْئة وذهابًا، وما ظفرْت بشيْء، ارْكضُ في كلّ الاتجَاهات، هذهِ مدرسة بلحاج، وتلك مدرسة بلعيد وبن عيسى ونشاد، وهذهِ ذرَاع السُّوق، وذلك المسْجد العَتيق، أين سي فرْحات بن يُوسف، سي موسى بدني، السيدة بوسماحة، الشيخ منصور وسَعيْدي، أين الصوابر؟ أخذ مِني التعَب مُنتهاه، أحْسَسْت برمَاد التناسِي يَجْرفني، أومَض في عيْني الإدْرَاك، فانزَوِي في رُكن مُطلٍ على السُّوق أسَلِي النفسَ وأمَنيها، اعْتنق الفوْضى، أبَحْلق في المَارة بلا هدَف، ألتفتُ إلى المَاضي، أتنفسُ هوَاء عَليلا بعَبقِ رَائحة التاريخ؛ مَدينة البرْواقيَّة سَاحِرة بحق، حَالمة هَادئة مِضيافة، نظيفة جَميلة، تضئُ لك الشمُوع، أجل..مَدينة مُجَاهدة، جبَالها صَنعت المَلاحِم، شُهداؤها دكُّوا مَعاقل الغزَاة، صَنعُوا النصر المُبين.

3- أتخلصُ من جَليدِ الصَّمْت،اعْتصرُ رحِيقا سَادَرًا في التفكِير، الهَاتف يُزيل الغبَار الدَّامِسَ ويَخْتصرُ المَسَافات، أبْرقتُ إلى عُيُون المُعلمِِين فتناهَى إلى سَمْعِهم الخبَر، جَاءُوا فرَادَى يَحْمِلون التحَايا ويَتذكرُون، احْتضَنوني بشوْقٍ ولهْفةٍ، وفي النُّفوس الطيّبة اشرَاقة، رَحل الأصْدقاء بأجْسَادِهم، وبقيَّت الأفكار مُتوَقدة مَناراتٌ لا تنطفئُ، جَلسنا نتجاذبُ أطراف الْحَديث، مَشاعرَ رقيقة نابضة بالحُبِّ والحَنان، أحَاسِيسَ مُرهفة جَميلة، اسْتعدْنا شيْئا من المَاضي العَابق بالصّدْق، قام أحدٌ يُرْثي نفسَه قبْل أن يَمُوت فتألمْت، تلاهُ آخَر يُؤبِّن الصداقة في هَذا الزمان فابْتسَمْت، وقفَ ثالث يَقرأ فاتحَة الكتاب على التربيَّة فانتفضت وفزعْت. يا إلهي..من أنا ودَرْبي حُلم أخضر؟ ها أنذا أسْتريح، وقد زالت الهُمُوم من عَينيّ، يا للرّوْعة..! تفتحَت أزْهاري وامتدّت سِيقانُها، في رحلة الأمنيات تبدأ الابْتسَامة مُشرقة، لاشكَّ أن الأصْدقاء يتوَاجدُون بكل حُبّ وطمأنينية، يتحدّثون إليك بكل برَاءَة، أنا لستُ بحَاجة إلى عُيُون، فمن يُسْمعُني طبُول القلوب؟ آه.. لا أحدَ غيْري يَسْمعُ..! ليْس على العَصافير إثمٌ أنْ تشدُوا عَذبَ الألحَان، وليس على الحَمَائم حَرْجٌ إنْ تردِّد هَدِيلهَا عَلى المَآذِن، سَاحِبُّك أيُّها الرَّبيع أكثرَ، ولسْتُ وحْدي احِبُّك، بإمْكاني أن احْلم، سيبقى القلبُ ينبض، مادَامَت المُدن تكبر، وتكتفي بقليل من الصّمْت، مَدينة البرواقية عامرة بوَفائها، مُحَصَّنة بتضَاريسِها وشوَامخ الْجبال، أتذكرُهُ أنّي ترَكت هنا شبَابي ذاتَ تاريخ، عِندمَا أهْدَاني البَرْ وَاق ورْدة تشبِهُ النرْجَس، فانتفَخَت البرَاعم في مُرُوجِي وعطرها تناثرعلى الروابي، نشا العيال في أحْضان المدينة، ميلاد هُدى كان هنا، وعلاء الدين البرواقي، ونسَيْبة جهاد فاكهة العيال، الضباب لديه رغبة في الزَّحف إلى الرّوابي لكنَّه خَجُول، امْضي كل وقتي اجْمَع الضوء، في انتظار سرب الطيور، وهي تعانق الهواء المُنعش، باتجاه القلوب والأحْداق، غُلالة تدثر ذِكراهُم جميعا وأنا المُدَنف، الذكريات رُضابُها عَسل الجِنان، الهَوَاء المَسْمُوع يُخبرُنا عن الجَمال،عَنْ ورْدة بيْضاء قادِرَة عن الإفصَاح أكثر، أزميل الفكرة بدأ يحفر في المعنى، فانا لا أتذكّرُ صَديقا إلاَّ وتسْبقني إليه ابتسَامَة، ارْحَلُ مُخلفا وَرَائي أسْئِلة تُضئ عَتمَة الرُّوح، وتقتاتُ على الْحَنِين.مَهْلا يَا أحبَّتي..سَتبقى القلوبُ مَمَرًا آمِنًا للذكرَيَات، وغدًا سأعُودُ.. فهل أراكم ؟..

أضف تعليقاً