طرق خفيف على باب خالتي رقية، أمر معتاد أن يطرق بابها مرات عديدة في اليوم، فما إن يخرج زوجها السي عمر من البيت قاصدا حظيرة أبقاره أو أحد حقوله أو معصرة الزيتون… حتى يتوالى طرق بابها. هي امرأة طيبة يشهد لها من يعرفها بذلك. لا ترد من تلجأ إليها من نساء الحي وغيرهن خائبة. تستعير منها إحداهن بعض الحلي والملابس النسائية (لتبرز) بها في حفلة عرس أو عقيقة. وقد تستدين منها أخرى بعض المال (حتى يفرجها الله على راجلها) وتودع لديها قطعة من الحلي أو غيرها من أثاث له قيمة رهانا تستردها بعد سداد دينها. وقد تلجأ إليها امرأة ضاق الحال بها وبزوجها فلم تجد أمامها إلا قطعة من حليها تبيعها لها و(ستر الله على المسترين). أما السؤال اليومي عن حبة بصل أو قليل من الملح أو النعناع أو (طوبة) من السكر أو ما شابه ذلك، فهو طلب معتاد تلبيه عن طيب خاطر. وإذا كان الطلب شيئا ليس في مستطاعها تلبيته. تتأسف لصاحبة الحاجة وتتحسر لأنها عجزت عن تلبية طلبها (بالعمى ما حضيتها عليك)، وتعدها بأن تبذل ما في وسعها (الله يسر لِمور) لتوفر لها حاجتها وسترسلها إلى بيتها.
تهرع أمي إلى الباب تفتحه، فيُسْمَع صوت (الفضة الهاترة)، وهي تردد عبارتها المعلنة عن حضورها وضحكتها المجلجلة تسبقها:
– مالين الدار جيتكوم طالبة ضيف الله، واش كاين شي فطور؟
تجيبها خالتي رقية من داخل البيت وعلى ثغرها ابتسامتها التي تفتح لها أبواب كل القلوب:
– مالين الدار كايكولو لضيف الله مرحبا وزيد الكدام…
تتقدم الفضة إلى فناء الدار بقدها المعتدل وجسمها الممتلئ في غير ترهل، يزيده تألقا هندامها بألوانه المنسجمة كأنها مدعوة إلى حفلة عرس لأحد أعيان المدينة. كثير من النساء يغرن منها لأن وجهها المليح الصافي البشرة، رغم تجاعيده الخفيفة، يثير إعجاب الرجال. لذلك تجد بعضهن لا يتورعن عن نهرها إن هي طرقت أبوابهن أو اقتربت منها…
تركت أمي باب البيت مواربا لأن نساء الحي ما إن يعلمن بوجود الفضة حتى يقتحمنه للاستمتاع بحضورها وما يصاحبه من أحاديث خارجة عن المألوف. يكفي أن يتناهى الخبر إلى واحدة منهن ليذيع بينهن( ريال من الجاوي يبخر الحومة كلها).
تستقبلها خالتي رقية بوجه بشوش، وتستفزها لينطلق لسانها بأحاديث لا يعرف فيها الحد بين الخيال والواقع مرددة:
– أي هاي هاي على الفضة ما ساهلة !! آش هاذ الشيكي؟
تلتفت إلى كل الجهات، تضع يدها على ذقنها كأن تمسد لحيتها، وتحرك رأسها أفقيا وعلى شفتيها ابتسامة ماكرة. تجيبها خالتي رقية وهي تغمز بعينها وتحرك يدها قائلة لها:
– غير زيدي تكلمي، راه ما كاين حتى راجل في الدار..
التفتت إلي باسمة، فرأيت على خدها غمازة و(حفرة الزين)، قالت مخاطبة أمي مستنكرة وجودي بين النساء:
– آش كايدير هاذ البعلوك بين العيالات؟ ياك متا يمشي معاك الحمام؟
واستطردت: – هاذ البز لا تحكريه حتى هو بخبيزتو… واحد المرة دخلت الحمام وكانت حدايا واحد البايرة ومعاها واحد البعلوك، قد هاذا أولا صغر منو. حصلتو كايشوف ليا فوسطي وكيفرنس ليا… شوية شوية بدات بوغلالة ديالو كتحرك حتى ولات قد صبعي الصغير. كلت للبايرة للي معاه : زوجو هاذ البرهوش ولا يدير ليكم شي فضيحة.
ارتفعت ضحكات النساء في الوقت الذي أحضرت أمي من المطبخ صينية الشاي ووضعتها أمام خالتي رقية، ورصت أطباق مختلفة فوق مائدة الفطور.
تقدمت الفضة إلى المائدة وشرعت تأكل بنهم، التفت إلى النساء ضاحكة، وقالت:
– نسيت ما عرضت عليكوم!! يا الله مرحبا بيك أللا رقية…أنتما تسناو حتى نعرض عليكوم… اللي بغات تاكل تزيد، بلاش من الشيكي وبا علال كيدور…
ضحكت النساء، استدعتهن خالتي رقية بأدب:- يا ألله أعيالات بسم الله مرحبا بكوم… قبلو على ما وجد..
تقدمن إلى المائدة… استفزت إحداهن الفضة بسؤال تعرف هي وغيرها من النساء أنها لن تسكت ولن تتورع في القول الفاحش:
– شحال من راجل تزوجتي ألفضة؟
توقفت عن الأكل ونظرت شزرا إلى السائلة، وقالت لها:
– يظهر من بريق عينيك الخافت أنك جائعة، جوعك لا يطفئه هذا الطعام (مشيرة إلى المائدة التي أمامها)، حلزون (رويجلك) لا يشبعك، يحتاج إلى دبوس ليخرجه من قوقعته.
احمر وجه السائلة، وضحكت الفضة وضحكت معها النساء…
تابعت كلامها مجيبة على السؤال الموجه لها:
– أنا يا بنت الناس تزوجت خمسة رجال (مشيرة بأصابع يدها إلى السائلة)، نعم خمسة رجال(فعينين عدوك)، ( راجل ينطح راجل)…( شيء) الواحد منهم بهذا الحجم (تأخد طرف ثوبها وتشكل منه ما يشبه قضيبا كبيرا). حين أكون تحته أسمع طقطقة مفاصلي وكل جسمي يؤلمني (وجع لذيذ) أنتن لم تشعرن بمثله قط.. وأنا أتلوى كالأفعى أرفع عقيرتي فأصيح مثل جنية تارة، وأغني وأزغرد تارة أخرى. رغم الألم (كنكوش عليه بحال شي كلبة)…
سكتت لحظة ثم توجهت بالقول إلى التي سألتها:- دعيتك لله فكرتني في أيامي…
قفزت من مكانها وأخذت ترقص، وتبعتها النساء بين من تنقر بكأسين على صينية الشاي، وأخرى حولت طبقا فارغا إلى دف، بينما جعلت إحداهن من مائدة الطعام طبلا. توجهت إلى امرأتين لا تشاركان في الحفل الذي ولد فجأة (باردة.. باردة اللي ما حماها تقطع يديه) انخرطت النسوة في الإيقاع الحامي والغناء البديع… ازداد حماس الراقصة وأطلقت العنان لجسدها وشعرها بعدما أزالت عنه الشال وشدت به وسطها وقدميها تدكان الأرض دكا: الفضة يا الوردة عليك يطيح الندى…
الفضة يا الوردة عليك يطيح الندى..
تقفز الراقصة وتتلوى آخذة طرفي ثوبها بيديها ورأسها إلى الأعلى كأنها أفعى…
هاكا خلاوه ما ليه الملحة والسر عليه…
هاكا خلاوه ما ليه الملحة والسر عليه…
توقفت الفضة فجأة، ونظرت إلى النساء وقد ظهرت عليها علامات الخوف:
– خليتكوم على خير، القايد… القايد ما معاه اللعب…
وجرت باتجاه الباب والنسوة يتبعنها بالضحكات والأسئلة…
تفرقت النسوة… دخلت خالتي رقية وأمي إلى المطبخ وهما تضحكان: – الله يْكْحْلْها على الفضة مشات تْنْكْرينا مع الغداء…
- خالتي رقية
- التعليقات