تعالت أهازيج النّساء وزغاريدهنّ.
اليوم يزوّجون اليتيمة..
غدا تمسي للرّاعي العجوزعروسا في البيداء..
دقّات الطّبول يتردّد صداها بين جنبات الوهد والصّخور الجاثمة على صدره. الهودج يسير نحو تخوم المراعي متهاديا على إيقاع الفرح والعروس فيه تغرق في الأدمع..
شعر الجمل بزخّات تبلّل ظهره. رفع رأسه نحو السّماء. وجهها مضطرم كالتّنّور وشفتاها متيبّستان تنفرجان عن بعض سحب صفراء تنذر بعاصفة..
توقّف الجمل.
تزاحم الرّجال حوله يستحثّون خطاه.
هبّت النّسوة بمجامر البخور.
رغا الجمل.. بَرَك بينهم وأغلق نافذتيه على وجع.
ضجّ الجمع بالبسملات والحَوْقلات.
همهم الجمل.. تناهى إلى العروس أن”تجمّلي..”
ندّت عنها آهة..
همد الجمل.
تناثرت حبّات الهودج. نزلت العروس حافية.
صاحوا :”ذي العروس خدّيها نادبة..” .
تسربلت بالصّمت ودفعت خطاها نحو الجثّة الهامدة.
علَا نشيجها..
اختلط الدّمع بالدّم..
جثت على ركبتيها. تهاوت ككثيب رمل عابثته أنامل طفل لَاهٍ.. تعفّرذاك الثّوب الأبيض..
أدنت فمها من فؤاد الجمل. قبّلته.. ألصقت شفتيها بأذنيه وطفقت تتمتم.. تهامسوا:”لقد جُنّت..”
هبّت عاصفة هوجاء.
قفل الجمع عائدين إلى الدّيار . ذَرَوْا العروس اليتيمة المنكفئة على الجمل هامسة..
تنفتح المقل..
تتأمّله لبرهة
يهمس لها من نسغ الحلم:”لا تجفلي..”
لا تعلم كم صدر عنها من همسات..
ينهض الجمل عن الأديم. فارغا فوقه الهودجُ يرتفع.
يتقدّم نحو الأفق..
تتبعه العروس ومرجل الحيرة فيها يمور.
تلاحق نبضها الفارّ منها إلى صدر مجالس القبيلة المجاورة..
يرفرف فيها فَراش حنين تذبّه سيوف الأنين..
تراه من كفّيها يرتوي، من همس نظراته روحها ترتوي..
تتناهى إليها مواويل الهوى بغزليّاته تترنّم..
كم تمنّى لو تلتفّ حوله جدائلُ ضفيرتها فيتشرنق على صدرها في وصال لا ينتهي..
كم تمنّت ألّا تفكّ ضفائرها..
تتوه خلف زخّات الوله.. تتعثّر في ثوبها الطّويل..
تكاد تهوي.. تتعلّق بالجمل..
يبرك، تصّعّد ظهره، تمضي خفافُه على خدّ الأرض تلثُمها تسألها حنوّها ورضاها.
من مقلة الأفق ينسكب فارس ظلّ يقفو خُطى موكب العرس وعيناه تسقيان النّبض الوجِل بالمنى..
تتلألأ سماء العروس فرحا..
يطرب الجمل..
يلتقي العاشقان..
ترتمي الخطى في درب يلعقه النّور ويباركه الضّياء.