منذ شوط الليل الأخير وحتى الصباح وولدي أحمد يعاني من ألم في خاصرته، أخذته الى المستشفى، أجرى له الطبيب بعض التحاليل، فقال لي:
– أشك أن لديه حصاة في الكلى، يجب أن نجري له أشعة بالسونار.
ألتفت بكرسيه الدوار الى زاوية مكتبه سحب ورقة منها كتب عليها عبارات طبيب لا يمكن فهمها، ولما أخرج منه بعد تذكر أنه يوم السبت؛ فقال معتذرا:
– لا يوجد سونار هذا اليوم ؛ تعال غداً..
عدت ومعي أدوية المستشفى على أمل العودة غداً..
تركت أحمد في البيت وقد خف وجعه قليلا بعدما زرقوه بالحقن المهدئة.
خرجت الى السوق، كان همي الاخر هو استبدال بطاقة السكن التي غسلتها أم أحمد مع الملابس، لا بد من استحصال أخرى بدلا تالفاً لها.. قصدت مكتب الاستنساخ لأجل تصوير مستمسكاتي الثلاثة، وبينما أنا منتظر إتمام تصويرها، قدِم شخص كبير في السن يشد محزمه بـ(وصلة) خضراء، غطى رأسه بيشماغ أسود تهدَّل على كتفيه، رث الثياب بيده مبلغ قدره مائتان وخمسون دينارا، وهوية أحواله المدنية، وبالأخرى يمسك بيد طفلة صغيرة، عمرها ست سنوات، وجهها كالقمر، منكوشة الشعر، خلته يستجدي بها..
وقف موازيا لي طلب من صاحب المكتبة تصوير هويته، دفعا له مع نقوده، لم يأخذ منه صاحب المكتبة نقوده، وهي لا تساوي نصف ثمن التصوير؛ بدى لي مشفقا عليه.
الطفلة كانت تراقب حقائبا مدرسية معلقة في سقف المحل، وهي تسحب ثوب الرجل الكهل وتقول له:
– جدي جدي أريد واحدة منهن. وتشير بإصبعها الصغير نحو تلك الحقائب.
استعلم الرجل عن سعرها فقال له صاحب المكتبة :
– اصغر واحدة بستة آلاف، والوسطى بثمانية، والكبيرة بعشرة.
الطفلة ترنو بنظراتها إلى الوسطى، عليها رسم طفلة بعمرها تحمل حقيبة مثلها. والجد يصبرها:
– ‏‎( بعدين جدو بعدين… بعدين يا بعد عمري)..
سألتها هل أنت في المدرسة؟ فأجابت:
– سجلوني هذه السنة بالصف الأول.
– أي واحدة تريدين ؟ سألتها بهدوء. فأشارت الى الوسطى.
قلت لصاحب المكتبة:
– أعطني تلك الحقيبة، أفرغتها من علب الكارتون التي بداخلها تفحصتها كأني أشتريها لأحد أولادي وألبستها ظهر الطفلة.
شكرني الرجل الكبير ودعا لي بدعاء وصل لقلبي..
ذهبت الطفلة تتلفت يمنة ويسرة لتلمح حقيبتها بنظرات خاطفة على ظهرها، وخصلات شعرها الذهبية تتأرجح حولها، مسرورة بها تتحسسها من الأسفل بيديها، تمسك حمائلها بإبهاميها.
درجتْ مع جدها وابتعدت عني ونظراتي تتفقدها في زحام السوق، بين لحظة وأخرى ألمح نظراتها الجميلة تحج نحوي وأنا أعيش أجمل اللحظات في حياتي..
عدتُ الى البيت فبشرتني أم أحمد، بأن أحمد غط في نوم هانئ بعد صراع ألم تمخض عن سقوط حصوته.

أضف تعليقاً