بعد رحلةٍ طويلةٍ وشاقةٍ، توقّف الثعلب العجوز فوق تلّةٍ مطلّةٍ على إحدى الغابات، ركضت عيناه على امتداد خط الأشجار، تجاوزتا الجبال المحيطة بالغابة إلى الأفق، ثم ارتدتا عن السماء، وعادتا إلى محجريهما، أدار صيوانيّ أذنيه كراداراتٍ… مستغرباً كثرة الكهوف في المنطقة، استلقى في مدخل أحدها، يستظل من شمس الظهيرة الحارقة، عادت معدته الخاوية، تعصره، تلويه، تحثّه ليجد شيئاً يأكله، أمسك خنفساء صغيرة، همّ أن يأكلها، لكن قشعريرةً دبّت بأطرافه منعته، فألقاها أرضاً، قلبها على ظهرها، وراح يراقب معركة أقدامها العاجزة في الهواء… هل أعيته الحيَل…؟ هل هذه نهايته…؟ إما ينفق ككلبٍ شاردٍ، أو ينمسخ دجاجةً تلتقط خشاش الأرض… تثائب مغمضاً عينيه، راح خياله يجتر عواء خيباته المتكررة، هزائمه الكثيرة، حيله الصغيرة التي لم تكن تكفي لأكثر من سدّ الرمق؛ وحال اكتشافها يولي الأدبار هارباً قبل أن يدق المخدوعون عنقه…!
أقعى عند مدخل الكهف، وبحركةٍ دائريةٍ من لسانه لعق فمه… غارقاً في الهدوء، تجمّد في مكانه كأنه صنمٌ، وحدهما عيناه تتخبّطان في شبكة الكهوف حوله… على زقزقة عصافير بطنه، أعاد نظره إلى الخنفساء، قلبّها عدّة مراتٍ، ثم بإصبع قدمه الكبير قذفها لتتدحرج بعيداً، نهض وانحدر نحو الغابة، يخبّ خبواً…توجّه إلى وسطها، اعتلى صخرةً بجوار البحيرة، ضبح ثلاث مراتٍ، سعل، تنحنح واضعاً يده أمام فمه، ثم أعلن عن افتتاحه مطعماً لخدمة ذوات الأنياب، حيث يقدم المطعم طبقين من “دجاج الكهف” مقابل كل فريسةٍ حيةٍ؛ وطبقٌ واحدٌ مقابل الميتة…!
تطوٍر العمل، تحوّل المطعم إلى”ماكدونالدز” الغابة، وغزت شهرته الغابات المجاورة… احتفظ الثعلب بالفرائس الهرمة والميتة والمجروحة، وأطلق سراح الأخرى… سريعاً أدركت الطرائد اللعبة، وماعادت تحاول الهرب خشية أن تصاب أو تقتل أثناء ذلك، بل صارت ترفع يدها مستسلمةً، ليقودها آسرها إلى الثعلب الرحيم… ورغم اكتشافها خدعة الثعلب، إلا أنها ما فتئت تنشر دعاية الثعلب عن جودة طبق “دجاج الكهف”، وجهوده ومعاناته في استيراد المواد الأولية من بلاد ماوراء البحار، بله عملت لدى الثعلب في توصيل الطلبات… ورغم تحويله البحيرة إلى مقبرة للنفايات والأوساخ حتى أضحت مستنقعاً آسناً؛ لم يجرؤ أحد على محاسبة الثعلب، فقد بات من أكبر وجهاء الغابة وأعيانها…!
ذات صباحٍ ربيعي، اكتشفت ذوات الأنياب خدعة الثعلب، هددت، توعدت، وتوجهت إلى قاضي القضاة، قدمت شكوتها مع أدلةٍ لا يمكن دحضها، وطالبت برأس الثعلب، تعلقه على رمحٍ وسط الغابة، ليكون عبرةً للجميع… وقف الثعلب بين يدي القاضي، ودافع عن نفسه قائلاً: لم أقل يوماً أن طبقنا دجاج مشوي أو مقلي، بل كنت أؤكد دائماً أنه” دجاج الكهف”، وهذا مصطلحٌ “سنسغليفي” يشير بوضوح للخفافيش… سيدي القاضي، أنت أحد زبائن المطعم ، والبارحة طلبت دجاجاً، وقلتُ لكَ ليس لدينا إلا “دجاج الكهف”، فقلتَ حسناً، أعطنا منه…!
تجعّد جبين القاضي، انقضت عيناه على الثعلب، و ضجت ذوات الأنياب، ارتفعت زمجرتها، فلم تسمع يوماً بهذا المصطلح…!
ضرب القاضي بمطرقته، صمت الجميع بانتظار حكمه، و قبل أن ينطق، وصل رسول الملك، وشوش في أذن القاضي، وأعطاه ورقةً من الملك… على مضضٍ أعلن القاضي براءة الثعلب، وقرأ فرمان الملك بتعيين الثعلب مستشاراً له… انفضت ذوات الأنياب غاضبةً، تلعن الثعلب وأهله، لكن بصوتٍ خفيضٍ…!
وسط ترحيبٍ حار وتهليل، وكالأبطال الفاتحين، دخل الثعلب إلى قاعة العرش، صافحه الملك واحتضنه، ثم أشار بيده، فغادر الجميع، ليختلي بمستشاره… قال الملك: الفرائس التي أرسلتها مؤخراً هرمةٌ جداً، لحمها متين، قليلة الدهن، وكثيرة الملح…!
رد الثعلب: سأجد حلاً، يا مولاي…لكن هل نفع العلاج…؟
قال الملك: ألم أفي بوعدي…؟ عينتك مستشاراً لي…!
قال الثعلب: هذا يعني… قاطعه الملك: نعم أيها الثعلب، البارحة كانت ليلةً حمراء… ليلةً حمراء ولا في الأحلام…!
رد الثعلب:يامولاي، أخبرتك أن “عسل البحيرة” مضمون النتائج…!