01- للذاكرة مَساحَات، وللخيَال طيُوف، وللأحْلام الوان قزحيّة، تُعَانِق رَذاذ اللحَظات، خيْرة بنت الرّاعي، ذاكرةٌ وخيالٌ وأحْلامٌ.. فتاة ميْساء، رهيفة القلب، تتلذذ بنسَمات الهواء في الرِّيف الجَميل، تزوّجت أحد الرُّعاة، ولسُوءِ بخْتها صُدمَت في رَبيع عُمْرها بمَوْت بعْلها، عاشت في العلب بريف {البيرين} في صبْر ومُكابدةٍ من أجْل أبْنائها، ارْملة مُعْتزَةٌ بنفسها، مُحَافظة على شرَفها، تتميّز برَشاقة القد، وخِفة الحَرَكة، وذكاء ألعَيْنين، يشدُّها الحَنين إلى هَذِه المرابع القابعَة بيْن التلال، تحْرُسُها العَصافير، تعيشُ عيْشة الازْهار والفراشات في المرَاعي، تتحرَّكُ في فضَاء فسيح، بيْن بوَاسق الوَجَع وانتظار القادم من الأيام، تتوسّدُ حيْرتها؛ السُّكانُ من حوْلها انتجَعُوا، بقيْت هنا كالعُشب بدُون صُراخ،والحرائر بطبْعِهن مُسَالمَات عَاطفيات، يخْترقن حُجُب الظلام بذكاء، ويقمْن بتربيّة أبنائهن تربيّة واعيّة، تخرجُ في الصباح، تطوفُ حوْل الحوْش، تتفقدُ الدوَاجن، تجْمَعُ الحَطب..تُوقدُهُ، تصبُّ الحَليب الرّائب في الشّكوْة ..تمخُضُها، تعْرُك عَجَائنَ الخُبْز،تعِدُّ ارْغِفة الفُطور..تطهيها، تُداعِبُ خيُوط المنسج..تُتطرُزُها، في المَساء تُجدّدُ الذكريات بتنهداتٍ حَزينة ترْدِمُها في رمَاد الشوْق والحَنين، تختارُ الْمَكان الذِي تجْلسُ فيه، مُتأمّلة مُتألمَة ولا سَراب يرْشُدُها.. تنتفضُ.. تفزَعُ .. تَتنقل.. تجْمعُ وجعًا قديمًا تمْزجُه بجَديدٍ، تتذكرُ اسْماء أهل الحيِّ وديّارهم وقد صَارت أطلالا تُشبهُ المقابر المُوحِشة، المَكشُوفة الجَمَاجم والعظام، تتنعّمُ بالشّقاء لتحْمي غُرْبتها، تكنسُ اطيَاف الْحنين، تزْرَعُ من الأمل إكليلا، ومِن الصبْر مَناراتٍ مُضيئة، ومن الوَفاءِ أيْقونة حُبٍّ وَوفاء، في كل مَسَاء تتسَاءل: مَتى يعُودُ القطيعُ لتطمَئِن؟ اسْئِلة تتشكل كسُحُب عَابِرة، تتدفقُ الذكريات العذبة كالشّوْق لتهزّ الرُّوح من حُلم اليَقظة، تَتراقصُ في ذِهْنها تسُاؤلات مُذْهلة، يُشغلها مَصيرُ أبنائِها، تحْرُسُهم بعيُونها، إلى مَتى وهيّ هُنا وحْدَها كزهْرَة سَاقطةٍ عن غُصْنها؟ مَتى تسْكُنُ ألمدينة ويتحَققُ حُلم أبَنائها ؟ إنّها تُوقظ احْزانًا ظلت دَفِينة في اعْمَاقها، تنْتزعُها من صدْرها كالتنهدَة المسْمُوعَة، تُمْعن في كبْت تِلك الشّحَنَات الرّهيبَة في صدْرها رحْمَة بأبْنائها، تنْتهِى تِلك الامْسِيّة الرَتيبة على غيْر عَادَة، ففي هذِه اللحَظات الكئيبَة، كان كبيرُابْنُائها يلجُ البيْت، مُضرّجٌ بالدّماء، مُلطخ الملابس، مُعفَّربالتُراب، تحْت عيْنيْه ارْتسَمت كدَمات سَوْداء، تفزَعَ مُتعثرة تسْأله، فيسْترقُ البصر إليها مُتلكئا: أمّي تشَاجَرْت مَع الرّعَاة، تلقيتُ ضرَبات مُوجعَة، كنتُ أدافعُ عَن نفسي وأنا في حَالة هيجَان يُشبهُ الجُنون، هويْتُ بدُون وعْي على رَأس ابرَاهيم بالخيْزرَانة، فسَقط على الأرْض مُغشى عليه لا يُبْدِي حرَاكا، تركتُه مُنبطحًا في العَرَاء، أخْشى أنْ يَكون قد مَات، يَضيقُ الأفق من حولها، تتهَشّم الكلمَات وتبعثر، تضْربُ بقوّة على صدْرها، والعُيون جَاحظة، والهواجس راكضة، والوجْه مُحْمرٌّ، تشعُرُبشيْءٍ يرْعَش جَسدَها، والأرْضُ تهوى وتمِيدُ من تحْت قدميْها، فتصْرخ: يا ويلتاه ضاع الأمل، ماذا افعل …؟!
02- تقفُ مشدُوهة مُتألمة، والدِّمَاء تتجمّد في عُروقها لتذوبَ في الأعْمَاق، تلتفتُ..تنتفض..ترْفعُ صوْتها مُدنْدِنا..ترْتعدُ.. تُجْهش بالبكاء: لِمَ فعلت ذلك ياولدي..؟ وللتوتتلفّعُ لحَافها، تنْتعل حذاءَها، تمْتشِقُ عَصاها، تخرَجُ عَصرًا مُسرْبلة بالأحْزان، مُمتطيّة ظهْرَ أتَان، يتحَرّكُ ودّها نحْو حيِّ الرُّعَاة، ومَا خَرَجت من قبل.! تُرافِقها هوَاجشُ الخوْف والرّعْب والحشمَة، ينْطبعَ مُحَيّاها بمسْحة دَكناءَ، تقتربُ من حيِّ {اولاد اسْلِيمَة} النِسْوَة هنا توارثن عن امّهاتهن الشقاء والخوف، يخرُجْن يتهامسْن بأحاديث سَحيقة لاسْتقبالها، العُيُون مشدُودَة نحْوها.. تحيِّيهن، يُرحِّبْن بها..تسألهُنّ بحسْرَة وبريق جَاف: كيْف حَال الوَلد..؟ على أيِّ الأولادِ تسْألين يا خَالتي؟ السّعيد الذِي تشاجر مع ابْني ابْرَاهيم، تتهربُ ألأمّ من الجواب، فتسْتأنِفُ حديثها: لقد تشاجر ابناؤنا وخِفتُ أنْ يتحوّل الشجار إلى عُنف يُفضي إلى عَداوة، قلتُ في نفسي الحَذر يُؤتى مِن مَكْمَنه، قلنَ لها:لطفا.. بَيْن العائلات صِلات وَوشَائج مُنذ عهْد الجُدُود، حاولت أنْ تُدافع عن ابْنِها ولكن حلقها الْجاف أبَى أنْ يُسْعفها، فتكتفي بطلب جُرْعَة مَاء، توَدَّعُهن وفِي نفسها شيْءٌ من الْحسْرة والألم، تعودُ إلى بيْتها وسَتائر الليل تسْدل خيُوطها، تقتربُ من الحوْش مُترنحة، ينْتهى إلى سَمْعِها صُراخٌ.. يجْتاحُها خوفٌ رهِيبٌ بحَجْم الهوْل، ينبْعَث الدَم دَافِقا إلى أوْصالها، تسْأل بمرَارة ماذا يحْدُث ؟ اتْلعَت بعُنقِها، جَالت ببَصرها اطرَاف المكان، ابرهيم يئن..ياويلتاه..! واخْوتُه يُحِيطون به ..يتوعَدُون، على هَدْي من ذُبالة ضوْءٍ خافتٍ تنْحنِي.. تتفحّصُّه، الدّمُوعُ تسبحُ على وجْنتيها، المشهد كان مُذْهلا، لقد تسَلل ذلك العرْبيد إلى البيْت وطعَن ولدها بسكين، قالت في نفسِها: لعله انْتقامٌ، فمن يَكون هذا المُنتقم؟ يُنقل ولدُها إلى المشفى ترَافقهُ، تكتفي بتحْذير ابنائها من التهوُّر، تلتزمُ الصّمْت صائِمة عن الكلام والطعام، هائمَة تقتاتُ على بؤس اللحَظات.
03-جاءَ رجالُ الدرك بيْتها صباحا، اخذ الرّعاة يُدلون بشهاداتهم، أثناء التحيق يعثرُون على كوْمة من الأوْراق، بضْعة أمْتار من الزريبة، الجاني ليْس من ابناء الحيّ، جاء على متن شَاحِنة بأضوَاءٍ مُطفأة، بغرَض السَرقة، في الطريق وقعَ له حادث مُرور، هُو ذاتهُ يعْترَفُ بأفعاله، يتسَاءلون كيْف وصل هذا الشقيّ إلى هُنا ؟ لاشك أنّها خَديعَة مُحْبكة، اللص يسْتهْوي الرّعَاة بطيْشه ولذاقة لسَانه وخِبْرته في اسْتدْراج ضحَاياه، يُوقعُ بيْنهم العَداوَة والبغضاء، ياللعجب..فهل الرعاة صاروا سراقا؟ جاء الرُّعَاةُ يسْتفسرُون وقد هيّجهُم الحادث، {رقوبة} ترْحل إلى المسْتشفى، تدْخل الغرفة مُنحنية، تتظاهر بضحْكة جافة لما رَأت ابراهيم يرقدُ بجانب السّعيد و{خيرة} أمّ ابراهيم تخدمُهما، يعْترفُ السّعيد أنّ الجَاني كان يَتردّدُ عليْهم، وأنّه المُتسبب في اشْعال نار الفِتنة بيْن الرّعَاة، يعْترفون أنّ مرايا حوَاسِّهم كانت عَمْشَاء مُشوّهَة، لاتفرّقُ بين الصّديق والعدوِّ، في تِلك اللحظات جاء شابٌ يجُر عصاه، يرْنو بعيْنين نصْف مُغمَضتيْن، يُمْطرُ ابْناء عمِّه بكلمَاتٍ بذِيئة هوْجَاءَ شامِتة، يَتهمُهم بالجُبْن ومسَاعدة الغُرباءعلى التوغل في المرْعَى، خيرة تهدئُ من روْعه وتقول: من حَقنا أن نغْضب ولكن{ الازْهار لاتتعْسلجُ ولا تُزْهر إلا في خمَائل المَسرّات، أمّا الطحَالب فتنمُو وتتكاثرُ في فوض المُسْتنقعات} حَقيقة أنّ الرّعَاة { يُفضِّلون أن يَكونُوا ظِلا لغيْرهم} كحَالة الأعْرَاب في البلادِ العَربيّة، ردّت عليْها رقوبة: صدقتِ ياخَالة {من تسَترَ عَاش سَعيدًا} هِي ذِي النتيجة، تركنا أبناءَنا يَعيشون الأوْهام والأحْلام، ولم يَجِدُوا في ذالك أيّة غَضَاضة. {خيْرة بنْت الرّاعي} طاقة مُتجَدّدة في ريف البيرين، استوْعَبت الدَّرْس، أخذ يُلازمُها هَاجِسُ الخوْف وقد صار يُرافقها، ترْتعِشُ لخوْف الخوْف، وخلف العَتمَة تُعابِثُ النجُومَ، ترمُقها بحَنان، تُنْصتُ للسُّكوت، مَراياها مُكتضّة بالغَضب وبشيْءٍ من الأمَل، تلهُو بالظلال، فجأة تُعْلنَ عن الرّحيل، ملفوفة بغلالة الاشواق والحنين لتسْكنَ المَدِينة وتعْتنِقُ الفوْضى.
04- خيْرَة بنْت الرّاعي، زهْرَةٌ الباديّة، شذاها لايزل يضُوعُ في مرابعها، امْرَأة احْتفظت بماضيها التليد، عندما رحلت من البادية، كانت مُكرهة، لذلك اخذ يجْتاحُها ألحنين، ويغمُرها الشوق إلى مسقط رأسها، ويعْتصر الحُزن قلبها، فمنذ أن سكنت المدينة، بقيت في صدرها زفرة محبُوسة لكنها لم تنهزم، لم تنخدع لبريق المدينة، ولا لكثرة دُورها وعيْشها الرّغد، كانت ترْفضُ أن يتسكع أبناؤها على ارْصفة الشوارع، يجْلسون في المقاهي، ينخرطون في حلقات لعب النرد، يقتلون الوقت، يلهثون كالرِّيح خلف السّراب، هيّ تحنُّ إلى تربة تفوحُ منها رائحة الودّ والإخاء، وصفاء القلوب ونقاء السّريرة، ترنو إلى الانعتاق، تشتاق إلى حديث الغرُوب، مآثرها مدْفونة مطمُورة في تلك الروابي السمراء من سُهوب {البيرين} الشاسعة، امْرأة يسْكنها المكان، يتملكها عبقُ التارخ، بين حناياها يغرق الشوق، يهيّج مُهْجتها الحنين، معركتها في الحياة مُتواصلة، بدأت في البادية ولم تنته، ستعُود إلى مرابعها بوجْه يختلف، ستسلك طريقا آخرَ، فوجُودها في المدينة ليس للنزهة، إنما كان صمْتا مُحمّلا بحِزَم من الأسْئلة، وسعْيا دؤوبا لترتيب اوْاق حياتها، وضبْط مشاريعها، فلقد اخذت حصّتها من الدّعم الفلاحي، جرارٌ ومركبة نفعيّة، وسكنٌ ريفي، وكهرباء، وأبقارٌ حلوب، وأرضٌ مُهيّأة للزّرع وغرس الاشجار المثمرة، السّهوب مسافات تتمدّدُ، وأفقٌ يتماهى، وأشياءٌ جميلة كبريق الامل تتوارى لتبتسم، تطير الأحْلام، تتراقص كالفراشات، يُمكن لحقول القمح في تربة العلب المعطاء أن تغيّر لون السّماء في كل لحظة، ويُمكن للشمس أن تنشُر كلامها المُضيء، تتجدّد الألوان التي زرعتها في الحقول، وتستعيدُ بَريقها، الرُّعاة غابَ بعضهم، وهام البعض الآخر في البرَاري، اشتغل كل من ورث عن اجداده البُداةُ الرُّحل قسْوة الحياة..وبُؤس الأيام وهزائم البطالة، وشظف العيش، تناثرت بيُوتهم المتواضعة القابعة في مُنخفضات الهضاب، ومن يسْكن منهم الديار انحَنت جدُرانها المُتهالكة وتقوّست، لايزال الرُّعاة يتماوجُون، يرتمُون على ضاف الحقول، تشرئب اعناقهم نحو سُحُب السّماء لينتجعُوا، زخّات المطر تُنعشهم، تلامس بحنان تربة الارض العطرة، الحياة هُنا تتجدّدُ، أجل..يُمكن ل خيرة وأبنائها أن يشطبُوا بعْض النكرَات، ويُمكنها أن تسْتدْعي من تشاءُ من التائِهين في الفيافي، لتعيدَ لهم الحياة الكريمة، تمنحُهم جُرعات من الضوْء، وشيْئا من الامل والطمأنينة، تقول لأبنائها: لسْنا وحْدنا في الرّيف فاطمئنوا، كونوا مثلا يُحتذى وقدْوَة، يقول لها ابراهيم إن الأغبيّاء من سُكان الارْياف يتعاركون على الأرض، ليبعُوها بأثمان بخْسة من أجل شراء سيّارات، يَحْرمُون النساء من حُقوقهن المشرُوعة، يقول موسى مُتألما: تبا لهؤلاء ألأوْباش غدًا سَيندمُون، توالت الأيام واستطالت، زوّجت خيرة ابناءها الثلاثة وأضافت إلى بيْتها كنائن يُشبهْنها، بين العوائل الريفية وشائج وصلات، فهم يتزوّجُون بالتبادل، والكبار يتحدّثون بالنيّابة عن ابْنائهم وبناتهن، الأمّهات يرْمُقن بناتهن بتفجُّع وتنهيدات عَجيببة، ويخضن في اعْراض الناس ليروِّحْن على أنفسهن، وبعْضهن يبْتهجْن بالخوْف خلف الأبواب والأسْوار يسْترقن المشاهد، ويخْتصرن الكثير من كوَامن النفس في زغرُودة تشبه الزّفرة..لتبعث البهجة في النفوس..يراقبن بعيْنين اسِيرتين ودفقات قلبٍ مٌنكسرالعائدين من بعيد، الأحلام تبقى مقتولة، لتذوبَ في رغْوة الفراغ.
05- {خيرة} صار لها حيٌّ يُسمّى باسْمها، وسُكان يُطوِّقون الحوْش يحْرُسونه، ديّار من طين وخيّم وأكواخ، ومَقرأة لتحْفيظ الأطفال القرآنَ الكريم، في البادية يُولدُ الابْناء فجْأة ويكبرُون بسُرْعة، ولا أحدَ يَهْتم بهم ويرْعاهم، يخرجُ الرُّعاة الصُّبح ينفضُون نُعَاس الليل، والنسَمات تُصافحُ وجُوههم قاصدين المرَاعي، يتوزّع المُزارعُون على الحُقول في حَركة عفويّة، السماء تشوبُها سُحُب دَكناء..بعض الفلاحيين يرْشفون فناجيل القهوة على عجل، الأطفال يزْحفون نحو المقرأة، أبناء خيْرة يُشرفون على سَقي الحْقول وزراعة الأشجار، بينما امُّهم تسْترقُ النظر إليْهم وكأنّها تزْرع رشّات العطرفي طريقهم، تشتغل كعادتها في مُحيط البيْت بطريقتها الخاصة مع نِسْوَة الحيّ، اللواتي ترك الزّمن اخَادِيده على وجُوهِهن النحيفات، لم تعدْ تنفعُ الاصْباغ تلك التشققات، فجَمالهُن وُضع في ارْشيف الذكريات، ولمّا هبّ عليهُن ريحُ الخير، اكتشفن انفسهُن مع خيْرة ورقوبة وعمرة وسهيلة ودلولة، وليس لامْرأة كادِحة إلا أنْ تكتم سِرّها في رئتها، فنساءُ الحيّ مُعظمُهن ارْملات، اتيحت لهُن فرَص اللقاءِ مع بعْضهن في هذا الفضاء، ليعْملن مُتعاونات بشرَفٍ ورغبة، أحاديثهن تنسَابُ رقة وعُذوبة مُحمّلة بالألق واللهفة، وضعْت بين أيديهن ماكينات لحلب الأبقارومَخّاضَة وعَجّانة، وبسُرْعة البرْق استوْعبن تيكنولوجية العصر، فآخذن يعْملن براحة ضميروحُب وشوْق، يُعانقن اللحَظات بحَرارة وتفاعل..وتبقى خيْرة تطوفُ بين هؤلاء وأولئك كالحَمامة مُتورّدة الخدين، كثيرة الحركة، تعلو مُحيّاها ابْتسامه ودِيعَة، يرْكب الباهي بغلته وهو شيخ مُسنٌ غزاه الشيْب، ورسم الحُزن على ملامحه سُحُبا دكناء، يحْمل ارْغفة مُنتفخة بيْضاء وحمْراء من القمْح الخالص وخُبز الشّعير، واللبن والبصل، يوزّعها على الفلاحيين والرّعاة، يلتفون حوله، يتناولون ماتيسر من طعام، يقف في رهْبة وخُشوع بعْض الوقت، ثم يقفل عائدا كأنّه يعْزف على اوْتار مجْهُولة، يفتحُ ذراعيْه لينزَع البرْدعة، يترك البغلة تذهبُ إلى حال سَبيلها، لم يَعدْ يخافُ الحياة ولا الموْت ولا الجُوع، يتململ في ملابس رثة، يذهبُ ليجْلس حيث المُسنين والمُسنات، يجْترُّون كلمات مُسترجعة كميّة العُشب، ينصتون لاغنيّات صمْتهم في السُّكون العَميق، تجودُ عليهم خيرَة بجفنة من الكسْكس، أوقدر من الحَساء، وأحْيانا ثريدًا، ينْسَلون كالظل خلسَة ليندسُّوا بين الأشباح، تدنو الشمس من ارْض الغُروب، وما تبقى عند المُسنات، سِوَى اجْنحة الاسْئلة المُهتزّة، التي تتشابه في مُجْمل غوَامضها، وخلف اسْوار الابتسامة خيرة تمنح الزّهُور عطر أرجيها، وتضمِّخ الفضاء بنشرالموَدة ، النساء الريفيات يسْبحن في شواطئ اضطرَابهن، يحتفظن بالذكريات وبنشوة الانتصار،عواطف تجُودُ بها السّماء، في مساء الريف يتهامَسْن بكلمات طواها النسْيان، تعوّدْن الجلوس إلى بعْضهن مُتلطفات على ضوْء القمر، ومن فرط الشوْق والحنين يُجْهِشن بالبكاء، والبكاء مُطهر للأحْزان، هكذا تقول:الخالة رقوبة، فتبتسم خيرة، وتقول :الاجدر بنا أن نخلع فتيل التوتر، ونزرع في النفوس بريق الامل.
06- وتحْتفِظ {خيرة} بشهْقتها، وتَنْتصرُ بوَعْيها، وقُوّة شخصيتها على الزّمن، في عُيونِها تخْتصر المَسافات، لواعِجُ قلبها اخَذت تنبُض، تُحاولُ اعَادَة الهُدوء وقد افتقدتْهُ في غيّاب ابْنها، مُراد انْفصل فجْأة عن إخْوته، كبُرت حيْرتها, اشتدّ غضبُها لمّا غادَر ابْنها الحيّ إلى وُجْهة اختارها، ليرْوي ظمأه العَاطش، فزوْجته اخَذتهُ حَيث يسْكنُ بعضُ الرُّعَاة من اهلها، في ضَواحي العاصمة{اولاد فايت} لتنهل من خيرَات المَدينة وعيْشها الرَّغد، فالنازحُون الرّعَاة اسْتفادُوا من سَكنات ومن العَمل، وانتظم اطفالهم في المدارس، واندمَجَت نسَاؤُهم في فصُول محْو الامّية وصار لهم معْنى، اناقة وزهوٌ وامْتلاكٌ للهجة العاصميّة، كل الذين كانوا لا يُجيدٌون كتابة اسْماءهم صارُوا يقرؤُون، يسْتعْملون الهواتف المحْمولة باحْترافية عاليّة، تكيّفوا مع المُحيط ومُسْتجداته وتعصْرَنوا، في ضَجيج الاحْداث تكبرُ الحيْرة، وفي شهْقة الشّوْق تغُوص في أحْزانها الكلماتُ، خيْرة تتوسّدُ الحَنين ولا تُفصحُ، صوْتُ ابنها مُراد ينآى، لم يعد يملأ سمْعها ولا بصَرها، مُكالمَات الهواتف المَحمُولة لاتجْدي، تنسل صُورة ولدها من بيْن يديْها، تندسُّ في حَوافر النسْيان، لم يكن لهذه الحكاية أن تنامَ كما نامَت قبلها حكايَاتُ، فهيّ تخشى أن يحْذوَ اخوَتهُ حذوَه، ويقينًا أنّهم سَيفعلون، فالشبابُ والنساء فُتحت لهُم أبوابُ السّماوات، وصار الاتصال في المُتناول، خيْرة تتجاهل الوجُوه الخانقة، لكن الوَسَاوسُ الرّعْناء بدأت تُشغلها بقوّة، تغزُوها الكلماتُ الطائشة، زوَابع تهزُّ مضْجَعها، ابراهيم وموسى اخذا يتهامسان، وبرَهِيف كلماتِهما المُمططة يُحرّكان في نفسها جراحًا ممجُوجة بخليط من المطالب والتساؤلات، ترْتعِش..تسْتسلم لنوْبة من العَويل، تتعَاظمُ خيْبتها، تهتزُّ مكانها..تنتفض..تتحرّكُ بغزارة.. تضربُ بصمْت عَصاها ولا تُفصح، أجل..يلفُّها القنوط لفا، وتُطمِرُها الأحْزان، فتكتفي بأنْ تذرف ماتيسّر لها من الدّمُوع والآهَات، يُحدِّثها إبراهيمُ بلطفٍ ولباقة، ويُقنعُها بأنّ التطور سُنة كوْنية، ونحن كائنات اجْتماعية تحتاج إلى الجماعة، والحياة تجارب، يسْألها: ايْن البيُوت التي كانت مُنتشرة هنا كالفطريات؟ بعضها يُحيط بالحوش احَاطة الحزام بالمعصم،لاشيء.. كلهم ارْتحلوا في قوافل مثل اسْرَاب القطا إلى وجُهات مُختلفة، اليْس كذلك؟ لم يبق غير النسْوة المغضُوب عليْهن، والمُسنين الذين نسيّهم الموْت؛ فأين اولادُ مفتاح؟ أين الدغاغرة؟ اين اولاد اسليمة؟ اين بيت الحاج يحيى وبيت الحواس؟ لاشك أنّهُم جميعًا انتجعُوا والعددُ لايُحْصى، انْتعشت، أخذ قلبُها يلينُ، همّت بفتح الدُولاب..تتراجَعُ.. تسْتجِيبُ.. تأذَنْ لهم ببيْع ثلاثة ارباع ثروتها، تحتفظ بالرُّبع، تنتشي رُوحُها فخرًا واعتزازًا، تقرّرُ حمايَة الارامل والمُسنين من الجُوع وتقلبات الحياة، نحن لسْنا كبعْض الاغنياء لايُبالون بالفقراء، يحْملون دناءتهم وجهلهم مثل بطاقة التعريف المجْهولة، بعضُ الأشقيّاء لايحْملون قلوبًا، والأصل ليس لهُم قلوب ولا مَشاعر، أحْيانا ارْزاقهم تكون سببا في انحِرفاهم، نحن نزرَعُ الأمل، والأمل شُعاعٌ يُضيئُ درُوبنا، سَنعيش معا في امْن وسلام، والله يُعيننا على توفير لقمة العيْش للأفواه الجائعة، من أجْلهم لم ولن نبرح مَزارعنا وحُقُولنا وهذهِ المرَاعِي الخصبة المعْطاء حتى نلقى الله.
07- وإذا كانت الأيّام تتشابهُ فإنّها تمُر بسْرعة، والذكريات تتراكضُ وتتوارَى في مُحْتشدات رُكام النسْيان، ليبْقى ماهُو محْفورٌ في الذاكرة، بالدُّمُوع مسَرْبلا بالجرَاحَات والأحْزان، وما رُسم بأحْمر الشفاه على الخدين المتورّدتين، يشبه الصّخورالمنحُوتة، تتيهُ الأحْلام في سَراب المَسافات، يُمكن للمرْء أن يسْتدْعي ماشاء، ومتى يشاء من الذكريات، يَمُوتُ منها ماهو مهجُورٌ مسْكوتُ عنه كالأحْلام، كما تمُوت الكائنات وتُقبر، لخيرة مخْزُون مُعتبر من الافكار تحتفظ به لنفسها، تدُق اوتادَ وحْدتا في هذهِ البراري، لم تعد تلتفتُ لغيْرها، وما عسَاها تفعل والقلب مُدنف؟ رحل ابناؤها وطالت أسْفارُهم، هُم نبضُ رُوحها، وبلسَم جراحها، تتفرس وجُوههم، تهْمسُ إليهم والصّمت يُمزِّقها، والكلام صار احْصنة تمتطيها لتصل، كانوا يسْكنون سُويداء قلبها، فجْأة تناءُوا وتفرَّقوا، والافتراقُ احْيَانا اخُو الموْت، عيناها الكبيرتان مُحدّقتان بالفضاء، تُغمِض اجْفانها لترْسُم صُوّرهم مُجْتمعِين حولها، وتسْتحْضرهُم فرادى.واخيبتاه..!.تصرخُ مُلتاعة من هول غُرْبتها، يتآكل الضوءُ من حوْلها، ترفعُ رأسها، تدير نظرها نحْو النسَاء والمُسنين، تُنعِشُها عيْشة الصّحراوية بضحْكاتها الوديعة، ضحكة تحْمل في ثناياها نغماتُ حنين، وزفراتٌ ذاتُ رنين، تتنهدُ أمّ الهاني الكحْلة، تكتفي بقيّة النسْوة بالذّهُول، تقول: اسْتأنس بكم جميعا، بعد أن سكن ابنائي بعيدا، حيث المدَى يضْمحلُّ، وأمواجُ البحر تتلاطمُ..وابُعْداهُ..! هي هُنا تسْتنشق هواء ممزُوجا بتربة السّهوب تُعانقها، غبارًا أحْمر تحرّكهُ الريّاح ، تنثر أوْجَاعها وأحْزانها من أجْلهم، حي الرُّعَاة ينتصر، يجري إلى مستقر له بسواعد الفقراء، خيرة امْرأة حَسْناء سمْراء جذابة خلوقة، تأسَرُ الرُّعاة بعُمق تفكيرها، وقوّة عقلها، وطيب كلماتها، تقول: مُبتسمة كبسْمة الشّفق، أما آن لكم ايُّها الرّفا ق أنْ تفكرُوا في مرْحلة ما بعْد خيرة ؟ يقول المُسنُّون: مادامت خيْرة معنا لا نفكرُ ولا نحْلم بالرّحيل، وإن رحلت رحلت القلوبُ قبل الأجْساد ادركتنا الشيْخوخة..وما تبقى لنا من اوراق الغروب اخذت تنتفض، تداعبُها الرياح الهوْجاء وقد اصابها الذبول،.نحن في صُبْحنا نتذكرُ وتكثرُ أحْزانُنا، في مَسائنا نتهامَسُ بأحَاديث طواها النسْيان، بعض الكلمات تمُوتُ قبل أن تبتدئ، كل منا يتأبّطُ ظله، يقتاتُ على الأمْنيات و”..الامنيات مقابرَ الموْتى” المسنون يحْتاجُون الى دِفئ الكبار ورجَاحة عُقولهم، تبْتسمُ خيرة ابتسَامة شفوقة راعشة، تحسّ برجْفة تحْبُو فوق جَبينها، هي الأخرى بلغت من العُمْر السّبعين، تحمدُ الله على ذلك، إنّها لاتزال مُحتفظة بنشاطها، لعل هذا انعطاف يجدِّدُ النبض، ويُغذِّي الحيوية في النفوس، بين الفيْنة والأخْرى، تداهمُها قوافل التهْويم، تتركُ لخيالها أن يجُول في كل الاتجاهات تقول:لابدّ من تقسِيم الادْوار بين العيال {فالصيدُ كل الصيدِ في جوْف الفرا..} تُخاطبهم بأنَّ ارْضها وكل املاكها لهُم، تطلب منهم أن يَتعَاونُوا على اسْتثمار الثرْوة وخدْمة الأرْض..ذات ليلة كئيبة اختفت فيها النّجوم، طافت على جمْعِ أغراضها، أخذت توضّبُها، تشدُّ حِزام حَقائبها، مع اطلالة الصُّبح تتهيأ للرّحيل، فماذا يحدث؟ أمواجُ الأسْئلة تتوالدُ دُون توقف، بصوْت راعش كغيْمة فوق هضبة اليقين تعلنُ الودَاع، وبيْن طيّاتِ عَباءَتها تنزفُ شوْقا وحَنينًا، الأجْوَاءُ تفتحُ ذراعيْها، خيرة ترْحَلُ صامِتة كاتمَة أوْجْاعَها، تُرى إلى أيْن ؟ وُجهة مجْهُولة لا أحَد يعْرفها، لم يكن الرِّيفُ جَميلا بدُون خيْرة، إنّها ترْحل ..ويبقى حيّ الرُّعاة للرُّعاة، هل تكتمل حياتُهم وخيْرة غائبة ؟! يتجمْهرُ العيّال تائِهين على مرَافئ الحَنين، دامِعة أعْينُهم صامتين.. لايجدُون مايقولُون، هم اشبه بالكائنات الشتوية، يروْن أنّ أطيافها تملأ ألمكان،اعناقٌ تتمدّدُ..تتطاول..اجسادٌ تتكمش..تتضاءل..آذان تنبض بكل دَبيبة…اقدامٌ مُتشقشة..عُيون مُحملقة في المجهُول.. وا أسفاه..! الانتظار مرُّ..مؤلمٌ، صار أرَقا يقضُّ مضَاجعهم وهُم يتألمُون، يبقى في رَذاذ غِيّاب خيرة سِرٌّ دفِينٌ.! فما اوجْعهُ من حنين..!.
08- عادَتْ من غُرْبَتِها هَذا المَسَاء كرَعْشة صوْتٍ خَافت نديٍّ، كفرَاشة تاهَت وسَط العَصَافير، ما إنْ وصلت المَدينة حَتى يمّمت وجْهَها شَطر ريف البيرين {العلب} كانت تتبخْتر في شَالِهَا الابْيَض، تسْبحُ في بَحْر اضْطرَابها، لاأحدَ يُخفّفُ عليْها وطأة المَتاعِب ووعْثاءَ السّفر، طوَت المَمرَّات، بحَثت لها عَن فضَاءات تسَعُها، اسْتفاقت نادِمَة أن سَكنَت البَعيد، قضت سَنتيْن في حيِّ الكنَائن ب {اولاد فايت} تملمَلت في دُرُوب وَعِرَة لم تكن تعْرفُها، تسَلقت مرْكبَات لم ترْكبْها من قبلُ، تنقلت بيْن بيُوت أبْنائِها في صَمْت مُرْهف، والكنائن يرْفُضْنها، يَنظرْن إليْها بازْدرَاء واحْتقار، يُحَاوِلنَ ما أمْكن ابْعَادَها، فالأبوَاب تُغلق دُونها وفِي وجْهها، تحْلمُ بالرّحِيل إلى المجْهُول، كلت ومَلت وسَئِمَت التجوَال والوُجُوه العَابسَة، توغلت في المَتاهات، كحشرَة تنْشدُّ الآمَان، كانت تتهادَى في مشيتِها عبْر الاسْوَاق وفي دَاخلها انْتفاضة، وماعَرفت الاسْواقُ من قبل، تُناجي الذكريَات بعُيُون من حَنين، لم تعدْ خيْرة القويّة الذكيّة المُتوَقدَة حيويّة ونشاطاً، تغيّرت وتقيّر المكان والزمان، إنّها تقاومُ الاعْياء والهَواجس، وشيْءٌ من الاحْباط ، هيّ ابْنتُ كبيرالرُّعَاة، والرُّعاة خدمُوها بإخْلاص وخدَمتهُم بوَفاء، يُعذبها أنّها تركتهم في الرّخاءِ فتركوها في الشدّة، ومن حَقهم أن يترُكوا دِيارًا تخلى عَنْها أهلها، يُؤرقها أنَّها افتقدت اصْدقاءهَا وافتقدُوها، هُم في سُويدَاء قلبها، في أحْلامها.. في مَنامها..في قيّامها..في حَركاتها.. في سُكونها..تصرُخ، تنادي: أين أنتم يا أهلي وياعشيرتي؟ توزّعُ نظراتِها على المَكان، لاتصدِّق ماتراهُ، الحوْش صارَت جُدُرانهُ صمّاءَ لاتجيب، تجدِّدُ النداءَ المرّة تلو الأخْرى، تصرُخ: يا ليْتني متُّ قبل أنْ ارَى العُمران خرابًا، والحوْش مهْجُورًا..؟ يا ليتني ندمْتُ قبل أنْ أغيب، حَتّى وإنْ كان الندَمُ يسْخرُ من الندم، إنّي اتفجّعُ وحْدِي، أتوجّعُ، ارَى الاشبَاح تحاصرني..تتطايرُ في الهوَاء..تتقافزُ، الأوْجَاعُ تسْخَرُ من ألأوْجَاع، الجرَاحُ تنزفُ قطرانًا، احْتسِي حَفْنة من الغُبار، اتلْحَّسُ بقايا القدُور المُتراميّة حُطامًا، اعْصرُ فمَ القِرْبة وقد كانت بطعْم مَادَة القطرَان تطفئُ عطش الصيْف، ارَى حُطام الصُحُون مُبعثرًا، وفناجين القهْوة معفّرة بالتراب..اقلب اقداح الطين والحلفة ..هذه {شكوى} مزّقتعا الذئاب، وتلك أوتادٌ غمرْتها الرِّمال، وهذه صهاريج الماء مُهشمة قرْب الزّريبة، امْعِنُ النظرَ في الأشيَاء المُبعْثرة كلعْبة القطيع، أبحْلقُ في حُطام الأوَاني..هِيّ ذِي تدَنْدُ..تهْتفُ..تضعُ يديْها ورَاء ظهْرها مُتنهدة، تمْشي مُتثاقلة لتطوف بالحوْش طوَاف الوَدَاع، تبْتلعُ زَفراتِها، تسْأل بمرَارَة: يا إلهي.. لم تعُدْ هُناك اشجَارٌ ولا أزْهار ولا حَمَائم ترفرفُ، ولا كلابٌ تنبحُ ولا قطط تمُوءُ، ولاقطعان ولا حيونات تجُوبُ المرَاعي، ولا أبناء تفتخرُ بهم، كل شيْءٍ تحوّل إلى سَراب، إلى خرَاب، تغمرُها دهْشة بعْد دهْشة، ومن مَرابع الرُّعاة تخْطفُ اللآلام والآهَات والذكريَات، تتذكّر سُكان الحيِّ، تذكرُ من كان يُخاطبُها عبْر الحُجُب، ومن كان يجلسُ معَها ويرَاها وتراهُ، رحل الرُّعاةُ واحَسْرتاه..!، شحّت السّمَاءُ، جفّت الأرْض، اسْتكانت المزارعُ للخُمُول وللذبُول، تصحّرَت المرَاعي، غاب الرُّعَاةُ..واأسَفاه.! صارت الحياة هُنا غامِضة في القفار، الكلماتُ تبسُط أجْنحَتها، تسَابيح الغربان تتردّدُ، خيْرة النخلةُ االسّامقة تسْتبدُّ بها الصّعَاب والكرُوبُ، لم تعدْ تتحكّم في مَشاعِرها، تنهَمرُ الدُّمُوعُ من مُقلتيْها شَلالا، تقفُ مُنتصبَة مَبهُوتة مصْدُومَة، مُثقلة بالشعُور بالذَّنب، لا تعْرفُ طريق العوْدة ولا مِن أيْن ستبْدأ.. تشعُر بالضّيق الشديد، تعيشُث لحظات تُشبِهُ الهياج، كأنّها تجْترُّ حُطامَ عَذابِها، نهارُها يُصافحُ ريّاحَ المَساء، هبّت نسَائمُ الْحنين مع ذكريَات الرّوح، تنتظرُ الغمَام لتتبعْثر اشوْاقُها وفي رُوحِها إباءٌ، فهل تنْتصرُ على أوْهَامِها ؟ لا يَزال لديْها كبْريّاءُ وحُضُور بيْن العوَائل، تنتفضُ.. تعْتزمُ أنْ تبارحَ المَكان وقد اسْتشاظت غيْضا، لعل في المَدينة ابْناءَ الرُّعاة الميسُورِين يُسْعفُونها، لاتشك في ذلك، فلقد صارَلهُم حُضورٌ قويٌّ في الذاكرَة الاجْتمَاعية ومَال وفيرٌ، وبيُوتٌ كالقُصور ومُتكآت.
09- هيّ الظرُوف تسْرقُنا، تُغْرينا.. تجلدُنا.. تُذِلنا..أمّا الكلمَاتُ الدّافئة الصادقة فتأسَرُنا، لأنّ لها أبعادٌ حَقيقية ودلالات اكثر عُمْقا وجَمَالا، تقول: – وهي عَائِدَة من الشمال- تُحدّثُ نفسَها، هل نبْقى مُتفرِّجين نعيش البُكائيات وعلى فتاةِ الماضي نقْتاتُ، نُناجي الذكرَيات بعُيُون من حَنين، نتساءل ونتألمُ؟! أمْ نصمُد ونلتزمُ الصّمت؟ وفي الصّمْت فوائد، لكن لا بدّ أنْ نتجدّد مادُمْنا نحْمِل بذْرَة العَطاء، اذ الكلماتُ المُرْتعِشة سَتبقى تتردّدُ، تمتصُّها الآذانُ الصّاغية، تكتحِلُ بها العُيُون، تشرئِبُّ لها الأعْناقُ، في ملامِحنا حَقائبَ مُرحَّلة، الرّحْلة شَغَفٌ مَكلومٌ، في خيَالِنا اسْئلة حَالمَة، الأحْلامُ حُرُوفُها تتدفق من حُولناعطرًا، الايّامُ تحْنُو عل الغُربَاء كيْمَاء الفُقراء بالألق والنّضَارَة، هيَّ تلتقط الاسْرار والخفايا..فمن يُجيبها؟ الأحْلام البيْضاء مُجنّحة بالآمال، في مِخْيال خيْرةعلاماتُ اسْتفهام باذخة تتردّدُ باسْتغرَاب، بعضُها مُثيرٌ، الكثيرُ منها يُسافرُ باتجَاهِ القلوب الطيّبة والأحْداق.. تنْتشِي رُوحُها فخرًا..تنشدُ نهْضة وقودُها فعْل الخيْرات، وإدْخال المَسرّات، تُدْركُ بعُمق تفكْيرها ورجَاحة عقلها، ما يجبُ فعلهُ فيما تبقى من العُمر،.كلماتُها تتسَللُ إلى النُّفوس على مَهلٍ كضباب الخَريف، ترْتشفُ اطلال وحْدتها على مضَض، يتضرَّجُ وجْهُها النَّضر بحُمْرة الخجَل، نسَاءُ الرِّيف بطبْعِهن خجُولات..كيّسَات..صابرات، فمن وسَط العائِدات من الرّيف اللواتي خرجْن هذ المساء في اسْتقبالها، ينْبعثُ صوْتٌ سجيُّ مسْمُوعٌ يُطالبْنها بإلبقاء معهُنّ عزيزة مُبجّلة، يعْترفن لها بالْجَميل، المدينة تريّفت بفعْل النزُوح وصارت امتدادًا لثقافة البدْو، هيّ تعتزمُ مُساعد الارَامل وترقيتهن بانْجاز مشارع دِينية تربويّة اجْتماعيّه، مسْجدًا ومَقرأة وحمامًا، تسْتجيبُ لرغْبتهن في العيْش الكريم، لتَتخلصَ من لحَظات الضّعْف والانْكسار{اذا هبّت ريّاحُك فاغتنمْها** فإنّ لكلِّ خافِقة سُكُون} رحلت من بيْتها في الرّيف ذات شتاء بدُون اسْتئذان، تناسَت الحياة في البادية، لازمَها اليَأس، رغم المرَارة كانت اسْعدَ الناس، تتحدّثُ عن الرّحيل والوداع، تقول أنّها صبرت، وأنّها تجاوَزت أخطاءَها، تذكّرت حَسناتها،عشقت الصّمْت والجرَاح، كبُرت حيْرتُها، اقتنعت بأنّ الحياة فرْصة لتعْميق الحُبّ، هيّ تجتهدُ لتعيدَ لِنفسها حياة العِزّة والكرَامَة في ابْهى صوّرها، فالذِي يفقدُ عرْشه كأنّه فقدَ ملكه، لكن لا مَناص للعُظماء والفضليات – بخاصة – من الاذْعان لواقع مكدُودٍ فرَض نفسه، باعت الأرَاضي للرُّعاة ألأثريّاء، من أجْل أنْ يخرج مشرُوعها المُضِيء في ابْهَى حلله، ما اسْعدَ مَن يتدارك الفُرص الثمينة..! اذْ الاعْتِذارُ للحَياة ليْس إحْباطًا، بل هو احْترامٌ للذات، وأسْلوبٌ راقي يُحرّْرنا من الأنانيّة، يجْعَلنا نكسبُ الآخرين..نتخلصُ من التأسُف والتشكي إذ { الشكوى لغير الله مذلة} تسْتعِيد الهدُوءَ الذي افْتقدته في ضَجيج الأحْداث، تمْضي تدير شأنها بوعْي واقتدار، يتمَاوجُ حَنينُها، يشتدّ اثر الشوْق لديْها، فجْر المدينة لايخْتلف عن فجْر الرِّيف إلا فِي صيّاح الديك، في المدينة النساء الارَامل كائناتٌ يعْتكفْن على بُؤسِهن كالبُوذيّات، يقصُدْن الحَمّام للتبرك والتجارة، يتردّدُ اسْمُ خيرة وقد ذاع صيتها، حمّامُ الحاجة خيْرة بنت الراعي، مَنارة الحُبِّ المُعَطر والسّعاة الغامِرة، وصدق الوَفاء، كاللبوءة تجْلس في بهْو الحمّام توزِّع ابْتسَامَاتها، تُتابع دُخول النسْوة وخُروجهن بشَغف، ومن حَولها مُتكآت، تحْتسِي فنجان القهوة، وفي السنيّة فواكه وأكواب العَصير وأصْناف الحلوى، تُعانق الكلمات، ولحديث النّساء المتسوِّقات شهواتٌ أخْرى، خيرة ترمُقهُن بنظراتٍ عَفويّة وفي داخِلها أسْئلة تُغازل اوْرَاق العُمر، تلتفتُ إلى الماضي، تُريدُ قبْر أحْزَانها، باسْتعادة أبنائها، فهل ترْتدِي الطريق من جَديد…؟ لم يَعدْ في مُتناولها فعْل شيْء إلا الدُّمُوع حِبْرًا تكتبُ به أوجَاعَها..وما عسَاها تفعل غير التأسُّف والبُكاء…!!.
10- وإذَا كانَتِ الْمَرْأَةُ كَائِنًا بَشَرِيًا، فإنّ أوْضَاعَ النِّسَاء الارَامِل صَارَتْ تَخْتلفُ، واسْرَارُهنّ بَاتَتْ عَصِيّة عَلَى الفَهْم، فبَعْضُهُنّ تحوّل إلى كائِن عدَمِي، ومَأسَاةٍ منْسِيّة تدُوسُهَا النِّعَال، فهنّ يَعشْنَ غُرْبة قاسِيّة وفؤَادًا ولُوعًا، يَتسَاءَلنَ بمرَارَةٍ وفِي كل مُناسَبةٍ وحِين..هل هُنّ مُذْنبَات؟ من افْتَى بإحَالتِهنّ عَلى البُؤْسِ والإحْبَاط، لمَاذا تُحْرَمُ الارَامِلُ من الحَيَاة الزوْجيّة الكريمَة؟ مَاذنْبُهُنّ؟ اليْسَتْ الارْمَلةُ كائِنٌ اجْتمَاعِيٌّ واعِي؟ نِساءٌ عَفيفاتٌ قادِمَات من القُرَى الميّتة واطرَاف المَدِينَةِ ، مُعرَّضَاتُ للعُنْف والاضْطهَادِ، والارْمَلة بَرِيئَة مَكسُورَة الخَاطِر،لاَعَيْبَ فِيهَا سِوَى أنّهَا تُحِبُّ الْحَيَاة، وتَبْكِي حَظّهَا النّكِد، فبِصَبْرهِنَّ ومُكابَدَتِهنّ، بَدَأْنَ يُعِدْنَ لأنْفسِهنّ الحْياة بِتَؤُدّة، غيْمَاتٌ حَالِمَاتٌ يَتبَاهَيْن بجَمَالِهِنّ وَسَط نِسَاءِ المَدينة، اكتَسبْن دُرْبة ووعْيًا، وبطبْعِ نِسَاءِ البادِيّة خجُولات ثرْثارَات، يَعْرفْن مَطالبَ الحَيَاة ويَتحفّظن! يُخْفِين مُايُعَانِين من ألمٍ وبُؤْس، يَتردّدْنَ على سُوقِ حمّام خيْرَة بنْتِ الرّاعي، للتسَوُّقِ وجَلب ألانْتبَاه، يعْمَلنَ عَلى حِمَايَة أنْفسِهنّ مِنَ الانْطِفَاء، صَارلهُنّ افُقٌ مُضِيءٌ مٌعَطرٌ بالحِكايَات، لكنّ أحْلامَهُنّ بَاتَت ترْتدِي ثوْبَ الإثارَة، لاحَت على وجُوهِهن العابِسَة المَكدُودَة مَسْحَة مِن الضَيَاع، اكْتِئَابًا.. تَوَتُّرًا.. هَوَاجِسَ، بدَت سوَاعِدُهُنّ النّحِيفَات تَشِي بِخيْبَة واضِحَةٍ، ترَهّلت الأمْنيّاتُ، تبَعْثرَت الاحْزانُ بدَاخِلهنّ، سَكنَت شِغَافَ القلوب، تلاشَت النّشوَةُ، تبدّدَ الحُلمُ.. ربّاه.. اصبَحَت الحيَاة كقهوَة مُرّة المَذاقِ بطعْم العَلقم، تَحوّلَ الانْتظارُالطويلُ مَعَ الايّام إلَى أرَقٍ يَقُضّ المضَاجعَ،والانْتِظَارُ مُؤْلِمٌ لَكِنَّ الْحَيَاةَ انْتِظَارٌمُؤَجَّلٌ كمَا يُقال، مُبادَرَاتُ خيْرَة، بَصيصُ أمَل يَلوحُ في الأفق، وهَل لايُوجَدُ فِي المَدِينَةِ إلا خَيْرة؟! أجَل..هيّ امْرَأةٌ اسْتِثنَائِيّة صنَعَت الابْتِسَامَة، ترَكت عَبَقهَا يجُوبُ الدُّرُوبَ والتِلال، يَنْتشرُ عَبيرُها في شوَارع المَدِينة، يبْعَثُ فِي النُفُوس سَعَادَة غَامِرَة، وبهْجَة إنْسَانيّه رَفيعَة، ذَاتَ لِقَاء دَعتْهُنّ إلى التفكِير بِجديّة في مُسْتقْبَلهِنّ “..ومَا حَك جِلدُك مِثل ظفْرك.” طلبَت إليْهنّ أنْ يَقترحْن الحُلول، بدَلا مِن النبْش في الترَاب، جَمِيلٌ أنْ يَكونَ للمَرْأةِ وجُودٌ ومَعْنى، تُقطبُ جَبِينَها وهيّ تتحَدِّث اليْهنّ: انْتنّ كعَصافِير الصّباح، كل وَاحِدةٍ منْكنّ تنْفُضُ عَن ريشهَا الندَى، لتَتبَاهَى بهنْدامِها، وتُلفِتُ إليْها ألانْتبَاه، هَذا حقٌ مشرُوعٌ ليْسَ تَبرُجًا، فلنُفَكِّرونَعْمَل بِهدُوءٍ، اعَدّت لهُنّ في بَهْو الحَمّام مُتكآتٍ وظِلالٍ، أفرِشَةٍ وكرَاسي، ودَعَتْهُنّ إلى اسْتراحَة تُتيحُ لهُنّ الاهْتمَامَ بأنْفسِهِنّ، ولا عَيْب فِي ذلك وَلاغَرَابَة، أنْ تُحِبّ كل امْرَأة الْحَياة، اوْعَزَت إلى الرِّجَال، دَعْتهُم إلى الاسْتفادَة من المَشرُوع، فالعَلاقةُ الزوْجيّة تكامُليّة، يهْتزُّ قلبُ الارْضِ من فرْحَتِهنّ، تنبْسط ُوجُوهُهُن، تقول لهُنّ: ضَاعَت مِنكنّ بعْضُ المَكاسِب، لكنّ الحَظ لايُغادرُكُن، فمَاذا تَقْترحْن؟ يَحْتَرِقْنَ شَوْقًا ولاَ يَجِدْنَ جَوَاباً تَقُول:السّعْديّة:هل يَتسِعُ صدْرُكِ لصَرَاحَتِنَا ولأحَادِيثِنَا المُمِلّةِ؟ أجَل..الصَّرَاحَةُ رَاحَة..انْتنّ بهَوْدَجِ القلب مَكانَتُكنّ عَاليّة، بحُضُوركن تشْمَلنِي السّكينة، تقول مَسْعُودَة: نَقترحُ عليْك اقامَة عُرْسٍ جَمَاعِي لتزْويج الارَامِل والمُطلقات، فمارَأيُك؟ نِعْم الرّأي هَذا..ضحِكت خَضْرَة بنْت ألإمَام ضحْكة اعْجَابٍ، وتقول: خَيْرُ البِرِّ عَاجلُهُ، الحَياةُ لا تنْتهِي بالطلاقِ ولا بالموْتِ، فلا تسْتسْلمْنَ لليَأس والإحْبَاط والبعْدِ عَن الأمَل، هيّا نُبَادِر.. لتكُن خيْرَة بِنْت الرّاعي أمِيرَة ُالعَرَائِس أنْمُوذجًا وقدْوَة، والمَثل الأعْلى دائمًا يُحْتذَى،اليْسَ كَذلِك؟ لمْلمَت اشْلاءَ الفرْحَة، ارْتفعَ صوْتُها بالضّحك مُجَلجَلا، تعَالت الزَّغَارِيدُ، افرَجَت خَضْرَة عَن ضحْكة انْتِصَار وتبَاهِي، قالت:خيْرَة يُنبُوعَ عَطاءٍ مُتدفّق، ونهْرُ اخْلاصِ ووَفاءِ، بادِري وبالتوفيق، لكِ السّعادَة الدّائِمَة، تضْحَك خيْرَة بنعُومَة لذِيذةٍ، وعَيْناهَا بحَاجَةٍ إلى دُمُوعِ الفرْحَة.
11- تنَاهَى الخبرُ اسْمَاعَ النّسْوَة، فاقْبلنَ كأسْرَاب الطيُور الظمْأى يتهَامسْن..يَتلطفْن، تضرّجَت وجُوهُهُنّ بحُمْرَة الخَجل، يَسْألنَ بحيْرَةٍ وترَقُّبٍ أيْنَ الرّجال؟ تَقُول خَضْرَة: صبْرًا ياجَمِيلات، الرِّجَال الارَامِل كالنّسَاءِ المُرمَّلات “..من جدّ وجدَ ومَن زرَع حَصَد..” تقول زيْنب: في اسْواقِها تُبَاعُ الأشْيَاء، كلمَاتٌ امْتصْتْها الآذانُ الصّاغيّة، هِيّ ذِي نَصِرَة فتاةٌ سَمْرَاءُ مُتوتِّرةٌ حَدّ الانْفعَال، تلهُو بأحْلامِهَا، والدّهْشةُ لاتَزالُ تسْكنُهَا، ترْمُقهَا عَمْرَة بنظرَةٍ عَفويّةٍ تُمزِّقُ صَمْتهَا، تَشيحُ بوجْهِهَا النّضِر،تقول: ليْسَت لهَا أمُّ ..هِيَّ خَائفةٌ ترْتَجفُ.. تَتوَسَدُّ أحْزَانَهَا..تسْأل مَنْ يَنْتشلُها من هَذِه الغيْبُوبة؟ تنْخَرطُ فِي نَوْبَة بُكَاء، أخذَتْ خيْرَة نَفَسًا عَمِيقًا، من خِلاَلَها حَاوَلَت أنْ تُهَدِّئ رَوْعَها، تُجيبُها بحَنانٍ كلنا أمُّك، غدًا سَتكُونِينَ أمٌّا ولكِ عيّالٌ، تَتنَهدُ بزَفرَةٍ تفُوقُ حَجْمَ مُعَاناتِهَا، تسِيلُ الدُّمُوعُ قوَافل مُتناثِرَةٍ، تغْمُرُخديْهَا المُتوَرّدتيْن، تسْتأنفُ شهَقاتِها، بصعُوبَة تَتصَالحُ شَفتاهَا مَعَ الكلمَاتٍ المُتقطعَة، تسْتنْفرُ طاقتَها بشَهَقاتٍ إضَافيّة، تنْفَتِحُ لديْها نوَافذَ الشّوْقِ والحَنين، تُطمِرُ أحْزَانَها فِي رَمَادِ الذِكرَيَات، تمْضِي إِلى وجَعٍ آخَر، لكنّهَا تكتفِي بالتألُّم، تقُول وبصَوْتٍ مُنْخَفِض: إنّها ليْسَت أنْثى فحَسْب ولكنّها كِيانٌ ضائعٌ تعَرّضَ للتخْريب والنّهْب، هِيّ مصْدُومَةٌ بزوَاجِ فاشل، زوَاجُ الشّتْم والضّرْبِ بالنّعَال {قَوالِبَ 44} تسْأل: فَقط لتطمَئنّ، وتَطمَئِنُّ لتحْمِي نَفْسَها من بَعْضِ الوحُوش الضّاريّة، فمَنْ سيُرَافِقُها ويَحْمِيهَا؟ تسْتَجمَعُ خيْرَة قوَاهَا، تمْشِي علَى مَهْل، وجْهُها الصَّبُوح يَشِعُّ بِشرًا ونُورًا، يَغمُرُ شِعَابُ جَسَدِهَا توَهُجٌ وسِمْنةٌ، تقُول:لاوَقتَ للتشَاؤُم فليَطمَئِن الَجَمِيعُ، تهْتِفُ إلى الجمْعِيّة تشيدُ بدوْرالمُتعَاونَات البَاحِثات عَن أزْوَاج، تُزيحُ عَنهُنّ شبَحَ الخوْفِ وعَدَم التفكِير فيمَا مَضى، لقد تشكّلت جَمْعيّة {الخير} شِعَارُهَا فِي ظلِّ المَوَدّةِ والرّحْمَة، شرَعَت في احْصَاءِ النّسَاء وبدُون اكرَاهٍ، ورَصْد الرِّجال الرّاغِبين في الزّوَاج، كانَ مِن نَصيبِ خيْرَة الحَاج {لعْبَيْدي} اخْتارَتهُ بعْلاً لهَا، تعْرفُهُ في ريفِ {البِيرين} ويعْرفُها، ذاتَ يوْم سَمِعَتهُ يَترنّمُ “.. وزَوّجْنِي يَازَوّاجْ* بِخَيْرَةَ بِنْت الرّاعِي” فوَاعَدَتْهُ.. اقبَل أهْل الخيْر الدّاعِمِين للمَشرُوع، وهُم اكسِيرُ ألحَيَاة، ودَفقُ المَحبّة المُتوَهّج،ينْتَصَبُ الرِّجَال بِهَامَاتٍ شَامِخَات، تشْرَئبُّ أعْنَاقُ النِّسْوَة، يحَدَثُ التعَارفُ ويبَدأ التآلفُ، يدْلَفُ الْجَمِيعُ أحْضَانَ الشّوْق، عُرْسٌ جَمَاعِي بهيٌّ في قاعَة الحَفلات، على وَقع الزُّرْنة والبارُود والزّغاريد، الأفرَاحُ عَارمَة تمْلأ الجوَانحَ، الأحْلامُ تكبُرُ، الشّوارعُ تعجُّ بالمُهَنِئين، الأسُرُ مُبْتهَجَة، وفِي الْمُبَادَرَات فتْحٌ مُبِينٌ، الهدَايا تَتسَاقطُ، الوجُوهُ تعْلوهَا المسَاحِيق والأصْبَاغُ التجْميليّة، ومُرَطبَات الشِّفَاه، الانْفاسُ تُعَانقُ نَهْنهَات الشَّوْق، العَرَائِسُ أوقدْنَ هَذَا المَسَاء شُمُوعَ الفرْحَةِ بعَفويّة لامَثيل لهَا، خَضّبْنَ الايَادِي بالحنّة، وعَلى السّوَاعِد والسِّيقانِ رَسَمْناخرَائِط الطريق بلوْنٍ بُنيٍّ، ضَحِكْنَ بِجَلْجَلة مُبْتهِجِينَ، هُنّ جَميعًا يرْفلْنَ بالدِيبَاج والتِيجَان وجَمِيلُ المُجوْهَرَات، تترَامَى إليْهِن ضحَكاتٌ هامِسَة مُهنّئةٌ.
12- وفي مَوَاكبِ الفرْحَةِ الحَاشِدة، تتوَجّهُ العَرَائِسُ إلى بيُوتِهِنّ مُبْتهجَات، تسْتعْرضُ خيْرَة بنْت الرّاعِي بلقيس هذا الزّمان، جَسَدها الرّشيق، ترْمُقُ العَرَائِسَ بنظرْةٍ فيهَاعَطفٌ وفيهَا حَنانٌ وشَفَقة ودُمُوع، تُوزّعُ عليْهُنّ باقاتُ الزُّهُوروقُنَيِنَاتِ العِطْر، تُمْطِرُهُنّ بِابْتِسَامَاتٍ رَقْرَاقَةٍ، وبصَوْتٍ جهُورتقول: يَالهَا من مَكاسِبَ لاتقدّرُ بِثمَنٍ! فجْأةً اقبَل مَوْكبُ العَريس، الحَاج لعْبيْدي مُتبخْترًا”. مُكَسْتَمًا.” قاصدًا بيْتَ عرُوسَتِه، على عَرَبَة تتقدمُهَا الجيّادُ، كانَت خيْرَة في اسْتقبَالهِ مُتسَرْبلَة فِي أبْهَى حُللها، تَخْتَالُ في فُسْتانِهَا الابْيَض الفضْفاض، وببَرَاءَة الحَرَائر تقُولُ: اهْلا بِك ياأنْتَ في بَيْتِك، الشوْقُ يَتألقُ في عَيْنيْها الودِيعَتيْن كالبَريق، ونبْعُ الوَفَاءِ شَلالٌ يتدَفّقُ، خرَجَتْ الصُّبحَ تَتَهَادَى، ترْفُل فِي أبْهَى حُللها، تُهَسْهِسُ في جَمَال مَلابِسَها، تقِفُ مُنْتَصِبَة فى بَهْو الحَمّام المَفرُوشَة أرْضُهُ، تسْتقبلُ نسَاءَ المَدينة المُهنِئَات، بابْتسَامة دَافِئة مُرْتعَشة، حَازَتْ على اكبَر قدْرٍ مِن الاحْترَام والتبْجيل، كَانَ الحَدِيثُ مَعَها شَائقا مُمْتعًا، سَرَقت الأضْواءَ بجَمَالِها..بقامَتِها السّامِقَة..بِعَذْبِ صوْتِها النّدِي الرخم.. هِيّ ذِي تُحلقُ في سَمَوَاتِ الوَفاء والحَنَان، تتهَاطلُ عليْها الاسْئلة المُثيرَة والمُرْبِكة أحْيَانًا، تَغَارُ نِسَاءُ المَدِينَة، تتصَدَى لهنّ بهُدُوء واقنَاعٍ،هَذِه احْدَى المُهنّئات، مِن ذوَاتِ الْمَزَاج السَيِّئ تريدُ اسْتفزازَهَا، ترْمِيهَا بِصَلفٍ وَعَنْجَهِيّة بِوَابِلٍ من الكلمات الفجّةِ فتقول:ايُعْقل أنّكِ وفِي هَذا السِنّ تتزوّجِين؟! تُجيبُها مُبْتسِمَة: أنَا كبِيرَةٌ..لكنّي لسْتُ عجُوزًا بَعْدُ كمَا تتوَهَمِين، اخترْتُ غيْمَة من تِلك الغُيُوم الحَابِلة، لتمْطرَ بيْتِي حُبًا وجَمَالا..موَدّة ورحْمَة، وتُغُرقُها لهْفة وحَناناً..رُوَيْدَك يَا أنْتِ..المَرْأة لايُمْكنُها أنْ تبْقى كالأثاث المُرْمَى في زاويَة مهْجُورَةٍ مِن البيْت، مُومِيّات مُحَنّطات مَحْفُوظة عَلى الرُّفُوف للفُرْجَة، تعِيشُ الغُرْبَة وَحِيدَة في مَنْزلٍ صَامِتٍ، تجْلسُ خلفَ الجدَار، تُصْغِي للأصْوات النّكرَات، وصَخَب الشّارع، تبْكي حَظّها، لا احَدَ يُصْغِي لأنِينِهَا وزَفرَاتِها، في كل مُناسَبة تُحَاولُ أنْ تبْكي بخْتها بُكاء مُرًا وتَنْتغِمُ، تُداوي احْزَانَها بدُمُوع تلجِمُها “.والشكوَى لغيْر الله مَذلة.” خيرٌ لهًا أن تكنُس اليَأس بمَكنسَةِ الأمَل وتُبادِرُ، وأنْ لا تَكُونَ ظِئْرًا للآخَرين، تخْنقُ أنفسَاها فِي ظلمَة الْمَكان، تعِيشُ في عُمْق الأوْهَام، أتسْمعِين يَاهذِه..إنّي فضّلتُ أنْ يُكون لي رَجُل اسْتأنِسُ به، احْمِيه ويحْمِيني من عَادِيَات الزَّمَان، قبلتُهُ كانْسَان مُكتمَل الوَعْي، اعتبرْتُ أنّ رحْلة الانْجَاز ليْسَت هِيّ فرْحَةُ الزَّواج، طعْمُ الحيَاة لايتمُّ إلا فِي خَمَائل الافرَاح نتفيّأ ظلالَهَا.
13- تقول امْرَأة مُتصَابِيّة: اغْمِطك على نجَاحِك في الحَيَاة، تسْترْسلُ في الضّحِك مُقهْقهة، زَوَاجُك حُلمٌ دَاخِل حُلم، تتقدّمُ منْها فتاةٌ شغْرَاءَ تقول: ما الْغَرابَة في زوَاج الكبَار؟! تقتربُ مِن خيْرَة، تقبِّل جَبينَها المُضِيئ، تهَنِّئُها..تهديها بَاقة زُهور، تضْحَكُ خيْرَة مِلءَ حُنْجرَتِها تقول: هذهِ الزّهُور لاتتنوَّر إلا فِي بيْتٍ مَفرُوشٍ؛ تلتفِتُ وإذَا بِنسَاءِ المَدِينَة يتهَامَسْن، لا يكفُفْن عن تحْريك عُيُونِهنّ والعَبَث بألسِنتهن، ابْتسَامَاتُهنّ حَاقدِةٌ، حُرُوفُها تتلوَى عَلى الشِّفاه، تُحدّجُهُنّ خَيْرَة بنظْرَةٍ غَريبَة، تشْعُر بوَخْزَةٍ صَارِمَة، ترْفعُ بَصَرَها إلى قلب الأشيَاء، تلتقِي عَينَاها بعيْنيْ تِلك المَرأة ألشمْطاء.. تتجَاهلُها..تَترفّعُ عَنْها مُسْتنْكِفَة.. تهْمِسُ إليْها خَادمتُها:”..كل ذِي نعْمَة محْسُود..” تهزُّ رأسَها مُبْتسِمَة غيْر مُباليّة بهَذِهِ الكَائِنات الطفليّة التِي لاتُشبِهُ إلا الضيَاعَ، وبمَا يتسَلل إلى نفُوسِهنّ المَرِيضَة من غِيرَةٍ وأحْقادٍ، بنبْرَةٍ تنِمُّ على الاحْترَام تقول: النّساءُ يَمْلكنَ الكثير من وقتِ الفرَاغ، لكِن ليْسَ بإمْكانِهنّ احْصَاء الاوْقات الضّائعَة أوالتِي ولّت، شبَقُ الذِكْريَاتِ افلتَ مِن بيْن ايْدِيهنّ في غَفْلة، تبْحْثُ تِلك المَرْأة المُتصابيّة عن مَخْرَج لها فلا تهْتدِي، تكتفِي بالقوْل:” إياك اعْني واسْمَعِي يَاجَارَة..” ثمّ تسْأل:أسْئلة أصَابَهَا تَعَبُ البَحْثُ، هَل أنْتِ ياخيْرَة مُتعلمة..؟! وتُطبقُ شَفتاها دُونَ أنْ تُكمِل مَاتُخْفِيهِ، تترنّحُ في مَكانِها..تَنْتفض.. تَتسِعُ عيْناهَا في ذهُولٍ، تنْكمَشُ رَفِيقتُها وتتملْملُ عَلى الكرْسيِّ، تدُسُّ رَأسَها بيْن فَخِذَيْها خَجَلاً،وَتَنْهَارُ تَأمّلاتُها، تُبادلهن خيْرة نظرات ثقيلة مُعَتّمَة كَالِحَة، تُجيبُهُن مُشْفِقة: أنا لسْتُ مُتعلّمة، أنَا وَاعيّة..اسْتدَعيْتُ الحَيَاة من البَادِيّة، كنْتُ لاأجيدُ حَتّى ذِكرالاسْمَاء مِثلكُنَ، ولا أفقهُ شيْئًا من ألحيَاةِ، الحْمدُ لله، دَخَلتُ فُصُول مَحْو الأميّة..تَعلمْتُ ماتيسّرَ مِنَ القرْآن..حمَلتُ تجَاربَ ناضِجَة، جادَتْ بها عليّ نسْوَةُ الرّيف وحَرَائرَ البدْو، كنتُ أكثرَ وَعْيٍ من نِسَاء المَدِينة المُشْتغلاتِ بعُيُوبِ غيْرهِنّ، وهل يَعْرفْن غيْرَ ذلك؟ أنا أكثرُمنكنّ حِكمَة و قُدْرَة عَلى الصُّمُودِ وتحَمُّل المسْؤُوليّة، بعْضُكُنّ سلبيَّاتٌ مُتفرجَاتٌ ، اكثركُنّ مُخَادِعَاتٌ تافِهَاتّ”.وفِي مُسْتَنقعِ الاكَاذِيبِ لاتسْبَحُ سِوَى الاسْمَاكُ الْمَيِّتة..” قضيْنَ زهْرَة حَياتِهن مُتسَكِّعَات، يُغْمَطن على الغَبَاوَةِ والتبلُّدِ، في مَجَالسِهنّ ضَحِكٌ وتهْريجٌ، قمزٌ وَلمْزٌ، حَدِيثهُنّ مُنحَطٌ لا يُفيدُ، وتسْتوِي واقفة وقد اسْتشَظت غيْضًا، ترْمُقهُنّ بسِهَام التحْقِير، يَنتفضُ قلبُها وتَتأسّفُ.. يَلتزمْنَ الصّمْتَ بعْضَ الوَقْت، يَلكْن الهَزَائمَ، يَكتفِين بابْتلاع الكلمَاتِ الجافّة، وقد اسْتنْزَفْنَ مَايجِبُ أنْ يُقال، ينظرْنَ إلى خيْرَة في ذُهُولٍ وخَجَلٍ، ندِم البعْضُ واعْتذرَالبعْضُ الآخَر، خيْرَة مُتسَامِحَة، تقول: لقاؤُنا كانَ مِنْ اجْل تقدِيم التهَاني، للأسَف تَحوَّل إلى مُنَاوَشَاتٍ غَيْرُ مُريحَة، تبْتَسِم في وُجُوهِهنّ ابتسَامَة بَاهِتة، يَتكتمْنَ ضَحَكاتٍ بَلهَاء، تُجَرْجِرُهُن إلى مُربَّع التسَوُّقِ والطرَائِف والأعْرَاس، لتَتغلّبَ عَلى غِيرَتِهنّ، بلطفٍ تدعُوهُنّ إلى مَائدَة الإفْطار وتُكْرمُهُنّ، كانَ حَديثُها شَائِقًا غَاطِسًا فِي الْمَسَرَّات، جَعَلت احْداهُن تقول: مَا الطفَ القِصَص التِي ترْويهَا عَمّتي خيْرَة، ومَا اسْعَدَنا ونحْنُ نُصْغِي إلى حَدِيثها الشّائِق، حَدِيثًا يُلامِسُ نبْض القلوب، فنَشوَةُ العِطر الجَذّاب، وصَخَبُ الأفرَاح كألقِ الامْوَاجِ يسْقي الأرْوَاح، فإنْ سَرَق البُعْدُ مِنَّا اعْمَارَنا، فسَنْلتقِي ولو بَعْدَ طُولِ انْتظار، حَان اوَانُ الرّحِيل.. وعَلى الاجْسَادِ صَمْتٌ وحُلمٌ طافِحٌ، اخَذَ الكلُّ يرْكضُ إلى مُسْتقرٍّ لهُ..إلا امْرَأة كالغَيْمَة المَنسيّة تعُودُ أدْرَاجَها، تسْتُرُ جَسَدَها بغُلالةٍ رَقِيقة تحْتَ المِعْطفِ،تَخْتَالُ فِي اسْمَالِهَا، أطرافُها ترْتَعِشُ، تقُول:ضَبابُ بيْتِها لمْ يرْحَل بعْدُ، تسْألُها خيْرة: ما خَطبُك يَاأنْتِ..؟ تلتزمُ الصّمْت هُنيْهَات..تنْخَرطُ في بُكاءٍ مَرير،ٍ ترْفعُ صَوْتَها: إنَها وَحِيدَةٌ في بيْتهَا..تحْمِلُ حَطبَ الْحَياة، تفْترشُ ضِفَافَ المَوَاجِع، تَصْرُخُ: يَا ابْنَت الرّاعِي انْتشِلينِي من غَيْبُوبَتي، مِن اشْوَاكِ دَرْبِي..رَجَاء.. انَا امْرأةٌ بَريئَة، لسْتُ مُتزوّجَة، تَتمَلمَلُ..تَنْتفضُ..تلتفِتُ.. وفي تِلك اللحْظة المبَاغِتَة، وبلهْجَةٍ سَاخِرَة تسْأل: هل تعْلمِينَ ياخيْرَة أنّ ابَاك كانَ رَاعِيَّا عِنْدَنا؟ هَذا زَمَانُك..! تَطَاوَلِي إنْ شِئْتِ..وافْعَلِي مَاشِئْتِ..تُخْفِي خيْرَة ابْتسَامَتِهَا وبِمَضَاضَة تقُول:مَا الغَرَابَة فِي ذلك؟! أذْكُرُ هَذا وَلاَ أنْكُرُ، اعْتَزُّبِتلكَ الأيّام الْجَمِيلة، فمَا اكثرَنِي حَنِينًا إلى تِلك المَرَابع ؟! إلى البَيَادِر مُمْتلئِة بِأكدَاسِ الحَصِيدِ،إلى تِلك المَرَاعِي الجَمِيلة والقُطعَان الهَائِمَة، ترْشُفُ الفتَاة دُمُوعَها، تَخْفَضُ رَأسَهَا، تَضْغَط عَلَى مَخَارِجِ الْفَاظِهَا وَتَقُول:مُنْذ أنْ امْتطيْت وَحْشَة المَكَان، انْتُزِعَت مَريايَا، ذابَتْ أطيَافي، ضَاعَ المَجْدُ التليد، تشتّتَ العيّالُ..ياحَسْرَتَاه! ولاَ غَيْمَة فِي الأفُقِ، تُجيبُها خَيْرَة مُتفائِلة وهيّ تُرَبِّتُ عَلى كتفيْهَا: مَهْلا سيِّدِتي..أنْتِ وَاحِدَةٌ مِنَ العِيّالِ..لاتحْزَنِي..سَيرْحَلُ الضَبَابُ غدًا، ويَأتِي الرّبيعُ في حُلَلِهِ البَهيّة..!.تُلملمُ اشْلاءَ الفرْحَةِ، تُسْدِلُ عَلى وَجْهِهَا خِمَارَالعِفّةِ، تؤنّبُ نَفسَها وقد نَكَفَتْ دَمْعَهَا، تفزَعُ لتَقُول: افْتَحِي ياخيْرَة بَابَ الأمَانِي، فالقُلوبُ انْتَشَتْ عَبِيرًا، ألآنَ أذْهَبُ.. وسَأتِيكِ غَدًا..والصّبْحُ مَوْعِدُنَا..!!”..أليْسَ الصُّبْحُ بِقرِيب..” أجل..إنّ غدًا لنَاظِرِهِ قَرِيبٌ…
14- تَعَالَتْ النِّدَاءَاتُ، وكثرَت التسَاؤُلات، وَلَمْ تَتَوَقّف الْهَوَاتِفُ، يشْتَدّ الهَرَجُ وَالمَرَجُ، وكلُّ الاحْتمَالاتِ كانَت وَاردَة، خيْرَة بِنْت الرّاعِي، تريدُ من جَمِيع الاصْوَاتِ أنْ تتعَانقَ، ومن الرِّيح الصّرْص أنْ تهْدأ لتذُوبَ الذكْرَيَات في رَغْوَة الفرَاغ، وتريدُ من الصّمْت المُحَمّل بالأسْئلة أنْ ينْفجرَ، ترمُقك بنظرَة اسْتِعْطافٍ عفْويّة، ولمْ تلبَثْ أنْ تمتلئ عُيُونُها بالدّمُوع، تقرَأ في وجْهِهَا مَاتُعَانِيه، رَغْم أنّها نظيفة الثيّاب، حَسَنة الهنْدَام، مُتوَرِّدَة الخَدّيْن، إنْ تطلعْتَ إلى وَجْهها الآسِر، وتمعّنت فيه، لمحْت مسْحَة من الحُزن تكسُو مَلامِحَها، وفي صَوْتِها الهادِئ الخجُول ارْتِعَاشَة، وفِي حَدِيثهَا الْحَافل بالذكرَيَات والْمَعَانِي ارْتَبَاك، تهْمِسُ إليْك وكأنّها تترَجّاك أنْ تفْعَل شيْئا، رأيْتُ عيْنيْها تُغْروْرِقان، وقدْ شَاخَتْ الدُّمُوعُ وَنَأتْ، ترْفعُ مِنْديلهَا، تُجففُ سْيلا احْتَشَدَ عَلى خديْها، ترْشُفُ أحْزانها في صمْتٍ، تُحَاول التغلب على كل مَاتُعَانِيه، تسْتمرّ ألمُعَاناة، مُضْطربَة مُتعثرَة كئِيبَة، جَفّتِ الكلمَاتُ وَضَاعَ عَبِيرُها، أخَذَت تَتزحْلقُ فوْق شفتيْها ومِن نَظرَاتِ عَيْنيْها، تتسَاءل بمَرارَة، ويَتَرَدّدُ السُّؤَالُ فِي خَلجَاتِ صَدْرِهَا، ويَبْقَى الْوَجَعُ دَفِينًا: ايْنَ اخْتفَى زوْجُها؟ هَلْ أصَابَهُ مَكرُوهٌ؟ اوْغَرَت تِلك الكلمَاتُ صدْرَها، حَتّى صَارحَدِيثُها بَاهِتا ثقيلا، يَخْتفى زوْجُها ولا تعْلم ! ياإلهي. أيْنَ ذهب؟ هذا أمْرٌ يُؤلمُها كثيرًا، ويُثيي من عزيمَتها، ظلت تَنْتظرُ عوْدَته وهل تَكْتَفِي بِالانْتِظَار؟ تُرَاقِبُ اطْلاَلتَهُ بعَيْنين أسِيرَتيْن، على دَقّات قلبها المُنكِسرارْتِعَاشَة، وفِي خَجَلِ الْمَسَافَاتِ تمْتَطِي وحْشة غُرْبَتهَا، تفتحُ سَمْعَها على مَايترَدّدُ، تقول مُتألمَة{ فلمْ ارَ كالأقدَار كيْف تُصِيبُني** ولا مِثل هَذا الدَّهْر كيْف رَمَانِي} الانْتظارُ موْقفٌ إنْسَاني لكنه أحْيانا مُؤلم، هُوَحَالةٌ من التوَتُر والهَذيَان، الغيَّابُ زاد في غلقِها واسْتيائها، وكل الاحْتمَالات تبْقَى واردَة، هل خَطفُوه؟ أمْ قتلوه؟ احْتمال الهَرب غيْرُ واردٍ، يَصْفرُّ وجْهُها، تجْحظ عيْناها، تقومُ بتحْرير بلاغ لدَى الشّرْطة، واللحظاتٌ تمرُّسَريعَة، تحُسُّ أنّ الأرْض تهْوى تحْت قدميْها، يَجْتاحُها اهْتيّاجٌ، يلفُّها شعُورٌ غريبٌ يشلّ حرَكتَها، تشعُرُ بالخوْف مِن لا شيْئ، خوفٌ مِن المجْهول، يجْتاحُ المَكانَ صمْتٌ رهيبٌ، نداءٌ يطرُقُ بداخِلها نبَضَات قلبٍ يعْتصرُ، تنفُضُ رَأسَها بسُرْعة، لتَتخلّص من كابُوس الأوْهَام، تُغادرُ مَخْفرَ الشُّرْطة، لاتَزَال صُورَتَه محْفُوظة فِي عَيْنيْهَا، وذِكْريَاتهُ مَحْفُورَة بِدَاخلِهَا، عَواصفُ الشك تجْتاحُها في كلِّ لحْظه، ريَّاحُ الخْوْفِ تُلاحِقُها فِي حَلِّهَا وفِي ترْحَالِهَا، نَسَائِمَ تهبُّ مُثقلة بغُبَار الحَسْرَة، مَا كَانَت لتخْشَى عليْه لوْلا وجُودُ تابُوتٍ قُرْبَ الحَمّام بداخلهِ كفن، تُرَى مَنْ جَاءَ به إلَى هُنا؟ الامْرُ غريبٌ، والفعْل شَنِيعٌ ومُسْتغَرَبٌ، هيّ التِي اطعْمَت ألأفوَاه الْجَائعة، وكسَت الأجْسادَ العاريّة، تَنْظرُ بحُزْنٍ وشَفَقة إلى الارَامِل والبَاكِين والمَنْكُوبِين..وتِلك القطْعَان التِي كَانَ يبْتلعُها الضّبَابُ..والعُيُون المُتْعَبة التي يقدحُ منْها الشّرَرُ، أدْخلت الفرْحَة ذاتَ يوْم عَلى اشْلاَءٍ باكيّةٍّ مُكتظةٍ بالتهَاوِيل والأشباَح، ينْبعِثُ شُعَاعُ الامَل من نُور الْحَيَاة..لَمْ يَعُد مَنْ كان يَخافُ من بُؤْس ألحَياة أنْ يَسْأل، فالكل اخْتفَى، وظلمُ ذوِي القربى اشدّ مضَاضَة..يسْحبُ المَسَاء عَسَسَهُ..لتبْدأ حَياةُ الليْل الصّاخِبَة، والعُنْف الكاسِحُ والغَلبَة، وصَخَبُ الازقّة ورَذاذُ القِططِ المُتشابِكةِ ونُباحُ الكِلاب، هَلْ السّماءُ الدّاكنة تحْنُو عَلى أبْنائها؟ هِيّ خلفَ الاسْوَار تتوسّدُ جِدَارَ الْحَدِيقة، تحْتَضِنُ كلَّ الجرَاح، عَلى صْوْت طرَقَاتِ البَاب، تنْهضُ من مَكانِها كالمَفزُوع، تجْلسُ في رَدَهَاتِ الْحَمّام مَعَ جَارتِهَا، تُراقبُ الْعَائِدين إلى بُيوتِهم، ويُحْزنُها أنْ يَغيبَ مَن تُحِبّ على ألمَكان، يَطُول الغيّابُ وفِي دَاخِلها انْتفاضةٌ..وا سَفَاه..! همْهَمةُ الرّيحُ المُزَمْجِرُ خَلْفَ الشَّبَابِيك، ونبْضُ الوسَادَة يَرنُّ في الأذُن، الاحَاسِيسُ مُرْخاةُ العِنَان..تَتنفسُ زَفيرَ حَسْرَتِهَا، تتألمُ..تصْرُخُ : يا أيُّها الغائبُ.. عُد إلى بيْتك، وإنْ شِئْت خُذْنِي إلى مرَافئك المجْهُولةِ.
15- ذاتَ رحْلة لنفرٌ مِن المُهرّبِين في ادْغَال الصّحْرَاء، وفِي طريقِ طوِيل شّاقٍ يلفُّهُ الصَّمْتُ، كانُوا يخْتفُون بيْن ثنايا كُثبَان الرّمَل، يَرْكنُون مَرَاكبَهم في اوْديّة بيْن أحْضَانِ التِّلال، عِصَاباتُ التهْريب، تجُوب القفار والوهَادَ، تظهْر وتغيبُ خلْفَ الرّوَابي، يصْعْدُون على اكْوام الرّمْل يَتمَدّدُون ينْتظِرُون ألإشَارَة، فَجْأة وعَلى بضْعة أمْتار يَلمْحُون رجُلا قرْبَ خيْمة مُلْتَصِقَةٍ مَع الأرْضِ يتملمَلُ.. يتدَحْرجُ.. يَزحْفُ فِي مُنحدرَاتِ الرّمل..وأحْيَانا يمْشِي على اطرَافِ أصَابِعه، لم يَعدْ يُفكر في الحَياة، فالموْتُ عِندَهُ هيّ الأهمُّ، إنّهُ يسْتغِيثُ..يتودّدُ.. يَتقدّمُون نحْوهُ، إنهُ يَعْرفهُم ويَعْرفُونه، الامْر غَريبٌ، لكن مَابه بَطِيءُ الحَرَكة؟ مُقيّدُ الأرْجُل، يزْحَفُ عَلى بَطنِه المُنْفوخ، يَسْألونهُ: من اتَى بِك إلَى هُنا ياعمُّ ؟ تغمُرهُ موْجَةٌ من ألحُزْن..يسْكبُ فيْضًا من الدُّمُوع، يَقُول: إنّ صَوْتهُ ليْسَ قويًا ولا عَاليًا..هُو شبحٌ كالحٌ فِي صَحْراءَ قاحِلة، مُقفرّةٌ ملِيئةٌ بالعُزْلة، يصْعُب البحْث عَن الآخَر فِيهَا..يَقول: وقدْ اخَذ مِنهُ التّعَبُ مُنْتَهَاهُ، أولائك النّسْوَةُ اللوَاتِي توَاريْن في الخرَاب..ويلتزمُ الصّمْت بعْضَ الوَقت.. لينْخَرِطَ في بُكاءٍ مَرير، دَفققٌ من الدّمْع الهَطُول يُلجمُهُ، مَابك يارَجُل..افْصحْ..؟! يَقول: خطفُونِي انْتقامًا مِنْ زوْجَتي التِي أكرَمتْهُم، بعْضُ نسَاء الْمَدِينة بِخَنَاجِرَ الهَمْزِوَاللّمْزِ يَطْعَنَ الظّهْرَ، يفْعَلن الفِعْلة ويتوَاريْن..هنّ كالأفاعِي سُمُومُهُن قاتِلة..اتفقْن مَع السُّرّاق قطاعُ الطرُق، وفَعْلن فعلتَهُن الشّنيعَة، طلبُوا فِدْيَة مَاليّة، وَلمْ يَلبَثُوا أنْ جَاؤُوا بي إلى هُنا مُقيدًا..شِرْذمَة من الاشْرَار توَلوْا المُهمّة، سَلّمُونِي لامْرأة زِنْجيّة سوْدَاءَ لأأعْرفُها ولاتعْرفُني..تلبِسُ اسْوَارأً وحِلقًا وأحْزِمَة ..تُرصِّعُ انْحاءَ جَسَدِها المَليءِ بالوَشْم..تُشبهُ الطائفة {الكرْكاريّة}فِي مَلابِسِهَا الْمُزَرْكَشَةِ، تحْبسُه مُنذ سَنة، في مَكان مُقْفر مَأوَى للصُوص، تكثرُ فيهِ الافاعِي والعَقاربَ.. معْزولا عَن الْحَياة.. الصّمْتُ مُنتشِرٌ في كل الارْجَاء..تُحاول أنْ تلتقط صوْتَ انْسَانٍ أوْ حَيَوانٍ فَلا تسْتطِيع..كانَت حَرَارةُ الشّمْس تهْمِسُ إليْه كلّ يَوْمٍ بشيْءٍ آخَر، وفِي اللْيْل يَسْمعُ أصْواتا حَزِينَة مُزْعِجَة كأنّهَا نَواحٌ، يَتهامَسُون يَتلقَوْن اشَارَات بإخْلاَء الْمَكان، يُسَارعُون إلى فكِّ قيْودِه، بعْدَ أنْ حَطمُوا الأغْلال، ودُون أنْ تعلم تِلك المَرْأة التِي تُفصحُ عَنْ صرَامَة فِي هيْئتِها، وَلاَ تَدْرِي مَاذَا تَفْعَلُ؟ وَتفْعَلُ مَايُمْلَى عَليْهَا، تُلقِي برَأسِهَا عِن يَمين الخيْمَة، تُرْسلُ شَريطًا من الصّخَب، تلفُّ نفْسَها بثوْبٍ يُشْبِهُها سَوَادًا، تُحرِّكُ مِصْبَاحًا فِي يَدِهَا، أخْفوْنِي بيْنَ السّلع بضَاعَة مُهَرّبة. انطلقت المَرْكباتُ سَريعَة خَارج الحُقول الرّمليّة، كانَ الطريقُ مُتعَرِّجًا، عَلى جَنبَاتِه شُجَيْرات من السِّدْر والنباتاتُ الشّوْكيّة، أخَذَت التْلال الرّمْلية تنآى، بعْضُ الأفَارقة المنبُوذِين يُلوذُون بالفرَار، يَتخنْدَقُون في الاوْديّةِ كالذِئاب، هُم يُشْبِهُون الخنافيس لاينْشطون إلاّ فِي الظّلام، ترَاءَت لهُ تحْت السَّمَاء المَفتُوحَة بُقعٌ مُحَاصَرةٌ بالرَّوَابي والأوديّة، إنّها واحَاتُ النّخيل، قُرَى نائِمَة في العَرَاء، خَلفَ الغِطاءِ السّمِيكِ للمَرْكبَةِ، ومِن تِلك الثُقوب والْمَنافذ الصّغيرة، يَسْترقُ الحَاج لعْبيْدِي النّظرَ، ثمّ يَسْتسلمُ لنوْمٍ عَميق بيْن اكْدَاسِ السِّلع، توَقفَت القافِلة بالقُرْب من حُدُودِ ولاية الجلفة، فيَسْتعِيدُ عَافِيّتهُ، يهْتفُ إلَى زوْجَتهِ يُخْبرُها بأنّهُ كانَ مَخْطوفا، هُو فِي الطريق إليْها، يترجّاها أنْ تُخِبر رجَال الدّرْك فِي سِريّة تامّةٍ وتُعْطِيهم الأسْمَاء ارْبَعة رجَال وامْرأتان، اجْهَشت خيْرة بالبُكاء، صَاحَت بصوْتٍ جَهُور..ارَاذِل اكرَمْتُهُم وَبَعْضُ النِّسَاء السَّخِيفَات”..اذ أنْتَ اكرمْت الكرِيم مَلكتهُ ** وإنْ أنْت اكْرَمْت اللئِيم تمرّدَا.”
16- اثرَ تلقِيهِم بلاغًا، قامَ رجَالُ الدّرك بِتطوِيق العِصَابة، وجدُوا في بُيوتِهم مَخابِئ للسُّمُوم والأسْلحَة، اعْترَفُوا بجَريمَتهم النّكرَاءَ، اعْترفَت تِلك المرْأة المُتصابيّة {حليمة} ورفيقتها {السّعْدية}بأنّهُما ورَاء الخَطْف، حَسَداً حَمَلُوهُ مِنْ أجْل خيْرَة، وانْتقامًا من اسْتِحْوَاذِهَا عَلى عُقُول نسْوَةِ الْمَدِينَةِ {وقديمًا كانَ فِي النّاسِ الْحَسدُ..} .قال المُحَقِّقُ: خيْرَة قامَت بعَمَل خيْري رَائع تُشكرُ عليْه، اليْسَ كَذلِك؟ زوّجَت الأرَامِل وأكرَمَت الفُقرَاء، فمَاذَا قَدّمَت بَعْضُ النِّسَاءِ مِمّن تَعْرِفْنَ؟ قالتْ تِلك المُتصَابيّة: هَذا هُو مَرْبطُ الفرَس الْعَنيد، كنّا نَتّخذُ من بُيُوتِنا اخْدَانًا، نسْتعْمِل المُطلقاتِ والأرَامِل لأغْرَاضٍ دَنِيئَةٍ..للأسَف كسَدَت تِجاَرَتُنا وأخَذَتْ منّا كلّ شَيْءٍ، وضَاعَ الحُلم الْجَميلُ..حلمُ مَاذَا يَا أنْتِ ؟ حُلم المُتاجَرة بالنّسَاء ايّتُهَا الْحَقِيرة! ألا تخْجَلين من هَذا العمل الشّنِيع يا قلِيلة الْحيّاء؟! خسِئْت وخَابَ مسْعَاكِ ولسَوْف تنْدمِين، فجْأةً ..دَخل الزّوْجَان مُتأبِّطيْن ذرَاعَيْ بعْضِهِمَا، نظرَتْ خيْرْة حوْلهَا بانْدِهَاشٍ، يتقدّمُهما المُحَامِي الأشيَبُ، يَسْتهلّ مُرافَعَتهُ فيَقول: خيْرة بنْت الرّاعِي امْرأةٌ مُحْترَمَة مُسَالمَةٌ، لم تعْرف المَهانة، بَنَتْ ذاتَهَا بصدْقٍ، تمْلك الرُّؤى وقوّة العَزيمَة، أحْسَنت لهؤُلاء الاوْبَاش، فاسَاؤوا إليْها ولزوْجِها نظِيرَ احْسَانِها إليْهم، يقولُ المُحقّق: من الأفْضل أنْ نسْمَعَ القصّة كآمِلة من الضّحْيّة، يقفُ الْحَاج لعْبيدي يَتحدّثُ بِصوْتٍ غَدَا مبْحُوحًا، يقول: كنتُ عائدًا من صَلاةِ الفجْر، عِنْدمَا اعْترَضَ سَبيلي ارْبَعة مُلثمِين، امْسَكُونِي بقوّة، هدّدُونِي بسِكين إنْ ابدَيْت مُقاوَمَة، حَاوَلْتُ أنْ اخلِّص يديَّ من أيْدِيهم القذرَة ولمْ أفلحْ، رمَونِي في الشّاحِنَة مُقيدًا، معْصُوبَ العيْنيْن، تهيّأتِ المَرْكَبَة للإقْلاع، فاسْكتُوا انْفاسِي بقوّة، لما قطعُوا نصْفَ المَسَافة، تنبهُوا إلى امْرٍ قدْ غابَ عَنْهم، فهتفُوا إلى امْرأة، هِيّ هُنا مَعنا يَسْألونَها، ما الْعَمل الذِي يؤدُّونَهُ؟ فقالت بتبجُّح: يُرمَى في مَكانٍ لايحْلمُ فِيه ابدًا بالعوْدَة، تريدُ أن تَضْربَ خيْرَة في العُمْق، وتُنْهِي صحْوَتها، تكوّرْتُ وأنا اترنّحُ بيْن درُوبٍ تناثرَت شعَابُها، وقد تهشَّمَت قِلاعَ صبْري، وعَرَفت أنّي مُسْتلبً العقل، مَسْلوبُ الارَادَة والحَرَكة، فكّرتُ في الانْتحَار، وأنا اشْعُربوجَع في رَأسي، وغَبَشٍ فِي عيْني، وطنينٍ في أذُني، أهْذِي وأبْكي وما عَسَاني أفْعل، بعْد رحْلة مُؤلمَة دامَتْ يوْميْن نزَلوا في مُنخَفضٍ، اقبل رجَال من البدْو مُتنكّرينَ، فتعَانقوا معَهم، عوَى أحدُهُم كالذّئب تمامًا، فاقبلت امْرأةٌ زنْجيّة فارعَةُ الطُّول، ذَلِيلَة مَقْهُورَة، فَسَأل هذا النّكرَةُ الذي يجْلسُ أمَامي، هل اعْجَبكِ؟ قالتْ أيْوَا..تمَامًا..قال: إنْ أبْدَى مُقاوَمة فتَخلصِي مِنْه، ثمّ التفتَ نحْوي مُسْتهْزئا وَقال: لسوْفَ تعِيشُ هُنا مدَى الدّهْر، وسَتبْكِيك خيْرَة بُكاء مُرًا، تركُونِي وسَط هذهِ الكَائناتِ الشرِّيرَة وانْصَرَفُوا، قال المُحَققُ: سَمعْتم القصّة من بدايَتها، هل لديْكم اعْترَاضٌ، نكّسُوا رءُوسَهُم، قال الأصْلعُ الخبِيث ذُو الوجْهِ الشّاحِب الذِي يُشبهُ وجْه كلْبِ الصّيْد، مَاقاله الْحَاج لعْبيدِي حَقيقة لاغُبَار عَليْها “..فلسَانُ الْحَال ابْلغُ مِن لِسَان الْمَقال..” هَذهِ المَرأة الشرِّيرَة هِيّ السبَبُ، انْتابَ حَليمة المُتصابِيّة ذاتُ الجُفُون المُجعّدةِ فزعٌ وذُعْرٌ، وسَرَت الرّجْفَة في جَسَدِ مُرَافِقتِهَا وهِيّ امْرَأةٌ هَزِيلَة عَصبِيّة المَزاج، لاتعِي مَاتقُول، التفتَ إليْها المُحققُ وقال: مارأيُك؟ قالت: هذهِ عِصَابة اشْرار مُبتزّةُ اسْتدْرجُوني، طلبُوا مِنّي امْوَالا لتنْفيذِ جرَائمَهم، ذَهبُوا به بعيدًا، لم نَتفِق عَلى ذَلِك الفِعْل المُتوحّش الشّنِيع، الحاج لعبيْدي رجُل طيّب، فزِعَ الأرْبعة يشْتمُونَها، يمُدّون أيْديّهم يُهدّدُونهَا، فاسْكت المُحققُ اصْوَاتَهُم، وقال: اعْرفُكم، تعَرّضَت حَلِيمَة للوْم والتقرِيع ولعُيُون خيْرة الغاضبة، فتكتفِي حَلِيمَة باخْتِلاس النّظرإليْها، أمَرالمُحَققُ إيداعَهُم الْحَبسَ، انْفرَجَت اسَاريرُ وجْهِ خيْرَة، علا صوْتُها كجَمالها، قالت:غيْر مأسُوف عليْكِ أيَّتها اللعِينة..أنْتِ كذّابة، مُنافِقةٌ..لئِيمَة الطبْع..خَشِينة النّفْس، وللتو انْصرَفت مَع زوْجِها فِي موْكِب الأفرَاح، يكبُر بَال خيْرَة، تسْتوي جَالسَة في بَاحَة إقامَتِها، عَلى جُدُرَانِ قلبِهَا تكتبُ شهَادَة مِيلادِها الْجَدِيدة بمِدَادِ دُمُوعِها، يكتظُّ البيْتُ بالمُهَنّئين، تسْتقبَلهُم بابْتِسَامَة صَافِيّةٍ، وحضْن دَافِئٌ، وضَحْكَة لاتَخلُو مِنْ وَقَارٍ، فجْأةً اقبَلتْ أمْرَأةٌ جنْزيّة مُرَحّلَة، يُرافِقُها زوْجُها وَعَنَاصِرَ مِنَ الأَمْنِ، ارتجّ الْحَاج لعْبَيْدِي وفَزِعَ مَذْعُورًا، أخَذَ يَصْرخُ، تقُولُ الْجِنْزيّة: وبِصَوْتٍ خَافِتٍ مُخْضَلٍ يَخْتلِطُ فِيهِ الاعْتذِارُ بِالْغبْطَةِ، والْمَرْأَةُ الافريقية بَارِعَة فِي اخْفَاءِ أحْزَانِهَا، تقُول: كأنّتْ مُكْرَهَة مَخْطُوفَة مِثلَهُ، وَليْسَ عَلَى الْمَخْطُوفِ حَرَجٌ، الذِي انْقذنا جَمِيعًا وانْتَشَلنَا مِنْ مَخَالِبِ الوُحُوش، هُم رِجَال الجَيْش الْجَزَائِري، اسُودُ الصَّحْرَاء المَغَاوِير، أفْرَدَتْ خَيْرَة أشْرِعَتهَا، وَانْفتَحَتْ لدَيْهَا نَوَافِذَ الشّوْقُ، وَقَالَت: سَنَطْوِي هَذِهِ الصَّفْحَة الْحَزِينَة مِنْ حَياتِنا وإلى الأبد، ونَفْتَحَ كِتابَ الْحَيَاةِ المُضِيء مِنْ جَدِيدِ.