أصعد خالد بسيارته إلى عجلون، سارحًا بفكره في ذكرى ميلادها، الذي يصادف اليوم، مستذكرًا إياه قبل عام.
الطريق إلى عجلون جميل جدًّا، فهو طريق جبلي بالقرب من قرى عدة، ويخترق سفوح الجبال، وتحفّ به الغابات الكثيفة والمناظر الخلابة، وينتشر على جانبيه باعة للمواد المنتجة محليًّا، كالعنب والتين، ويزدحم بالمصطافين، الذين يقلّون في فصل الشتاء القارس، إلا إذا نزل الثلج.
على الإشارة الضوئية على مثلث اشتفينا توقف ينظر إلى قلعة صلاح الدين الشامخة، وإلى يمينه متنزه اشتفينا الذي طالما جلسا فيه، فأغمض عينيه يستعيد ذكراه الحزينة.
غرام بنت الباشا، كانت لؤلؤة حفل بسيط قرر أن يعدّه لها في مطعم القلعة، لكنه كان حفلًا مشؤومًا؛ لقد كان بداية نهاية حكايتهما التي استمرت ثلاث سنوات، كان فيها دائم الزيارة من إربد إلى عجلون، حتى سماه إخوته “العجلوني”.
بعد هذا الحفل اتصلت به لتخبره أنها ستعيد تقييم العلاقة بينهما، معللة السبب بفارق السن والمستوى الاجتماعي.
منذ البداية لم يكن أبوها الباشا راضيًا أن تقترن ابنته ذات العشرين ربيعًا برجل في الثلاثين من عمره، لكنه لم يشأ أن يكسر رغبتها، خاصة أنها هددت بترك الجامعة إن لم يوافق على خطبتها لخالد.
أمها كانت تدللها أكثر، ولذا وافقت على الخطبة إرضاء لها، وضغطت على زوجها ليوافق.
حفل الميلاد الأخير ببساطته قبل تخرجها كشف عن عمق الهوة بين مستواهما الاجتماعي، وساعدت كلمات والديها وانتقادهما لخالد ولباسه وتصرفاته في اتخاذها قرارها بتقييم العلاقة بينهما.
خلال شهر وصل الخلاف بينهما إلى طريق مسدود، حتى استدعاه والدها للتفاهم. كان الزيارة الأخيرة لبيتها، ولكم أحس بغربته فيه حين لم يجدها في استقباله كالعادة.
لم يرضَ بأن يشرب شيئًا، ولم يأخذ اللقاء أكثر من ربع ساعة، قفزا فيه فورًا إلى إجراءات الفراق. وحين خرج من باب البيت لم تودعه، وأنفت نفسه أن ينظر خلفه، عله ينظر إليها نظرة أخيرة؛ فقد كان يعلم أن نظرة كهذه لن تحيي قلبه، بل ستطعنه!
وخز الطعنة في قلبه كان ضوءًا أخضرَ ليعود أدراجه من حيث أتى، فالتفّ بسيارته من المثلث، دون ان يكمل طريقه إلى عجلون، وعاد أدراجه نازلًا من حيث أصعد.
على مثلث عين جنا أشّر له رجل كبير السن ليركب معه، فأركبه بعد ان توسّم فيه الأمان، يبدو من شكله أنه قد ناهز الخمسين، حديثه حلو ولطيف، تعارفا، وعرف منه انه من اقارب الباشا، والد غرام، فسأله عنها بشوق، لكن الرجل فَجَأَه حين اخبره أنها تزوجت من شاب يعمل في الخليج، وأنها سافرت معه إلى هناك.
غالَب خالد دمعة نزلت من محجريه. وما أن نزل الرجل عند إشارة مستشفى أيدون العسكري حتى شعر بالاختناق فأدار الراديو على محطة “إف إم” محلية ترسل عبر أثيرها:
“هابي بيرث داي تو يو…”؛ فابتسم وأخذ يغني معها:
“هابي بيرث داي تو غرام”!

أضف تعليقاً