لم يكن عاديا أن يرسل معي كل تلك السلامات لأبي فلقد قال أكثر من خمس مرات (سلم لي على أبيك) وهو المقيم على ناصية الشارع وأنا القادم من السفر.
طرقت بابنا فتح أبي الباب وسلم علي هو ووالدتي.
ثم نظرا إلي لم أتغير كثيرا، نفس الجلبابة القديمة والحقيبة المهترئة التي تطل منها بعض الملابس المتسخة و بشرتي اسودت قليلاً .
جلست بجوار أبي على الكنبة التي أبدت صراخا واستغاثت ولكنها اعتادت واعتدنا ذلك.
سألني عن عملي فأخبرته أني أعمل فرد أمن في العاصمة الأدارية ، نظر لجسمي النحيل وأبدى اندهاشه بحركات في وجهه ولكن بادرته بأن الأمن قد أصبح مهنة من لا مهنة له
ثم أخذ يسألني عن حالي ويقولها مرة تلو الاخرى وأنا أعرف أنه لا يقصد كيف حالك إنما يقصد أين مالك؟
أردت أن أغير الموضوع فأخبرته بأن فلان الجزار يسلم عليك
فرد بغضب: لم يقصد السلام بل أراد ثمن اللحم الذي لم ندفعه له منذ شهر ، حينها تدخلت أمي قائلة:
كم مرة أخبرتك بأن ظمأ قامح خير من ري فاضح
وصبرك على نفسك خير من صبر الجزار عليك
استدار أبي إلي قائلا ما إن أرى اللحم نيئا حتى يسرح بي الخيال إلى القِدر ثم إلى المائدة وقد وضع في طبق من المرق فلا أشعر يا ولدي إلا وانا واقف أمامه أطلب اللحم .
فهيا أعطني المال حتى أصفع به وجهه
حينها طأطأت رأسي وأخبرته أن الشركة قد أفلست ومديرها قد هرب.
قال وقد فغر فاهه ماذا يعني هذا؟؟
قلت :أكلوني
فصرخ ثم وضع فمه في كتفي فصرخت .
أقبلت أمي على صوتنا فعلمت فصرخت هي الأخرى
يسألها أخي الأصغر وقد أمسك بثيابها فلطمته فصرخ أيضاً
اقترب الجزار على الصوت فعلم الأمر فصرخ هو الآخر.
جارتنا كانت قد ألقت أذنيها فعرفت الخبر فأخذت تصرخ هنا وهناك.
امتلأت الشوارع بالصراخ والضجيج
الكل يعرف السبب ولا أحد يعرف الحل؟؟؟

أضف تعليقاً