يطل الآن من شرفة الذاكرة على نفسه طفل في العاشرة من عمره.. يقف في الجهة المقابلة لمنزل العائلة، الشارع خال إلا منه ومن سيارة أجرة مركونة أمام كشك لبيع الجرائد والسجائر.. يحمل قطعة من خشب تبدو كمسدس.. يصوبها نحو أهداف وهمية.يغمض عينا واحدة ثم يطلق رصاصه في كل الاتجاهات ـ كجندي محاصر من الأعداء.. ويرفق الطلقات بصفير من فمه الصغير، صفير كالذي تحدثه مسدسات رعاة البقر في أفلام ” الويستيرن “..ينبطح أرضا، يصوب ، ويطلق رصاصات أخرى ثم ينهض ويتجه نحو عمود الإنارة.. يختبئ وراءه..يطل برأسه.. يصوب.. يطلق ثم ينسحب في اتجاه حاوية الأزبال..يلبد وراءها.. يرسل وابلا من الطلقات في اتجاه المنزل الكبير ـ بيت العائلة ـ أخيرا يستوي واقفا.. ينفض عن ثيابه ما علق بها من أتربة وغبار..ويخطو ـ مزهوا بنفسه ـ خطوات جندي عاد من الحرب منتصرا.. يرجع إلى المكان الذي بدأ منه تفاصيل المشهد الدرامي.. يلتقط قصبة طويلة.. يضعها بين فخذيه وكأنه يمتطي حصانا يمسك بالطرف الأعلى كما لو كان يمسك بعنق الحصان ثم يطلق العنان لساقيه تسابقان الريح..يجري.. يجري..ويلهث حتى يختفي في الأزقة الضيقة، ذلك الطفل…ذلك الطفل كان أنا.
- ذلك الطفــل
- التعليقات