أوصاله مقطّعة منذ زمن بعيد، لكنّه ما زال صامدًا رغم كلّ ما أصابه، لم يزل رمزًا شامخًا لكلّ من أحبّه، ورغم كثرة المحن وما أنتجته من عذاب، والقهر الّذي أفرزه ألم الغياب، رغم كلّ شيء، ما زال يؤمن بقدوم يوم يلتئم فيه الشّمل؛ وتتجمّع فيه تلك الأوصال…
ذات يوم أراد أنْ يذهب إلى هناك، ليطمئن على جزء عزيز عليه، لم يره منذ مدّة بسبب الأحداث الأخيرة الّتي حصلت؛ من حصار، وقتل، واختلاف في الآراء؛ وأحيانًا المعتقدات، وما كاد أنْ يصل حتّى وجد أمامه تظاهرة صاخبة، وأصوات تصدح بصوت عالٍ” عاش الوطن، الموت لأعداء الوطن” لم يتمالك نفسه من شدّة الفرح” نفسي فداكم” قالها من فوّة قلبه ثمّ التحق بهم، وتقدّم الجمع هاتفَا بكلّ ما أوتي من قوّة…
ثمّ عاد إلى هنا بعد أنْ رأى هناك جملة من الأمور الّتي مزّقت قلبه وأدمت عيناه، لكنّه سلّم أمره لله، عاد ليجد أمامه جمعًا كبيرًا يهتف بصوت واحد” عاش الوطن، الموت لأعداء الوطن” لم يتردّد لحظة واحدة في الانضمام إليهم؛ وأخذ يهتف بكلّ جوارحه، ثم تركهم وانصرف ليتفقّد باقي الأحبة…غير أنّه لم ينتبه لوجود العسس من حوله وهم يراقبونه حين كان هناك يهتف بأعلى صوته، فاعتبره من هنا أنّه عميل لمن هم هناك…
أراد أنْ يوضّح الأمور عندما أوقفوه، لكنّه لم يستطع، أمطروه بوابل من الأسئلة، ثمّ تركوه، فكّر كثيرًا ماذا سيفعل، هل يلجأ إلى هناك؟ بدا له للوهلة الأولى حل معقول؛ لكنّ أحدهم أخبره أنّ من هم هناك رأوه وهو يهتف هنا؛ وقد يعتبرونه عميلًا جاء ليتجسس عليهم…ليجد نفسه في حيرة كبرى لم يعهدها من قبل؛ كيف سيُفهم من هم هنا، وكيف سيقنع من هم هناك؟ حاول أنْ يفكّر في حلّ يرضي جميع الأطراف، لكنّهم سرعان ما اعتقلوه، أخذوه بعيدًا؛ وانقطعت عنّا أخباره تمامًا…
بعد بضعة أسابيع أخبرني من أثق بصدقه أنّه رآه يتقدّم مظاهرة صاخبة وهو يحمل يافطة عليها صورة كبيرة، والجميع يهتف بصوت واحد” عاش الزّعيم، يسقط أعداء الوطن”.
كذّبت الخبر؛ لم أقتنع، أردت أنْ أتأكّد بنفسي؛ فذهبت باحثًا عنه، وبعد جهد جهيد وجدته يتوسّد التّراب، وقد تغيّرت ملامحه بفعل فاعل، ولهول ما لقيه هنا، وما سمعه عمّا يحدث هناك، علمت أنّه فقد حواسه كلّها؛ فلم يعد يدري بأيّ شيء يدور من حوله.
- خريطة ضائعة
- التعليقات
