في ليلٍ سرمديٍّ، حيث أشباحُ الماضي تتراقص على أنين الريح، نقّبَ فارس عن حقيقةٍ ضائعةٍ. يداه المرتعشتان تعانقان قلمًا، تخطّان وشمًا أخيرًا على لوحةٍ بيضاء، فصلًا من حياةٍ مُنصرمةٍ. كلُّ ضربةٍ كانت نزفَ روحٍ توقظ ذكرى تتلاشى، محاولًا لمسَ خيوطِ ماضيه المتشابك.
وشومُ الأمس، التي زينت جسده ولوحاته السابقة، روت حكايا ضائعة. لكنَّ هذا الوشم الأخير اختلف؛ تراقصت نقوشه على حواف الجنون، وعالجت رموزه جراحًا غائرةً. شعرَ أن اللوحة تستجيب لهُ، تتنفسُ مع كلّ لمسةٍ ككيانٍ حيٍّ. تحدّق في انعكاسه عليها، مُدركًا أنها ليست نهاية رسمٍ، بل ختام رحلةٍ شاقةٍ أوصلتهُ إلى حافة إدراكه لذاته. تملّكه الخوفُ من المجهول، لكن رغبة الكشف كانت أقوى.
فجأةً، اهتزّت اللوحة بين يديه بعنفٍ، وتصدّعت شقوقًا خفيةً. تسرّبت منها أنوارٌ باهتةٌ، كأنها تفتح نافذةً على عالمٍ لطالما شعرَ بوجوده. تبدّلت ملامح الوشم، وتحوّلت الرسومات إلى وجوهٍ مألوفةٍ، وجوهِ أحبائه الراحلين، يبتسمونَ لهُ في صمتٍ وداعٍ. اتّسعت عينا فارس دهشةً ورهبةً؛ خفقَ قلبهُ بعنفٍ أمام نهايةٍ طالما شعرَ بدنوّها.
وفي لحظةٍ صاعقةٍ، انشطرت اللوحة إلى نصفين، ليكشفَ الستارُ عن سرٍّ دُفنَ لعقودٍ: لم يكن فارس رسامًا قط، بل وشمًا محفورًا على جسد الزمن نفسه. لم يكن سوى خيالٍ نسجتهُ خيوطُ الأحزانِ والأوهامِ في ذهنِ فنانٍ مجنونٍ قضى نحبَه بمصحةٍ عقليةٍ. لوحتُهُ الأخيرةُ، تلك غيرُ المكتملة التي حاول فارس عبثًا إتمامها، كانت ترسمُ ملامحَ وهمِ حياةٍ لمْ تُعاشْ. كان مجرد بصمةٍ مؤلمةٍ لفنانٍ حطمتهُ الحياة.

أضف تعليقاً