قبل أن أعود الى النوم من جديد، في إنتظار أن تعد زوجتي الفطور، سمعتها تعود إليَّ مولولة، ففتحتِ الباب غاضبة، ووقفتْ في إطاره مستنكرة، ثم صاحت في وجهي، الذي كان لم يُغسَل بعد، بنفاذ صبر وامتعاض شديد:
-الثعلب أكل الدجاج، وأنتما نائمان، أنت هنا واللعين الٱخر في الخارج !
قفزتُ من فراشي كأن أشواكا تفتقتٔ فيه فجأة، وصحتُ غاضبا:
-أي لعين في الخارج..أيتها اللعينة !؟
-أنا اللعينة !
– نعم أنتِ !
– أقصد الكلب الذي في الخارج، أيها….!
– أكمليها إذن، وسترين، أكمليها..أيها…
ماذا؟ الكلب او اللعين ؟
– صدق المثل القائل:(لَيْتيمْ كايَبْكي وْرَبّي كايْزيدُ)!
قالتها بحروف إنفجرتْ دموعَ قهرٍ من عينيها المصدومتين بإطلالة على صباح أسود، ثم انسحبتْ مولولة. كانت حقا يتيمة، بعد أن فقدتْ دجاجاتها، إذ كان علي أن أراعي مشاعر الفقد في دموعها، ولاأزيدها فقدا على فقْد ! لكن كيف السبيل والمشاعر المتضاربة تهرول في الصدور وراء أي مشجب تعلق عليه ؟ وماعسى المرء أن يفعل إذا كانت قسوة الرب، بحسب ذاك المثل، تزيد اليتيم بكاءا على بكاء ؟ لذلك خرجتُ لأرى اللعين، وأنا على يقين أنه تعمد أن يغفل عن الثعلب حتى يأكل الدجاج، إنتقاما منا، وقد سبق ولمّح الى هذا في ٱخر حوار ساخن بيننا، إذ زجرته بقسوة وحذرته بحزم من مفاتحتي مرة أخرى في الموضوع. فالتزم الصمت، ولم يعد يتمسح بقدمي ويحيّيني بذيله كالعادة، بل وأكثر من هذا، صار لايتبع الحمار كدأبه دائما، إذ كان يتوجب علي مرارا ربطه بالحبل كي لايتبعه. لكني إعتبرت الأمر زوبعة غضب عابرة ستنجلي، لامحالة، عن ذيل ثابت في أداء تحية الطاعة والوفاء ! لكن اللعنة لاتقع عليه وحده، بل على جاري أيضا، جاري الذي يعتبر نفسه من علية القوم، فاشترى كلب صيد، هو الذي يملك بندقية صيد، الأمر الذي جعل عيون كلبي تتفتح على مايعيش فيه كلب الصيد من رفاهية وماينعم به من امتيازات، مما حذا به الى مفاتحتي في الامر بحذر مشوب بالمكر، فقال لي باحتقار، فيم رأسه يشير جهة منزل الجار حيث كلب الصيد :
– إنه ليس كلبا !
– لماذا ؟
– لأنه لاينبح !
– إنه كلب صيد أيها الغبي !
– الكلاب تنبح، ومن لانباح له ليس كلبا !
– إنه للصيد وليس للنباح !
– إنه كلب..قبل أن يكون للصيد، ولاينبح !
– وماهو إذن !؟
– لاأدري عن جنس هذا المخصي !
– مخصي !؟
– نعم مخصي..فحولة الكلاب نباحها !
– وها أنت ذا أيها النابح، أيها الفحل، تملأ الدنيا ذرية من نباح..لكن، انظر، إنه أفضل منك !
– نعم نعم…
رد عليَّ كلبي بلهفة، واقترب مني أكثر، بعد أن وجد المدخل الذي كان يحوم حوله من خلال كلامه السابق، وأضاف فيم ذيله يعانق ظلي:
– نعم ذلك المخصي أفضل حالا مني..له بيت خاص، ولايفترش بردعة الحمار ليلا مثلي.وطعام معلب خاص، عكسي أنا الذي عليه ان يختار بين مايتبقى من صحونكم الشحيحة ونادرا مايكون عظاما إنتُشتْ أو نخالة طحينكم الخشنة مغموسة في الماء. كما له فوطة وصابون خاصين، وهذا لم يخطر على بالي حتى فكيف أحلم به؟ وفوق ذلك كله، يحظى بعناية من يد الطبيب وبركوب السيارة، ليرى نفسه في مرٱتها كلبا محترما !!
– نعم إنه كلب محترم !
– وأنا..كلب قذر !!
– أنت نوع ٱخر !
– وأنت الذي لاتملك بندقية صيد ولاسيارة، ألستَ نوعا ٱخر من البشر !؟
– ماذا تقصد أيها اللعين، أنا قذر مثلك !؟
– إنه لايفعل غير التقاط الطريدة، بعد أن تُسقطها الرصاصة، فيُعتبر كلبا محترما، ويُعامل بمايليق بمقامه الكلبي المحترم !
بينما الكلاب المسكينة أمثالي، تستنزف أعمارها، بتفان وإخلاص ونكران ذات، في حراسة المنزل ومافيه من أي غريب، سواء كان بشرا أو حيوانا، نهارا وليلا، وتضرب حول ساحة الدار سياجا من نباح، كي توفر لأصحابها الأمن والأمان، وتعرض نفسها في سبيل ذلك لشتى الأخطار، لتظل دائما كلابا قذرة، ولاتصير أبدا كلابا محترمة !!
– كان عليك أن تولد كلب صيد إذن !
– كل الكلاب تولد جراءا..البشر ينتقون بينها للصيد !
– كان على أمك أن تكون سلوقية، لأن أباك لاأحد يعرفه !
– وكان على أبيك أنت أن يكون صيادا، حتى تكون أمك زوجة الصياد، فتلدك صيادا، لترث البندقية والسيارة، عندها كان يمكنني أن أكون كلب صيد..لكنك ورثتَ الحمار ونخالة لإطعام كلب مغلوب على أمره !
قالها بسخرية بادية، بعد أن ابتعد عني مسافة أمان كافية، الأمر الذي أثار حنقي، وجعلني لاأتردد في قذفه بعدد من الأحجار لم تصبه، فهرب ملمحا الى إمكانية امتناعه عن الحراسة ليلا، وفَسْحِ الطريق أمام الثعالب كي تهدر دماء الدجاج، إنتقاما مني، وحتى أمام الذئاب لتبقر بطون الغنم، وهذا ما كان يمكنه القيام به لاحقا، لهذا قررتُ أن أكون حاسما وحازما معه، وعزمتُ على تجويعه الى أن يعود الى صوابه، فالمثل يقول :(جَوَّعْ كَلْبَكْ يْتَبْعَكْ)!
- ذيول
- التعليقات


