للكاتب خالد عابورة
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
للأقلام بريقها.. فمنها من يخفت ضوءه، ومنها من يظل بريقه ساطعا كسطوع الشمس، حتي مع نضوب المداد، واليوم وأمام نص للأديب/ خالد عابورة، وما أدراك خالد عابورة.. أقف مشدوها للنص بالكامل.. بداية من العنوان (ذاكرة) وكونه نكرة مما يعطيه خلوداً، انزياحات متعددة، تأويلات كثيرة تنسحب إلى أشياء مختلفة.
ننفذ إلى “النص” ونحاول تفكيكه بأسلوب يقترب من فكر “الكاتب” الكبير بقدر الاستطاعة.
نجد “الكاتب” أجاد إجادة المقتدر في رسم الإطار الكامل لما سوف يتناوله من حكي، وحدد الشخوص والأحداث، ومنازل الصراع بطلاقة، وتكثيف رائع، من خلال بلاغته المعهودة، واستطعنا تلمس حواف الطريق…
((جلستُ على المقعد المليء بالأوراق الخريفية؛ خرجت ذاكرتي من بين حين أصابعي، صعدَتْ على غصن شجرة.. بدأتْ تمارس بهلوانيات مجنونة.)).
ونكتشف أن “الكاتب” جعل من ذاته “بطل” العمل، و(الراوي).. وهكذا يجعلنا نتحد مع السرد، ونحياه مثله، ولقد وضعنا في مرحلة خريف العمر.. ننظر فيما مضي من أحداث مرت بنا، ونفرزها، ونسترجع الذكريات ونحياها من جديد مرة أخري، وهذه دلالة على استطاعة للمرء الحياة مرتين في عمر واحد!.
علاوة على الأسلوب الفلسفي الشيق الذي يسكبه لنا من بلاغة، وصور شاعرية…
//جلستُ على مقعد// مليء بالأوراق الخريفية// خرجت ذاكرتي من بين أصابعي // صعدَتْ على غصن شجرة// بدأتْ ذاكرتي تمارس بهلوانيات مجنونة//.
ثم يستطرد “الكاتب” الفذ في استكمال حواشي الصورة لنقف معه داخل البرواز الذي أجاد في رسمه، وتهذيبه كجراح ماهر…
((كهل أنا الآن، نظراتي لم تعد نيزكية، جلدي تَسَلحَف، حاجباي يصلحان للتعشيش.. تركتها تتراقص على راحتها.)).
بنفس القلم الرصاص نجد “الكاتب” يرسم لنا صورته.. التي هي صورة الكثير منا، أو على الأقل سوف تمر بنا إذا شاء الله…
كهولة// النظر غاب عنه نيازكه// الجلد كرمش// الحاجبان شعرهما كث.. أصبحا يصلحان أوكاراً للحمام والعصافير.
ثم ينهي هذا الإستهلال الجزي بجملة تقريرية.. ضاربة بجذور “النص”…
((تركتها تتراقص على راحتها.)).
ترك الذكريات ترتع، وتتراقص على راحتها.. غير مبال لما تحدثه على ذاته، وهذه دلالة على الرضى، والقناعة بالمكتوب.. خيره وشره، وهذه شيمة النفس المطمئنة. ثم يلج بنا “الكاتب” إلى صلب الفكرة، ومفردات الصراع الدائر، بتقطيع وتكثيف الجمل على أفضل ما يكون في مقطعين متتالين…
((انحنى عكازي ولم تتعب، غازلتها، توسلت إليها.. حفرتُ الأرض زاحفا نحوها؛ تتعرى و يزداد هيجانها، استسلمتُ بعد أن عانق ظهري ظِلَّه.)).
ونلاحظ براعة “الكاتب” عندما أدخل (عكازه) داخل السرد المدهش، وجمال التعبير، والتدليل بالمحبوبة (نصفه الثاني) بالعكاز الذي يتوكأ عليه في الكبر، ووصفها بعدم التعب رغم تقوس ظهرها، فكان عليه أن يرد لها الجميل بعدما التصق ظهره على الفراش، وضاع الظل، وتوحد مع الأصل.
وهذه (قراءة خاصة) يتحملها النص.
أم أن “الكاتب” يتحدث عن تلك (الذاكرة) بما تحمله من وجوه مختلفة.. (الحسن، والسيء)؟
ثم نأتي للمقطع الثاني…
((قَفزَتْ على صدري، حاصرتني بقدميها ثم بدأت بلطمي.. استجمعتُ ما تبقى من طاقة، امتد لساني اللزج و صعقها؛ تخدرتْ، فبلعتها بسرعة، ثم نمت كطفل بعد وجبة رضاعة زائدة.)).
وهنا لنا وقفة مع هذا المقطع.. خاصة وأنه يحمل الرمزية، ويخفي بين السطور ما لم يفصح عنه “الكاتب” كسابقه…
فلقد طرح أسئلة كثيرة، ولها تحليلات عديدة، ولسوف بعرض وجهة نظري.. فمن الصعب عليّ النفاذ إلى عقلية مثل (خالد عابورة)…
// قَفزَتْ على صدري // حاصرتني بقدميها ثم بدأت بلطمي// استجمعتُ ما تبقى من طاقة // امتد لساني اللزج و صعقها // تخدرتْ// بلعتها // نمت كطفل بعد وجبة رضاعة.
*من التي قفذت على صدره؟
هل هي الذاكرة التي تحمل الأفعال السيئة فقط؟
*ومن هي التي حاصرته، ولطمته بقدميها؟
هل هي أيضاً أفعاله السيئة؟
وهل للذاكرة قدمين؟ أم هي كناية جاء بها “الكاتب”.
أم (نصفه الثاني) غير راضية عن أفعاله السابقة ـ قراءة محتملة ـ
ثم تأتي الإجابات قاطعة..
ـ استجمعت طاقتي.. بلعتها.. نمت كمن تناول وجبة دسمه!
ورأي الخاص أن النص يحتمل قراءت متعددة، ويحتمل توفيقي. ثم نأتي إلى المنحني الذي جاء به “الكاتب” كخط يصل بما إلى “القفلة” والنقط التنويرية…
((استيقظتُ على أصوات طبول حرب مع حوافر أحصنة، ساحة معركتهم رأسي.))
ونقف مع هذا المقطع “للكاتب” الذي يتبين من خلالة مضمون.. الفكرة، والدلالات التي تنسحب عليه…
نلاحظ النقلة النوعية الناعمة “للكاتب” عندما بين لنا بأسلوب سردي مميز، ويعيد لنا دور (الراوي)… // استيقظتُ// أصوات طبول حرب// حوافر أحصنة// ساحة معركة// معركتهم رأسي.
هذا هو المغزى والهدف، ودلالاته غارقة في الرمزية، وكأنه يريد أن يرصد “الذكرى” الراسخة داخل، والتي تحيله إلى حالة انعدام الوزن.. ملقياً خيط رفيع أمام المتلقي الواع لِمَ اصاب الوطن العربي من حروب واهية.
ثم نصل إلى “القفلة”…
((تركتها تخرج مع كثير من الأموات ليتراقصوا بعيدا عن جسدي المتآكل.)).
بنفس الأسلوب المتفرد “للكاتب” يأتي “بقفلة” على نفس النسق، ويترك لذاته اختيار النهاية التي تؤكد أنه يعود من بين الأموات بـ (ذاكرة) تبعث في نفسه الحياة، والرقص.. برغم تآكل جسده، يمكن إحياء الأمل من جديد.

