ساحة المعركة مفروشة بجثث مدماة، ثلث القطيع غير الإصابات، ما فارقت مخيلتي تلك الحادثة. صحوت والشمس حرارتها تنخر رأسي، عيناي يغشاهما ستار النعاس، لم تتضح الرؤية بعد، قفزتُ عن الصخرة دون وعي، سقطتُ على غنمة لم تتحرك .. تلمّستها .. شعرت بلزوجة .. بدأت الرؤية تتضح .. الدم يصبغ الصوف .. صرخت .. رحت أبحث عن القطيع، رأيت أفراده بعيدين عنّي، ثلاثة ذئاب تنوشهم .. ركضت نحوهم، بلهفة الخائف أسرعوا إليّ يحتمون بي .. تجمّعوا حولي .. تراجع الذئاب .. تركوني، واتجهوا غرباً ليهاجموا قطيعاً آخر …
بدأت معاناتي، لم يتبعوني إلى الديار، ولم استطع دفعهم أمامي. الخوف يسيطر عليّ وعليهم، مشيتُ بهم قليلاً، راحت الأغنام الهاربة تعود، ساعدتني ” أم رياع” تقود القطيع على العودة ..
يومها لم أتجاوز الحادية عشرة من عمري عندما ولّوني رعاية قطيع من الأغنام والماعز. واليوم، بعد ثمانية وخمسين عاماً هالني منظر الأشلاء المبعثرة في المكان بعد أن اعتدى عليها ذئاب متعطشة للدم، منظر أنعش ذاكرتي، أشعرني بالغثيان، انتابني دوار.. أغمضت عيني، امتزج المنظران معاً في لوحة سريالية تضفي عليها حمرة الدم النازف صورة حقد وحشية. لا فرق بينها، ذئاب تتلهّف للقتل، ولعق الدم، ولإزهاق الأرواح، وأكل لحم فرائسها. فارق وحيد: الذئاب البرية تأكل الأغنام، والذئاب البشرية تأكل لحم أخوتها نيئاً.

أضف تعليقاً