للقاص سعدون البيضاني

نص القصة

ترقين قيد
دخل عبد الله غرفته ممتعضاً دونما سبب ، استوطنته الوحشة منذ فترة ليست بالقصيرة ، وحشة المكان، الروح التي نطّتْ من رتابتها وتركت سحنتها واضحة على تعاريج وجهه ، في غرفته هذه مرآة كبيرة يبدو انه انتشلها من احدى الثكنات العسكرية بدليل مكتوبا ًعليها بخط واضح من الأعلى – هل قيافتي كاملة؟، اصطفق باب الغرفة خلفه ، غرفته خالية من أيّما أثاث باستثناء سريره الحديدي وشمعة ملابس كلاهما ليس أمام المرآة ، هو ليس أمام المرآة أيضا ً، كان متنحيا ً إلى جانبها قليلا ً، حدّق بها شاهد فتاة جميلة تخلع ثيابها وتتمعن بجسدها الأبيض الذي يشبه إلى حد ٍما حليبا ً وقد وضع عليه قليل من الشاي فأضاف له حمرة تخلب الروح ، هو يحدٌق بهذا القد الرشيق لفتاة بمواصفات كان يحلم بها منذ سنوات فوجدها أمامه ككائن خرافي خلق من أجله فقط ، عندما شعر بأن موقدا ً يشتعل بين فخذيه إنتبه إلى الموقف والتفت إلى الخلف ، الغرفة مقفلة فمن أين هذا الإنعكاس ؟ عاد ينظر إلى المرآة مجددا ً ، وقف أمامها هذه المرة ، رأى أمامه رجلا ً لا يشبهه اطلاقا ً لكنه يرتدي نفس ملابسه ويتحرك بحركاته ، هل من المعقول هكذا هو وجهي ؟ أين لحيتي ؟ أين الصلعة أين أنفي العريض ؟ لا.. هذا ليس أنا ، قبل أن يصرخ مستغربا ً مدّ الرجل يده من المرآة ومسك عبد الله من ياقته ودفعه إلى الخلف ، نهض وعاود النظر في المرآة وجد الرجل يضحك عليه بصوت عال، استجمع قواه وخلع حذاءه وضرب المرآة بقوة ، لم تنكسر بل سال الدم غزيرا ًمن وجه الرجل القابع في المرآة ، ظل الدم يسيل منه وغطى وجهه ، تجمع عليه شباب ورجال يمسحون الدم من وجهه ويضمدون جراحه ويلقون بالشتائم على عبد الله الذي تسمّر في مكانه وأصبح خروجه من الغرفة أمرا ً مستحيلا ً بل اختفى صوته أيضا ً ، صاح عليه أحدهم : لماذا هذه الوقاحة وماذا فعل هذا المسكين لتضربه بحذائك الذي يشبه حذاء أبو القاسم الطنبوري يا وقح ، نذل ، أين تذهب ؟ الغرفة مقفلة عليك والمفاتيح لدينا .
– المفاتيح لديكم ؟ من انتم ؟
– ستعرف فيما بعد .
اتسعت رقعة البشر في المرآة ، الرجل أغمي عليه والدم بدأ يصعد من وجهه على شكل نافورة ، أكثر من خمسة أشخاص لحد الآن خلعوا ملابسهم ليمسحوا الدم حتى صارت كومة ملابسهم تشبه نارا ً مستعرة من شدة الحمرة وتوهجها ، بدأ الرعب يدب أكثر في قلب عبد الله ، وصل رتل من الرجال يحملون معاول وفؤوس ، ثم بدأوا الحفر حال وصولهم مكان الحادث ثم أتبعهم أربعة من رجال الشرطة مع كلاب بوليسية ومعهم المرأة الجميلة التي كان يحلم بها منذ سنوات / التي وجدها في المرآة بدء دخوله الغرفة ، نظرت إلى الرجل الممدد فصرخت ْ عاليا ً وشقّت جيبها ، نفس الجسم الذي رآه ، نفس السوتيان ،الذي ظهرت به قبل وقوع الواقعة ، لمحت ْ عبد الله واقفا ًفي الغرفة وحيدا ً كالتمثال ، صاحت عليه بصوت أنثوي هاديء وهي تقترب منه وكأنها ليست هي التي كانت تلطم .
– أنت! عبد الله ؟ لماذا يا حبيبي .. ألا تعرف أنه من أقربائي ؟
صاح عليها أحد الشرطة هذا ليس وقت هذيان ، اسمحي لنا بالتحقيق عن الحادث ، صاح الناس صيحة واحدة .
– حققوا معه ليكن عبرة للآخرين ، الكلاب البوليسية تقف على قوائمها الخلفية بحالة تأهب قصوى مادّة ألسنتها المرتجفة وهي مكبلة بالسلاسل تمسكها الشرطة بقوة وتكاد تخرج من المرآة ، المرأة لا زالت تقف نصف عارية ولم ينظر اليها غير عبد الله ، رفعت طرف ثوبها ومسحت ْ وجهها .. التفت عبد الله إلى الخلف وتأكد من أن الغرفة مقفلة – يا ألهي أين ذهب أهلي ألا يأتي أحدٌ منهم ؟ الهي .. امنحني فرصة الخروج من الغرفة ، أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ، عاد ينظر إلى المرآة ، وجد أن الرجل المغمى عليه قد أفاق والكدمات واضحة على وجهه ، تفرّق أغلب الناس ، قال أحد الشرطة : لنكمل التحقيق ، قامت المرأة وقد عدّلتْ من وضع ثيابها وقالت لعبد الله : أما آن الأوان لتعتذر حتى نتنازل عن الدعوى ؟
– عبد الله .. أعتَذِر .
– قال أحد الشرطة: لنوقع المحضر وأنت يا عبد الله مطلوب منك التوقيع .
– كيف أوّقع ْ؟
خلعت ْ المرأة ثيابها مجددا ً وخرجت ْ من المرآة ، دخلت ْ على عبد الله كمن يدخل من فتحة شباك ، إحتضنته بقوة.
– منذ متى وأنت تحلم بي ؟
– قبل أن يدبّ بي الخدر .
انسحب الشرطة وكلابهم ، صرخ عبد الله بأعلى صوته مناديا ً أهله ، دخل أحد اخوته بعد أن اقتحم الغرفة وكسر الباب ، لم يجد غير بقايا رجل وثوب امرأة يشبه إلى حد ما حليبا ً وقد وضع عليه قليل من الشاي ….

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

الرؤية والتحليل

العنوان
لقد توقفت أمام العنوان كثيرا (ترقين قيد) لكونه يمثل عتبة القصة، والبحث عن انزياحات العنوان الذي جاء مركب في كلمتين، وجدت شطره الأول …
ترقين : مصدر رَقَّنَ أو مصدر تَرَقَّى ، مصدر تَرَقَّى، ومعناها في اللغة : تَرْقِين الكِتَابِ : كِتَابَتُهُ كِتَابَةً حَسَنَةً أو ترقين الخَطِّ: تَنْقِيطُهُ وَتَبْيِين حُرُوفِهِ، تَرَقِّي الْمُوَظَّفِ : حُصُولُهُ عَلَى تَرْقِيَةٍ، تَرَقِّي السُّلَّمِ. والشطر الثاني …
قيد الإعداد: قيد البحث / على قيد الحياة / بقيد الحياة .. والقيد : بمعنى الحبل.
فنأخذ معنا تلك الانزياحات ونطرق باب القصة طرقاً هيناً في محاولتنا لكشف الأغوار، محاولين اظهار مدى مهارة “الكاتب” في التزامه المؤكد في تطبيق القواعد والأسس والعناصر في فن كتابة القصة القصيرة لتكون نموذجاً أمام المبدعين الجدد، وهو من هو، ومشهود له الإجادة على مستوى العالم العربي قاطبة، والمستوى العالمى.

الفكرة والمغزى:
ولما كانت الفكرة والمغزي هي العنصر الرئيس لدى المبدع حتى قبل أن يخط كلمة واحدة في سطور قصته، فنجد “الكاتب” قد حدد الموضوع، والشخوض، بداية السرد، وتناميه وصولا إلى “العقدة” ومن ثم حلها موضحاً “النقطة التنويرية” بالخاتمة (النهاية) المرجوة من القصة. ونلاحظ أن “الكاتب” تخير الخط الدرامي لقصته الرائعة، حول الصراع النفسى (للبطل) والمرآة، وامرأة، وشخوص ثانوية.

الحــدث:
ولمَ كان يمثل العنصر الأساسى في بناء القصة القصيرة فنجد “الكاتب” بما يملكه من تاريخ طويل في كتابة القصة والرواية، قد حدد لذاته أسلوبا يميزه يتفرد به وحيدا, فقد جاء بحدث ربما نظنه بسيط ومتكرر، ولكن سياق السرد، ومقدرته بالغوص في أجزاء نراها هامشية ليستخرج منها ما يشبع ذواتنا الأدبية، واستطاع أن يأتي بمجموعة الأفعال والوقائع مرتبة ترتيبا سببياً، تدور حول الموضوع الذي تخيره، وصور الشخصية الرئيسة، وكشف عن الصراع مع الشخصيات الأخرى بسلاسة في إطار وحدة “الحدث”.

العقدة أو الحبكة:

لمَ كانت “الحبكة” تمثل البناء الأساسي الذي بمقتضاه يمكن للمتلقي تتابع السرد، واكتشاف مقدرة “الكاتب” على الإستحواذ عليه، وربطه بقصته بجملة “الحوادث” ارتباطا زمنيا ، والوقوف على وحدتها من (بداية و وسط و نهاية) وفهم :
– الصراع الذي تدور حوله الحبكة ؟ أهو داخلي أم خارجي؟.
– أهم “الحوادث” التي تشكل الحبكة؟ وهل الحوادث مرتبة على نسق تاريخي أم نفسي؟
– التغيرات الحاصلة بين “البداية ـ الوسط” ـ النهاية” ؟وهل حملت “العقدة” أصل الفكرة؟.

أولاً : (البداية)
نجد “الكاتب” يأخذنا بأسلوبه الجذاب لبداية القص مستخدما الفعل الماضى {دخل} سريع الوقع على المتلقي، وسريع الحركة في السرد.

((… دخل عبد الله غرفته ممتعضاً \\ دونما سبب \\ استوطنته الوحشة منذ فترة ليست بالقصيرة \\ وحشة المكان \\ الروح التي نطّتْ من رتابتها وتركت سحنتها واضحة على تعاريج وجهه \\ في غرفته هذه مرآة كبيرة \\ يبدو انه انتشلها من احدى الثكنات العسكرية \\ مكتوبا ًعليها بخط واضح – هل قيافتي كاملة؟.)).

فهذا الاستهلال يوضح لنا تخير “الكاتب” الجمل الجزلة المقضوضة بعناية فائقة .. تسير الأسئلة لدى المتلقي، وتصف الحالة النفسية التي عليها “عبدالله” (بطل قصته)، والتكثيف والتركيز من خلال أسلوبه اللغوي المميز .. والحدث .. عبدالله والمرآة الكبيرة .
ثم يأخذنا بدايات الوسط …

((… اصطفق باب الغرفة خلفه \\ غرفته خالية من أيّما أثاث باستثناء سريره الحديدي وشمعة ملابس \\ كلاهما ليس أمام المرآة \\ هو ليس أمام المرآة أيضا ً\\ كان متنحيا ً إلى جانبها قليلا ً \\ حدّق بها \\ شاهد فتاة جميلة تخلع ثيابها \\ وتتمعن بجسدها الأبيض الذي يشبه إلى حد ٍما حليبا ً \\ وقد وضع عليه قليل من الشاي \\ فأضاف له حمرة تخلب الروح \\ يحدٌق بهذا القد الرشيق \\ لفتاة بمواصفات كان يحلم بها منذ سنوات \\ فوجدها أمامه ككائن خرافي \\ خلق من أجله فقط \\ شعر بأن موقدا ً يشتعل بين فخذيه \\ إنتبه إلى الموقف \\ التفت إلى الخلف \\ الغرفة مقفلة فمن أين هذا الإنعكاس ؟.)).

صراع سيكولوجي بدرجة امتياز .. متنامي في السرد المنطقي والطبيعي، وكأنه يجسد الحالة بكاميرا سينمائية، وبكادرات متتابعة .. نكاد نحياها مع (البطل) على أرض الواقع، ونتراجع إلى الواقعية (التسجيلية) في التصنيف القصصي .. فتاة تظهر له في المرآة .. كان يحلم بها منذ سنين, وكأنها كائن خرافي أثارت الشبق عنده.
ويكمل “الكاتب” وينفذ إلى …

ثانياً : (الوسط)

((عاد ينظر إلى المرآة مجددا ً \\ وقف أمامها هذه المرة \\ رأى أمامه رجلا ً لا يشبهه اطلاقا ً \\ لكنه يرتدي نفس ملابسه ويتحرك بحركاته \\ هل من المعقول هكذا هو وجهي ؟ \\ أين لحيتي ؟ \\ أين الصلعة أين أنفي العريض ؟ \\ لا.. هذا ليس أنا \\ قبل أن يصرخ مستغربا ً مدّ الرجل يده من المرآة ومسك عبد الله من ياقته \\ دفعه إلى الخلف \\ نهض وعاود النظر في المرآة \\ وجد الرجل يضحك عليه بصوت عال \\ استجمع قواه وخلع حذاءه وضرب المرآة بقوة \\ لم تنكسر \\ بل سال الدم غزيرا ًمن وجه الرجل القابع في المرآة \\ ظل الدم يسيل غطى وجهه \\ تجمع عليه شباب ورجال يمسحون الدم من وجهه ويضمدون جراحه ويلقون بالشتائم على عبد الله \\ تسمّر في مكانه وأصبح خروجه من الغرفة أمرا ً مستحيلا ً \\ اختفى صوته أيضا ً \\ صاح عليه أحدهم \\ لماذا هذه الوقاحة \\ وماذا فعل هذا المسكين لتضربه بحذائك الذي يشبه حذاء أبو القاسم الطنبوري \\ أين تذهب ؟\\ الغرفة مقفلة عليك والمفاتيح لدينا \\ من انتم ؟\\ستعرف فيما بعد.))

وتلاحظون نفس “الكاتب” في السرد الممتع, والذي لا نستطيع أن نستعنى عن جملة واحدة, وإلا إختل المعني والوصف ، وها هو يعود (البطل) يقف أمام المرآة، ويحدق ليتبين الحقيقة، وإذا به يرى شخصاً آخر يشبهه، غير أنه حليق اللحية ؛ كثيف شعر الرأس على غير الطبيعة التي هو عليها الأن … وهذه دلالة للعودة لأيام الشباب …
وقبل أن يصرخ تمتد يد هذا “الشاب” من المرآة تمسك بتلابيب “عبدالله”، وتدفعه للخلف ؛ ينهض ويعاود النظر إليه، فوجده يضحك عليه ؛ مما جعله يخلع خذاءه ويضرب المرآة، ولكن لم تنكسر .. ولكن سال الدم غزيراً من الرجل (الشاب) القابع في المرآة .. غطى وجهه .
ثم يستمر “الكاتب” الحصيف في التصعيد ليصل بنا إلى “العقدة” رابطا الواقع بالخيال، ونحن لم نستطع الفصل بينهما للدرجة التي نقر فيها أن تلك القصة احتوت على كل الانماط لكتابة القصة القصيرة بجدارة.
وسضيف … تجمع شباب ورجال يمسحون الدم من وجه (الشاب) القابع في المرآة، ويضمدون جروحه, ويلعنون (عبدالله) ؛ ثم يأتي بدليل يخص واقعة تاريخية تحدد موطن “الكاتب” [وماذا فعل هذا المسكين لتضربه بحذائك الذي يشبه حذاء أبو القاسم الطنبوري] .
ـ ثم يستطرد “الكاتب” الفذ في درجة التصعيد ليجعل “العقدة” لها تأويلات متعددة تتعدى الخصوصية، وتنسحب على قراءات ودلالات أكثر …

((اتسعت رقعة البشر في المرآة \\ الرجل أغمي عليه \\ الدم بدأ يصعد من وجهه على شكل نافورة \\ أكثر من خمسة أشخاص لحد الآن خلعوا ملابسهم ليمسحوا الدم \\ حتى صارت كومة ملابسهم تشبه نارا ً مستعرة من شدة الحمرة وتوهجها \\ بدأ الرعب يدب أكثر في قلب عبد الله \\ وصل رتل من الرجال يحملون معاول وفؤوس ، ثم بدأوا الحفر حال وصولهم مكان الحادث \\ ثم أتبعهم أربعة من رجال الشرطة \\ مع كلاب بوليسية \\ معهم المرأة الجميلة التي كان يحلم بها منذ سنوات \\ التي وجدها في المرآة بدء دخوله الغرفة.)).

أى عظمة تلك التي يأخذنا إليها “الكاتب”، وأى إسقاطت يريد أن نصل إليها؟.
ـ فمن هم البشر الذين اتسعت لهم رقعة المرآة ؟.
ـ ومن هم الخمسة أشخاص الذين خلعوا ملابسهم ليمسحوا نافورة الدم التى انفجرت من وجه “الشاب” ؟.
ـ ومن أين جاء الرتل الرجال ، وهم يحملون المعاول والفؤوس ؟.
ولمَ بدأوا الحفررفي مكان الحادث ؟.
والسؤال الأولى بالعرض : ـ
لأى شيء يرمز “الكاتب”؟.
هل يرمز إلى حالة عدم مقدرة الشباب على تحقيق أحلامهم بالزواج، وتأخر سن الجواز ؟.
وإن كان ذلك كذلك، فلما جاءت الشرطة، وكلاب البوليسية ؟.
هل الأمر استفحل لهذا الحد ؟؟.
ولماذا اصطحبوا معهم الفتاة الجملة حلمه من سنوات ؟.
وهل توحد الحلم بالواقع ؟؟.
ثم يعود “الكاتب” بالمقطع الآخير من “الذروة” …

((… نظرت إلى الرجل الممدد \\ فصرخت ْ \\شقّت جيبها \\ نفس الجسم الذي رآه \\ نفس السوتيان ،الذي ظهرت به قبل وقوع الواقعة \\ لمحت ْ عبد الله واقفا ًفي الغرفة وحيدا ً كالتمثال \\ صاحت عليه بصوت أنثوي هاديء \\ تقترب منه وكأنها ليست هي التي كانت تلطم تنادى : أنت! عبد الله ؟ \\ ألا تعرف أنه من أقربائي؟ \\ صاح عليها أحد الشرطة \\ هذا ليس وقت هذيان \\ اسمحي لنا بالتحقيق عن الحادث ، صاح الناس صيحة واحدة .)).
وهذه تمثل “ذروة” الحدث والعقدة، والحبكة التي صاغها لنا “الكاتب” بمهارة الجراح الماهر، وجعلنا نسرح في قراءات متعددة المشارب والمرامى .

ثالثاً : (النهاية)

وكما هو متوقع من “الكاتب” الذي أجاد في الاستهلال بـ “البداية” ، وتفوق في “الحبكة والعقدة” ها هو يرصد لنا المغزى الكلى من القصة، ويستطيع أن يحملها “النقطة التنويرية” مبتغاه، بنفس السلاسة، ونفس السرد المتدفق الرخيم …

((حققوا معه \\ ليكن عبرة للآخرين \\ الكلاب البوليسية تقف على قوائمها الخلفية بحالة تأهب قصوى \\ مادّة ألسنتها المرتجفة وهي مكبلة بالسلاسل تمسكها الشرطة بقوة \\ وتكاد تخرج من المرآة \\ المرأة لا زالت تقف نصف عارية \\ لم ينظر اليها غير عبد الله \\ رفعت طرف ثوبها ومسحت ْ وجهها \\ التفت عبد الله إلى الخلف وتأكد من أن الغرفة مقفلة \\ – يا ألهي أين ذهب أهلي \\ ألا يأتي أحدٌ منهم؟ \\ الهي .. امنحني فرصة الخروج من الغرفة \\ يامّن يجيب المضطر إذا دعاه .

يصور “الكاتب” مشهد الانسحاب من أرض الواقع أو {بالعكس} وكأن الخيال أصبح حقيقة، ويقيم العدالة الإلهية على أرض الغرفة المقفلة على “عبدالله” وأحلامه التي تسربت من بين كفيه رغماً عنه، أو بقعل فاعل أكبر منه ؛ ومسرح القصة, والمرآة .. عارضا المشهد بنفس الحنكة، وحتى نتوه معه ؛ في المنطقة الرمادية الذى فرضها على القصة منذ تخير عنوانها (ترقين قيد) الذي يعنى الرقي المقيد بشرط ، وكأنه يستدعى حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ) .
ثم يكمل خط “النهاية”…

… عاد ينظر إلى المرآة \\ وجد أن الرجل المغمى عليه قد أفاق \\ الكدمات واضحة على وجهه \\ تفرّق أغلب الناس \\ قال أحد الشرطة : لنكمل التحقيق \\ قامت المرأة \\ وقد عدّلتْ من وضع ثيابها \\ وقالت لعبد الله : أما آن الأوان لتعتذر حتى نتنازل عن الدعوى ؟\\
\\ عبد الله \\ أعتَذِر .
\\ قال أحد الشرطة \\ لنوقع المحضر \\ كيف أوّقع ْ \\ خلعت ْ المرأة ثيابها مجددا ً \\ خرجت ْ من المرآة \\ دخلت ْ على عبد الله من فتحة شباك \\ إحتضنته بقوة \\ منذ متى وأنت تحلم بي \\ قبل أن يدبّ بي الخدر \\ انسحب الشرطة وكلابهم \\ صرخ عبد الله بأعلى صوته مناديا ً أهله \\ دخل أحد اخوته \\ بعد أن اقتحم الغرفة وكسر الباب \\ لم يجد غير بقايا رجل \\ وثوب امرأة يشبه إلى حد ما حليبا ً \\ وقد وضع عليه قليل من الشاي ….

ونلاحظ نفس البناء المحكم، و وحدة القص والشخوص، والبيئة، واللغة، والتكامل في فن كتابة القصة القصيرة.
وهذه رؤيتي من منظورى الشخصي لقراءة النص المتعدد القراءات، والتأويلات فإن كنت وفقت في رؤيتي فمن الله، وإن كنت لم أوفق، فيكفيني شرف المحاولة.
خالص تقديري وتحيتي للكاتب الكبير الأديب \ سعدون البيضاني .
والله ولى التوفيق ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ

أضف تعليقاً