يلعب “أدب الطفل” عموماً والقصّة بخاصة، دور الحصن المنيع أمام الهجمات المتتالية التي تقودها القنوات الفضائية الأجنبية الناطقة باللغة العربية، بجانب بعض دور النشر ، و القنوات الفضائية الوطنية والإقليمية المخصصة للأطفال، حيث تقوم تلك الدور و القنوات عن قصدٍ وبدونه بوظيفة الناقل الذي لا يكاد يعي دوره جيداً، فتختلط عنده المفاهيم والرؤى، مما يؤثر سلبا على ثقافة الطفل، فتصبح القصص و البرامج الموجهة للطفل دخيلة عليه من كل الجوانب، بل وأبعد ماتكون عن قيمه وأخلاقه وتقاليده. ومن هنا نبعت أهمية القصة وتأثيرها في المحافظة على هوية الطفل الثقافية.
و قد عرف معجم المعاني الجامع هوية الإنسان بأنها “تعني حقيقته المُطلقة وصفاته الجوهرية، وبأنها إحساس الفرد بنفسه وفرديته وحفاظه على تكامله وقيمته وسلوكياته وأفكاره في مختلف المواقف”.
أما الهوية الثقافية المأمول ترسيخها وتنميتها، فتعني التفرد الثقافي لفردٍ أو جماعةٍ بعينها ، وما يشتمل عليه معنى الثقافة من عادات وأنماط سلوك، وميول وقيم ، ونظرة إلى الكون والحياة، ويدخل في ذلك المعنى بالطبع البُعدين الديني والتاريخي للفرد أو الجماعة بحسبان أنّهما من المكونات الرئيسة لها.
ولأن الطفل هو اللبنة الأولى للمجتمع فهو يحتاج إلى تركيز أعلى ، وجهد أكبر حتى يتم ترسيخ قيم ومعاني الهوية الثقافية بداخله.
و في محاضرة بعنوان “الهُوية الثقافية للطفل” نظمها قسم الشؤون الثقافية بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في وقت سابق، شددت الباحثة بديعة خليل الهاشمي على أهمية الهوية الثقافية وما تلعبه من دور محوري في حياة الدول والمجتمعات، فهي تعكس حضارة هذه الدول ونموها وخصوصيتها باعتبارها واحدة من أهم عناصر الوطنية التي تُعد المظلة الكُبرى للانتماء والولاء للوطن.
وللقصة دور محوري ومؤثر في التكوين الوجداني والنفسي للطفل، وفي ربطه بقيمه وعاداته ومجتمعه، وترسيخ قيمه الدينية والأخلاقية. وفي سبيل ذلك، نشط كتاب الأطفال العرب مُبكراً، فكان كامل الكيلاني بمؤلفه “من حياة الرسول” الذي قام فيه بتبسيط سيرة سيدنا محمد صل الله عليه وسلم لتتناسب مع عقلية الطفل.ثم تبعه عدد من الكتاب بتأليف سلاسل دينية مختلفة، إلى أن وصل الأمر إلى الكاتب عبد الحميد جودة السحار صاحب سلسلة “قصص الأنبياء”.
وهناك مؤلفات أخرى عمدت إلى معالجات قصص القرآن في قوالب قصصية جاذبة للأطفال، وكذلك السيرة النبوية لابن هشام، وقصص الصحابة رضوان الله عليهم.
ولايزال الكتاب حتى الآن يغرفون من ذلك المعين الخصب ، إلاَ أنّه يُعاب عليهم التكرار والتقريرية وعدم الخروج من النمط التقليدي الذي ابتدره من سبقهم من الكتاب.
بدايات أدب الأطفال في عالمنا العربي كانت عن طريقة ترجمة بعض القصص الغربية ثم تحول الأمر إلى الاهتمام بالمخزون التراثي فكانت قصة كامل الكيلاني ” السندباد البحري” في العام 1927 . ثم عمد بعد ذلك بعض الكتاب على تنقيح وتهذيب قصص ألف ليلة وليلة حتى تصبح أكثر ملائمة للأطفال.
وكذلك لجأ آخرون إلى الأخذ من كتاب “كليلة ودمنة” والتعاطي مع الحكايات الشعبية التي كانت تمثل أساس اعتمد عليه الكتاب لفترة طويلة ولايزالون، إلا أنَ ثمة من يرى أهمية أن نُميز بين الاستلهام من التُراث وتبسيطه، حتى يبرح كتاب الأطفال مكانهم الذي انطلقوا منه منذ عهدٍ بعيد!.
ومن القصص التي تعمل على ترسيخ القيم الوطنية للأطفال بصورة كبيرة، قصة “الغابة والصّياد” للكاتبة السودانية آمال سراج، وفيها اتخذت من الغابة رمزاً للوطن، وجعلت من خيانة السلحفاة لحيوانات الغابة وتواطؤها مع الصياد سبباً في توقيع العقوبة عليها، وذلك بجعلها تحمل حجراً على ظهرها مدى الحياة.
وعلى نحو متسارع، نشهد حاليا افتتان بعض دور النشر بترجمة كتب الأطفال الغربية دونّما النظر إلى المادة المترجمة، ومدى ملاءمتها مع ذائقة وخصوصية الطفل العربي وثقافته واختلاف بيئته. ويرى البعض أن هناك قصصا ومجلات تنشط تلك الدور في ترجمتها، وتدور فكرتها إما عن الخير المطلق أو الشر المطلق مثل قصص “سوبر مان” “وبات مان” وغيرها، رغم مخالفة ذلك للطبيعة البشرية، مما أدى إلى نشر قيم تربوية غير ملائمة لمجتمعاتنا!.
وهناك اتّهام آخر صريح بدأ يتداوله مؤخراً بعض نقاد أدب الأطفال وهو أنّ بعض الكتاب باتوا يقتبسون قصصهم من أُخريات متداولة بالغرب، مما يعني تبعاً لذلك أنّ تلك المادة تتنافى مع خصوصية الطفل العربي لأنّها لم تكن موجهةٌ له بالأساس.
ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن بدايات أدب الأطفال في العصر الحديث كانت عقدية تمثلت في القصص التي قُدمت للأطفال في جلوستر في أوروبا من تأليف الكاتبتين حنا مور وسارة تريمور عام 1781 في فصول ملحقة بالكنائس لرعاية الصّغار أثناء تأدية ذويهم للصلاة فيما سمي في بريطانيا بمدارس الأحد.
أمر الحفاظ على الهُوية الثقافية للطفل العربي يبدو معقدا إلى حدٍ قد تعجز دور النشر الخاصة عن التعامل معه بمفردها، لذلك يجب تدخل الحكومات والدول لتنفيذ الكثير من البرامج والأطروحات المشتركة لبناء جدارٍ ثقافي أكثر تماسكا وقدرة على حماية الطفل العربي، وضمان عدم غزوه ثقافيا.
- دور القصّة في ترسيخ الهُوية الثقافية للطفل
- التعليقات