صَادفتهُ أكثرَ من مرةٍ بحيِّنا، و بالحيِّ المُجاور، مَنظرُه لم يمنحنِي الرَّاحة، رغمَ أنّي لم أُحادثهُ، ولم أتعامل معهُ، ملامحُهُ الباردة كانت تُوحي بالسَّذاجة والضُّعف، علمتُ ممن عرفهُ عن قربٍ، أنّهُ وصوليٌ، نزقٌ، يبخلُ أو لا يستطيعُ تقديمَ أي مساعدةٍ، فهذا وما سبقَ جعلني لا أكنُّ له أيَّ احترامٍ.
بينما كنتُ في طريقي نحو هدفٍ أردتهُ، رأيتهُ، لكن هذه المرَّة كانَ في موقفِ المرضِ الشَّديد، وكأنّهُ يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةِ، لم يكن في هذه المرَّةِ يسيرُ كعادتِه، بل كانَ مُستلقياً على الرَّصيف، البردُ ينخرُ الطريقَ كما ينخرُ عظامَه، اقتربتُ منه، لكنّه لم يستطع أن يلفظَ بأيِّ كلمةٍ، التفتُ حولي لأطلبَ المساعدةَ من أحدِهم، لكن للأسفِ لم أنل غايتي، الوقتُ باكراً بعض الشّيء ولم يبدُ لناظريّ أي شخصٍ أستعينُ به، تناولتُ هاتفي، واستدعيتُ سيارةَ الإسعافِ، انتظرتُ قليلاً مترقبةً لقادمٍ يُعينني، ولكن دونَ جدوى، قدمتِ السَّيارة بعد حينٍ، وبعفويةِ الإنسانِ، صعدتُ معهُ ذاهبةً إلى المستشفى، رافقتهُ في حالاتِ عِلاجهِ، ساعةً بل أكثرَ استمرت الإسعافاتُ تمكّنَ بعدها أن ينطقَ ببعض الكلماتِ، وساعاتٍ أُخر، احتاجَ ليستردَ عافيته، طمأنني الطَّبيبُ عن وضعهِ، وأقرَّ بإمكانيةِ خروجهِ، اقتربتُ منهُ قائلةً :إنَّ صحتكَ جيدةٌ وبإمكانكَ المغادرةَ إلى حيث تشاء، حدّقَ بعينيه الصّغيرتين بحنقٍ ، وأمرني بالخروجِ.
أثارَ دهشتي تصرفهُ، فوقفتُ متسمِّرةً، لكنهُ ازدادَ صراخاً.. تراجعت خطواتِي نحو الخلفِ، إلى أن خرجَ من غرفتِه إلى مكانٍ لا أعرفهُ.
بطريقِ العودةِ، كانَ معي قليلٌ من النّدم، وكثيرٌ من التَّمني بأن لا أراهُ مرةً ثانيةً، وكمٌّ من الدَّهشةِ والقناعةِ بأنَّ الانطباعَ الأوّل هو سيّد المَواقف.
- خارج المألوف
- التعليقات