اليوم موعده مع استلام”السلفة” وياله من موعد جبّار ذلك الذي سيستلم فيه عشرة ملايين بعد انتهاء الدوام. ابنته التي ستتزوج بعد شهر وعدها بحفلةٍ في قاعة ستكلفه” ثلاثة”، وابنه طالب الباكلوريا وعده بالمليونين لمدرسيّ الخصوصي هذا الصيف. وزوجته وعدها ب”ثلاثةً ونص” كتعويضٍ لها عن ذهبها الذي باعته حين بناء البيت. والكبير أجلّ ذِكْرَ مطالبه إلى حين موافقة من يحبّ على الاقتران به.
الباقي سنصبغ به البيت عزيزتي، ونشتري طخم جديد للصالون.
أبو محمود يتأنقُ ببذلته الجميلة وهم يعدّون له النقود وفمه وعيناه مفتوحةٌ ويداه تفركان بعضهما، أما شفتاه فتعدّ معهم بحرصٍ شديد.
أكثرُ من عشرة ملايين ليست بالمبلغ البسيط، وسنةٌ كاملةٌ لسدادها من راتب كل شهرٍ ليست بالأمر الهين.
(هل سيكفينا الراتب بعد استقطاع ال”خمسمية” منه؟
_مؤكد عزيزتي، فلن تكون لدينا مصاريف كثيرة مهمة سوى المصرف اليومي.
_ آه يا عزيزي، انتظارنا الطويل انتهى. لم نعد نحسب الأيام بعد اليوم.)…
ذكريات الهموم اليومية تدور وتدور في رأسه وهم يعدّون.. وهو يعدّ.
رصّها جيداً وبخمسةِ أكياسٍ ملونةٍ لفّها، وبعد أن غادر دائرته وفي الحديقة أوقفه ثلاثٌ من الرجال الحازمين:
_هات الكيس…
_لااا..لا لا… أرجوكم.. انهم ينتظروني..
_هاته.. نأخذ منه فقط حقنا، ونردّ لك الباقي.
دفعوا له المليون وهو يصرخ: ليس الآن… وعدتكم بسداد الدين العام القادم، أنا الآن في أزمة.
جلس القرفصاء بعدما تجمهر المارون حوله وهو يصرخ: ليس الآن يا همَج… ليس الآن يا حوَش…
التلفون يرّن.. ويرّن.. هو يسير بلا وجهة.
دخل مطعماً فاخراً طلب الكباب والدجاج فخرج منه وهو لم يأكل لقيماتٍ معدوداتٍ فيه.
التلفون يرّن ويرّن… طرحه أرضاً ..داس عليه، ومشى..
دخل محل مصوغات فصارت عيناه تروح يمنةً ويسرة.
_هل أخدمك ياحاج؟
_ لا.. آه.. نعم. زوجتي تريد أساور وخاتم…طيب… لا لا، من الأفضل أن تأتي بنفسها، سأذهب لأحضرها…
وسار بلا وجهة…
ناول الشحاذة عشرة آلاف. تفاجأت وخبئتها داخل صدرها وهي تنظر له باستغراب… هو سار بلا وجهة.
دخل مسجداً فصادفه صندوق التبرعات. رمى فيه نصف مليون، ولكن أحدهم ناداه: يا حاج، أكيد أنت أخطأت أو لم تنتبه لما رميت…
_لا، لا، أنا وضعتها. أليست تبرعات؟
_بلى، ولكن لم يتبرع أحدهم بهذا المبلغ. هل أنت متأكد….؟
تركه يستفسر وسار… بلا وجهة..
صادفه مقهى فجلس يسمع أم كلثوم؛ فبكى.
شرب الشاي، ناول النادل مبلغاً غير محسوب. أسرع النادل بالهروب بعيداً عنه؛ ضحكَ كثيراً من تصرفه.. استمر يضحك ويضحك.
رمى ببعضها في حضن بائعة جبنٍ على الطريق بعد أن رأى ثيابها رثة.
_هذه حتى تشتري ثياباً جديدة.
_تعال خذ الجبن كله…
سار وهو يضحك… ضحك كثيراً وكثيراً… فانهار ووقع أرضاً.
أفاق على صوت أحدهم: ماهو عنوان بيتكم ياعمّ حتى أوصلك؟
_والله نسيت… لا أدري..
وصل البيت ولم يتبقّ منها شيئاً، سوى دنانير معدودة، وهو يضحك ومازال يضحك.
دخل البيت فإذا بهم: سرپرايززززز… مفاجئة…..
صُعق عندما وجد الزينة في كل مكان، والبيت مقلوباً رأساً على عقب.
_مؤكد أنك عرفت ولهذا تضحك. من أخبرك؟ وحتى التلفون لا ترد عليه..
_عرفت؟ ماذا عرفت؟ لا أفهم..
_طبعا من الصدمة. هل استلمت السلفة؟ لو كنّا نعلم بهذا ما قتّرنا على أنفسنا واشتركنا فيها.
طيب لماذا تأخرت؟ طال انتظارنا لك وهذه الحفلة التي تعبنا من أجلها.
_حفلة؟ لماذا؟ مالذي حصل؟
النقود….
_أها…. النقود… قلت لكم إنه يعرف. قلت لكم وصله الخبر.
_ أراك متعباً عزيزي. لا بأس عليك. لا تفكر في إجراءات بيع منزل أخيك رحمه الله، فالمحامي هو من يتولى هذا.
_بيت أخي؟!
_رحمه الله، من كان يصدق أنه لا ولد ولا تلد، بعدما كنا نتصور أن حنان وسنا هما ابنتاه حقيقةً.!
……………..
…..السلفة: ادخار بين الموظفين يدور عليهم استلامه، وتسمى في الشام بالجمعية.
المليون: هي ما يقارب الثمانمئة دولار وربما أكثر قليلاً.
عشرة آلاف: حوالي ثمان دولارات ونصف الدولار.
- خليها على الله
- التعليقات