ضج الممر بالأصوات، أقدام سيدات أنيقات بفساتين مكوية و كعب عال يتنقلن كالفراشات ، أزياؤهن البين بياض و سواد تضفي عليهن كثيرا من الصرامة و الأناقة في الآن ذاته،
يجتهد بعض الرجال في السير نحو قاعة المحكمة، أحذيتهم لامعة بالكاد تلمس اسفلت القاعة، صوت خفيف جدا لأقدامهم طغى عليه صوت منبهات سيارات الأمن القادمة من السجون البعيدة،
تقودها سيدة غليظة وقد أحكمت شد السلاسل على معصميها الذين افتقدا بعضا من سمكهما بعد مدة قصيرة من الحبس و الإنتظار،
تتجه الأجسام في صمت تقطعه بعض همهمات نحو القاعة الواسعة، رؤوس مطرقة كأنما تحمل هم السماء و الدنيا معا،
صفوف من المقاعد المثبتتة تملأ فراغات المبنى،
عند المدخل، على يسار الباب قفص من الحديد السميك يصطف خلفه رجال بلباس السجن الأزرق من ناحية و نساء بلباسهن الأبيض من ناحية أخرى، على يمين الباب طاولة مستطيلة الشكل و مقاعد وثيرة، يتوسط رئيس القضاة الجمعَ ، قطب حاجبيه، مسح على شواربه السوداء المحفوفة حفا .
نطق صوت جهوري يعلن فتح الجلسة،
خيم صمت رهيب، خمدت حتى الأنفاس كما تخمد النيران بعد اللهيب، و غابت التفاصيل الصغيرة في حضرة التفاصيل الأخرى،
-المتهمة مريم بن ….
لم تدر ما مضى من زمن و من قدم للمحاكمة قبل أن ينتشلها الصوت المنادي على إسمها،
ارتبكت، نفرت الدماء من عروقها و كأنها تنز كلها مجتمعة في العيون، اشتد احمرار بياضهما، سالت دموع لم تكلف نفسها عناء مسحها بكمها كما اعتادت،
وقفت،
ردت :
-حاضرة
و بدأ الإستنطاق،
تمزق حجاب الصمت و عمتها الفوصى، تتقافز دقات قلبها إلى أذنيها، بين الحين و الحين تلوي عنقها ألما و تذمرا و عيناها ما فتئتا تتسعان ،
يبدأ القاضي في تلاوة الأحداث،
-انت مريم…
-نعم
-سنك ….
-نعم
-متزوجة من….
-نعم
كانت تجيب بميكانيكية معدلة تعديلا حتى ليُقاس الزمن بين تلفظ القاضي بالسؤال و إجابتها بالثانية، وجهها متمطط القسمات، شالها الأبيض يحيط به و يزيده شيئا من الشحوب و الحزن، جحظت عيناها و هي تستعد للإجابة عن السؤال الموالي، لكن صوتها لم يمهل القاضي ليكمل تلاوة ما كان قد خطه كاتبه قبل المحاكمة،
تدفق الكلام كالسيل الجارف،
-كنت عائدة من زيارة لأمي المقعدة يفترسني الحزن و الأسى حيث كنت مجبرة على الذهاب و الإياب أكثر من مرة في اليوم، زوجي الذي يحرص على هدوءه لم ترق له فكرة اجتلابها للعيش معنا،
أنا وحيدتها يا سيدي!
صمتت قليلا، ابتلعت ريقها دون ان ترفع ناظريها عن شيئ بعيد يتراءى لها دون الحضور،
واصلت
-عندما اقتربت من المنزل سمعت صوت صراخ كالمقاومة، سمعت صراخ فاطمة، لا أعرف كيف دار المفتاح في المزلاج دون أن يحدث صريرا،
صوتها باكية متوسلة يخترق جدران الغرفة المنزوية في أحد أركان البيت،
فاطمة ابنة الرابعة عشر كانت منكبة على دروسها عندما قبلتها و تركتها صحبة أبيها قبل خروجي،
لعله غادر البيت و نسي أن يحذرها من زيارة الغرباء، لكنها تعرف أن استقبال الغرباء ممنوع في غيابنا،
كيف حدث ذلك،
لعله نسي الباب مفتوحا و لم ينبهها من مغبة انهماكها و انقطاعها عما حولها،
في طريقي إلى غرفتها اختطفت السكينة من المطبخ،
عندما دفعت الباب و هويت على ظهر الرجل بالآلة ، لم أكن أرى غير سيقانها في الهواء تترنح ، لم أسمع غير صراخها يخترقني..
هويت عليه بالأولى، و الثانية و الثالثة و …. لا أعرف لكنه كلما تحرك قليلا هويت عليه بقوة، لم أعد أسمع صراخ فاطمة و لم أعد أرى الجسد الذي يئن تحتي و لكنني استفقت مذهولة بين يدي بعض الجيران الذين ملؤوا المكان،
تمسح الزبد المتطاير من شقي شفتيها و تضغط عليهما بين الحين و الحين كالمتشفية، صلبة لا تلين قسماتها، لكنها جلست و بدأ صوتها يخفت قليلا، ثم انهارت فجأة، و استسلمت لشهيق حاد و نزت دموعها غزيرة،
فاطمة كانت تحبه كثيرا، تأنس له و كنا نثق فيه بلا حدود، كيف لا و هو عمها المسن الذي لا يفارق سبحته…
دوى صوت القاضي، أعلن العقاب و بدأ يستعد لفتح ملفات أخرى…
الضابطة المكتنزة البطن و الأرداف تقودها ثانية من نفس الممر الذي خفت فيه الحركة، قل الضجيج و لف الصمت خطواتها الثقيلة، استدارت كالغائبة و سألتها إن كانت فاطمة قد حضرت المحاكمة،
دفعتها الضابطة و قالت بلهجة لا تخلو من عنف،
-لا
أخرستها الإجابة و تمتمت
أين تكون إذن؟ لعلها في الغرفة ثانية ….

أضف تعليقاً