للقاصة كفاح قواس
نص القصة
خلف الشاشة
تحدق به مذعورة، تستمع لحديثه عن الفراق .. ترتبك تلملم خصلات شعرها تشبكها بمشبك ثم تفطن بأن عينيها اصبحت جلية الحزن تحل مشبك شعرها .. تنسدل غرتها تخز بعض شعيراتها بؤبؤ عينها .. يتهاطل دمعها .. تخبئ وجهها بكفيها تباعد بين اصابيعها تسترق نظرات لملامح وجهه وهو يبتسم أشفاقا عليها .. يحاول أن يهدهد ذعرها .. يضمها لصدره .. يهمس بأذنها العاشقة .. لاتخافي ياصغيرتي .. ويصمت .. تحاول ان تعاود النظر لعينيه لتفهم مما لاتخاف .!؟، يحتنضنها اكثر يدفن سؤالها بين ضلوعه .. تتنهد تشهق عدة شهقات بين الدموع .. تعلم أنه مفارقها مع أول خيط للصباح.

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

————————————
العنوان فاتح أبواب النص ، وكثيرا ما يرقد على مدخله متكورا حول نفسه متدثرا بفروه السميك الحامي الواقي يلهث .. يطوي المغزى والهدف، كالمفاجأة في مسلسلات الستينيات.. من هو زعيم العصابة في كل هؤلاء من شخوص المسلسل حتى نفاجئ آخر المسلسل أنه البواب أو كبير العائلة؛ فالعنوان هنا شافي عافي “خلف الشاشة” وراء الستارة، وراء النفوس، داخل بواطنها، ويأتي المتن محاولا كشف ما في بواطن النفوس، أو تفسيرها، فلنرى:
هذا الجنس الأدبي دقيق جدا “القصة القصيرة جدا”، مما لاشك أنه يحتاج مهارة عالية، وممتهنوه أقرب لكتاب الرواية في مخزنهم اللغوي والبلاغي، يملكون كنوزا عديدة من تراكيب الجمل في بناء دال محكم، بدقة اختيار الألفاظ البصيرة الناضجة الواعية، و كفاح قواس كاتبة نجيبة، تكتب، وتمزق، وتشطب، وتعيد، وتبحث، وتقارن من أجل التجويد وهدهدة الإبداع حتى يخرج، كمزمار الحاوي الذي يقف يعزف في جنح الليل والخلاء لتأتي له الحيّة سعيا تتلوى راقصة طائعة رغم لدغتها السامة القاتلة.. ترويض الإبداع فن، وهي قد أتقنت دروسا نراها جلية في نصوصها الأخيرة ساعدت على خروج البغية منها والاستفادة منها على مستوى الكتابة والحكي والبوح الطليق، وإن كانت مصرة على عدم الخروج من مرحلة استقراء الذات ..
جماليات اللغة في نص “خلف الشاشة”:

لابد أن نعرج قليلا على هذا الجناس الأدبي “القصة القصيرة جدا” مولدة القصة الومضة الخارجة من تحت عباءتها، فهذا الجناس يتميّز تميزا بارعا في فن التكثيف في العبارة والجملة، أي أن الجملة فيه فتاة خصبة مخروط جسدها باحكام شديد في كل جزء من تفاصيله.. صارخ مؤثر على الآخر “المتلقي” بكل لفظ استقى من در اللغة، وكل حرف، وكل أداة، وكل حركة، حتى تصبح الجملة كيان متكامل.. مبدعة تثير لعاب الشهوة وهي عابرة في طريق النص في خيلاء ودلال. كما أنه يتميز بالتكثيف الواعي المحترف غير أنه يتميز بلحظة التنوير ـ الخاتمة الفريدة ـ في دهشتها ـ تحيلك لأول ما بدأت لعنوان النص تنظر إليه مسند يدك على صدغك تتأمل ضاحكا على نفسك “أنت؟” الذي تحمل مغزى كل هذا المتن الجميل.
وأيضا يهتم هذا النوع من القص بتصوير الحدث والفعل أثناء عمله التلقائي، واقتناص لحظة الفعل داخل عالم الدنيا والحكايات والنفوس باقتدار، أدوات الأديب ومهارته، ولكشف هذا بوعي من خلال النص نرى الكاتبة قد بدأت بتصوير الفعل أثناء حدوثه، وهي تدخل عليه بخطى حريصة لا تشعر المتلقي بصوت الكاتب التقريري، وكأنها فتحت خلسة ناقذة غرفة خاصة يدور بداخلها حوارا مسموعا مرئيا، ومسموع مرئي مربطا الفرس في عقاله.. براعة أديب.. أديب ينقل حدث لا يتدخل فيه غير في القفلة المدهشة، يغلق النافذة فجأة في وقت معلوم محسوب دقيق، وعلى كل من سمع ورأى أن يجتهد في تفسير ما سمع ورأى، فهي تبدأ جملها بالجمل الفعلية النائمة على جسر الفعل المضارع المستمر في السير ليصل بك إلى المبتغى.. متعمدة هي قاصدة تقول: “تحدق به مذعورة، تستمع لحديثه عن الفراق” تحدق في زعر تستمع لحديثه عن الفراق.. الاستمرارية التي تأتي من المضارعة هنا آتية بدلالة مقصودة لها أثرها على المتلقي، وهي ضمان الاصغاء، وتحقق الجذب واللهفة على التكملة، فتشير الجملة الأولى أن واحدة ما تستمع لواحد ما يحدثها عن الفراق، ربما لو تأملنا بشكل سريع لهذه الجملة نكتشف أنها مباشرة، فحوها قال ماتريده، ولكن هذا غير صحيحا هي من باب التطميع للمتلقي والتحميس للمعرفة، وهذا (يجر ريقه للقراءة والإطلاع) لأننا نراها بعد ذلك تسرد تفاصيل ما مختارة بعناية لتجسيد الحدث، وكشف المستور منه مثل: (أنثى حلوة كلمتك بصوتها سحرك.. مازلت لم ترها بعد “هتوريك بقى” تفاصيلها) : “ترتبك تلملم خصيلات شعرها تشبكها بمشبك” تفاصيل أنثوية بحتة مقصودة، ونراها تمعن فيها لإتقان التأثير: “تفطن بأن عينيها أصبحتا جلية الحزن .. تحل مشبك شعرها .. تنسدل غرتها تخز بعض شعيراتها بؤبؤ عينها .. يتهاطل دمعها .. تخبئ وجهها بكفيها تباعد بين أصابعها تسترق نظرات لملامح وجهه وهو يبتسم إشفاقا” حين انتهت كشفت عن المقصود والدلالة البلاغية.. العين أصبحت جالية الحزن ـ وهي تحل مشبك شعرها ـ تنسدل خصلة تخز بؤبؤ عينيها، ثم تسيل الدموع.. أي دموع؟ ـ تخفي وجهها بكفيها وتباعد بين أصابعها لتسترف النظر للآخر.. الله على جمال التصوير الذي يشتغل على عاملين تجسيد صورة الأنثى المتعطشة المتلهفة للحب من ادراك جمالها وتأثيرها على الآخر، وتوصف الحالة النفسية، وهنا الإتقان في البعد عن الكلاسيكية التي تمعن في وصف التفاصيل الذي لا يحتاجها المتلقي الحديث لأنه يدركها من خلال براعة قلم الكاتب.. يعني لم تتناول وصف الفتاة بشكلها وملامحها وقدها ومفاتنها، الحداثة ترمي لك جملة أو لفظ دال قاطع عمن تبحث عنه، ثم تحيلك للهدف الأسمى، والهدف الأسمى الشعور بالفراق الذي حدثتنا عنه بجرأة في أول جملة بدأت نصها بها، ولكن لابد وأن تكون بارعة متقنة في غزل فكرتها على هذا الجنس من القصة “القصة القصيرة جدا” لابد وأن تغلق النافذة فجأة لتضعك في بوتقة الرؤى المتعدد، والتأويل الواسع المدى في لحظة التنوير والختام، والنص الأصلي عندي انتهى بهذه الجملة: “تتنهد تشهق عدة شهقات بين الدموع .. تعلم أنه مفارقها مع أول خيط للصباح .. الليل” هي أسقطت في النص المنشور هنا لفظ “الليل” وأظن أنه سقط منها سهوا، وهو الوحيد الدال الكاشف، وفاتح النص على عالم مهول من الرؤى والتأويل، خاصة وأنها تعرف ماذا ستفعل بنا؟ كيف تبدأ نصها وكيف تنتهي منه؟ لأن في أول جملة اشتغلت على المباشرة الفاضحة للنص، وهذا قلت فيه أنه مقصود للدلالة، عندما أوضحت أن شحصا ما يحدثها عن الفراق، لتكشف لنا في لحظة التنوير الخاتمة، وتضع في أذهاننا ألف سؤال.. أي فراق تعني؟ وهذا وضح ضمن تمكنها من أدواتها، عندما صورت لنا آخر يحدثها في تنكير تام له، وهو تنكير مقصود.. هل هو مجرد صوت؟ ولو كان مجرد صوت من هو هذا الصوت؟ صوت عقلها الراشد المدل الواعي ساعة الوقوع في الخطر؟ أم رجل كبير تلجأ إليه وقت المحن تشتكي له؟ أم هو الحبيب الذي حديثه يشير وينبئ بالفراق؟ أم الليل الذي سينقشع ويرفع عنها غمة الاحساس بالصيح الجديد؟ وهذا من جماليات القصة القصيرة جدا، أنها تحيلك بالرمز الغير مباشر، ودقة التكثيف والإختزال، واختيار الألفاظ وبناء الجمل، إلى دنيا من التسائل والرؤى، وكل فرض مقبول لتعدد هوى المتلقي وفكره وثقافته وطبيعته..
تحياتي لك ولقلمك كفاج قواس وفي انتظار مجموعتك القصصية الأولى “للياســمين حكــــايات أخــرى”.

أضف تعليقاً