في البدء .. كان صياح ديكه .. والشمس طالعة .. والثكنات الريفية .. يتصاعد منها دخان الحطب .. وكانت أرض واسعة .. وسماء دائمة البكاء .
وكان والد وبنت .. الوالد شقي وعفريت ..هكذا ينعته الجميع ..عوده اخضر كسنابل القمح .. يفهم “هرش البنات ” وحين يندس وسطهن .. يصيخ السمع يضحكن .. ويقطعن حديثهن .. عن العريس المنتظر .. ولليلة العمر .. وبيت العدل .. والبنت بدر لم يكتمل تمامه .. تحب الولد الشقي.. ولا تلعب إلا معه
ـ تبجي نلعب عروسة وعريس …
ـ لا … نلعب الثعلب فات , فات …
ينتصف النهار .. تحت جزع النخلة العوجاء .. المرابطة علي الطريق .. براقصها الريح .. تسكنها جنية …عاهر .. عندما تنقطع الرجل عن الطريق تظهر عارية تماما ..حاسرة الرأس .. وتقول روايات القرية أن ..” خلف هنشر ” ذلك الرجل الآدمي .. الذي تحول حاله.. فجأة .. ونطوي علي نفسه قد تزوجها .. وأنجب منها أطفالا صغارا .. كثيرا كان الناس يسمعونه .. يحدثهم بكلمات غير مفهومة.. فإذا ما سأله أحد..عما يتمتم به يهرش في جنبه .. ويقول ….
ـ ” والله ما أنا عارف ”
وكان المطر يغسل القرية .. ليلبسها ثوباً اخضر .. فتصبح مبهجة للعيون وزنابق الحقل .. لا تفتأ ترفرف تحت الفراشات .. والعصافير الملونة .. والولد والبنت يقفزان .. يضحكان .. يلعبان .. يمرحان .. تحت النخلة العوجاء .. فالجنية لا تظهر للأطفال .. منذ تزوجها .. ” خلف هنشر ” .. يأمرها ألا تظهر لسواه .. يأمرها فتطبعه .. ابتسم لها في قيلولة .. لم يخف منها .. لم يعنفها كباقي الرجال .. الذين عرضت عليهم أن يسّيجُوا براحها فعشقته .. فسكنت فيه .. فتزوجها .. البنت تبتعد عن الولد الشقي .. العفريت تجري في المكان .. تلهو تلعب .. تضحك .. فتفصح عن جُمان .. والريح يداعب سعف النخيل .. وشعرها الذهبي .. وطرف رداءها .. تدنوا متبخترة مسفرة عن بدر .. مكتمل تمامه .. تقف ترنو في صمت جميل .. بينما الولد الشقي .. يصنع حصاناً .. وسيفاً من جريد النخلة .. ليضرب به طواحين الهواء .. وهو يصيح بصوت رخيم .. والنخلة العوجاء .. ترتجف علي الطريق .. ويدوم اللعب .. والضحك .. حتي إذا ما بدأ يظهر .. ” خلف هنشر ” يدب علي الطريق أشعث .. أغبر .. رث الثياب والهيئة .. ذو عمامة مهربدة .. وقامة طويلة.. وقامة طويلة .. ومنكبين عريضين .. يهرش في جبينه .. وهو يبتسم للهواء .. يمتطي الولد الشقي صحوة حصانه الجريد .. شاهراً سيفه .. وردفه .. البدر ..الذي لم يكتمل .. يصهل كالحصان .. يضرب قدميه الصغيرة الأرض .. والبنت متشبثة في أهدابه .. وهو يدير رأسه كالحصان .. يتنحنح .. وينطلق بقدمين حافيين في الأرض الواسعة أمامه قبل ان يصل إليها ..” خلف هنشر “.. والريح تصفر .. فتزمجر الأشجار العتيقة .. والمطر يهطل .. وينهمر بغزارة .. والبرد صولجان ..والشمس غائمة .. والأولاد محتشدون عند الجسر .. يهتفون بكل قوة .. أنشيد ساذجة ..تستحث المطر كي يرخ ” حجارة حجار .. او عنب وتين ” يدخل الولد الشقي .. والبنت وراءه .. وسط أمواج الصبية المتلاطم .. وهم يجوبون الشوارع .. والطرقات .. ويهتفون في وجه السماء .. ويظل الموكب يسير حتي المساء .. والولد الشقي يضرب بسيفه في كل اتجاه .. حتي وصلوا الي ” السبيل المهجور ” بجوار ” جنينة صدقي ” عند الجسر الحربي .. ذلك الذي يسكنه ” خلف هنشر ” في الشتاء .. يرتعد الأطفال من السكون الذي يخيم المكان ويلف ” السبيل المهجور .. يفزعون .. ويفرون في عشوائية .. فيصيح الولد الشقي فيهم يجمع شتاتهم من جديد .. ويسلك بهم طريقاً آخر وهو في المقدمة .. يهتف .. وهم خلفه يرددون
ـ ” مطري يا مطرا …. ……………
وكانت الشمس تميل للغروب .. والبنت تلتقط التمر .. المبعثر تحت جزع النخلة .. تملأ جيوبها .. والولد الشقي يرج النخلة بالحجارة .. ثم يجلسان .. يقتسمان ما جمعت من الحب بينهما .. ويفترشان الأرض .. يتفرس خضرة عينيها .. يهدأ الكون من حولهما .. ويرقد في سكون جميل وقد هدأ المطر قليلاً .. والشمس تبتسم في خجل من خلف السحُب البيض .. وهي سائرة في بطء .. متشكلة بأشكال حسنه .. فوق النخلة المرابطة علي الطريق .. والعصافير تزقزق . والقمري .. البنت تقطف من زنابق الحقل .. زهرة صفراء .. تنحني عليه ضاحكة .. وهو يرفع عقيرة صوته بالغناء .. تضع قبلة علي خده الصغير الأبيض .. وبصوت ناعم :
ـ تفضل …
ـ الله … حلوة قوي …..!!
ـ أعجبتك …؟
يومئ برأسه .. راضياً صنيعها .. فجأة .. يميل نحوها .. يُقبلها بغتة .. تنهض واقفة .. ابتعدت .. وقفت .. أطرقت .. صمدت .. وخديها حمراء من الخجل .. وشعرها الذهبي أسكن هوجته المطر .. برهة قصيرة .. تدنو منه ..تمد يديها الصغيرة البيضاء .. الملتفة .. توقفه من جلسته .. والشمس تلملم خيوطها الأخيرة .. من فوق الأرض وشوا شي النخيل .. والسكنات الريفية يتصاعد منها دخان الحطب..وصياح الديكة .. وفي الليل يزيلان ما علق بهما من الطين والغبار ثم يأتيان الجد العجوز .. يلتفان حولها أمام النار .. تحت المصطبة في وسعة الدار .. والحطب المشتعل يطقطق .. والسنت اللهب تمتد لتلفح الأيدي الصغيرة .. الملتمسة للدفء … وتنير الوجوه البريئة ..
ـ الدفء يا العين يا أولاد …..!!
ـ أحكي لينا يا ستي …………؟!
تضحك العجوز .. حتى تظهر نواجذها المخلعة .. تقترب الحطب من النار وتنفخ الدخان الكثيف .. الذي يلف المكان …
ـ ما اشبعتوا حكي ….؟!
تستند علي يديها .. تنهض في بطء .. تسرج المصباح ..” نمرة عشرة ” تضعه بعيداً عن الخص .. وأيدي الصغار .. في كوة في الحائط .. حالكة السواد .. وتعود .. وما زالت أثار الضحك فوق طرقات وجهها الذي حفرته الشيخوخة .. والمرض ..
ـ أحكي لنا عن العفريت .. والنبي يا ستي ..!!
تضحك العجوز .. وتبدأ مثل المعتاد ..” تصلي علي النبي ” .. والولد والبنت مرهفي السمع … وكان الدفء .. وكانت البراءة .. والسعادة ترفرف في جنبات البيت الكبير .. والأرض الواسعة .. والسماء مرصعة بالمصابيح …
….. يقول الراوي : …
” ذات صباح .. اختفت البنت الصغيرة .. أما الولد الشقي بحث عنها فلم يجدها .. وسأل الجدة العجوز والبنات الآتي يهرشن .. ولما يئس .. وتعب .. جلس كل يوم .. تحت النخلة .. علي الطريق .. يده علي خده حزين .. يرسم ويكتب .. .. ولما دار الزمان واستدار .. وصار الهلال بدراً مكتمل … عرف الولد الشقي أن البنت .. التي أحبته صغيراً .. تزوجت ولداً أخر .. .. وأنبتت له سبع سنابل خضراء .. أما “خلف هنشّر ” ..أمسي صورة معلقة في فاترينة .. واقفاً كهبته القديمة .. يده في جنبه .. يهرش .. وهو يبتسم للهواء .
……….