صوتي في نهر التاريخ المتدفق كالعواء في بؤرة الضمير الإنساني،ومثل المدية الساخنة التي تخترق الأحشاء. حسنا أنا اللطخة الحمراء، والداء المزمن، هل قلت إنه البذرة الخضراء في ربيع الذاكرة؟ و شاهدة القبر المنقوشة بيد مرتجفة،تلك الشاهدة التي تصرخ ضد الجريمة: أنا اللوحة المرمرية المصقولة ذات الخط المشوش المحصنة ضد النسيان. أجل من أجل الجبهة المضادة للنسيان.
ــ من أنا؟
بالتأكيد لا أريد طرح سؤال فلسفي ،بقدر ما أسعى ــ كما يحق لجميع البشر ــ نحو تحديد هويتي، سؤال الأنا هذا هو ما يخلخل تاريخي. ولو كنت تصالحت مع هويتي ما قطعت البحر لأخاطب جمهورا قد يتفل على وجهي، ومن يدري قد أعود بعاهات جديدة ، وربما لن أعود أبدا. بالنظر إلى مستجدات الأحداث الأخيرة كما أبرزتها وسائل الإعلام المختلفة.
حسنا دعنا نبسط الأمور قليلا. ولنخرج أوراق الهوية القديمة التي تواطأ الناس على إلصاقها بي كما لو كنت أمام شرطي .
ــ إذن أنا سارا بنجامين الشاهد على الجريمة، التي لا يقدر أحد على محو آثارها، إنني ــ ببساطة ــ مثل زهرة الحقيقة قد تغمس لسنوات في رماد النسيان، لكنها لا تلبث أن ترفع رأسها من قلب الظلام، فقط من أجل أن تزهر.
صوتي في نهر التاريخ المتدفق كالعواء في بؤرة الضمير الإنساني،ومثل المدية الساخنة التي تخترق الأحشاء. حسنا أنا اللطخة الحمراء، والداء المزمن، هل قلت إنه البذرة الخضراء في ربيع الذاكرة؟ و شاهدة القبر المنقوشة بيد مرتجفة،تلك الشاهدة التي تصرخ ضد الجريمة: أنا اللوحة المرمرية المصقولة ذات الخط المشوش المحصنة ضد النسيان. أجل من أجل الجبهة المضادة للنسيان . لست أنا من يرفض التصالح ،الألم هو من يأبى التواطؤ مع النسيان، عدو الذاكرة الطازجة، يصرخ الصوت الممزق بداخلي، من أجل كل أولئك الذين انطمروا بلا أسماء أو هويات مثل بذور الخريف في أرض الدم والدموع، تحت رماد آلة الموت الجماعي، هذه أنا ـ سارة بنجامين ــ سليلة هؤلاء الذين غاصوا بأقدامهم في أغوار أرض الموت، دون أن يكون لهم الحظ في الحصول على شاهدة حجرية تقول، ولو بصوت خافت لأحفادهم، إنهم مروا عبر درب الحياة الأغبر، أولئك الذين حاصرهم الموت من جميع الجهات وسد أمامهم المنافذ، الموت القاتم بكل وجوهه الحقيقية والمقنعة: الموتى في مملكة الموت والموتى في مملكة الحياة. وهذا الفريق الأخير الذي أكل التفاح الحجري، أكثر من غيره، طبعا مع الأخذ بالحسبان أولئك الذين ظلت أرواحهم تتخبط داخل صدورهم دون أن يقدروا على تحريك ألسنتهم بالكلمات المتكورة في ذاكرة القلب.
دعنا نقول إذن إنهم في عداد الأموات ،مجرد نقاط حبر، حروف منثورة بلا رابط بينها فوق الورق.
أنا واحدة من القافلة الممتدة بين طريق الشمال والجنوب صعودا ونزولا، وأنا فوق كل هذا ــ كامتياز من امتيازات الألم ــ مزيج من الدماء الناشزة التي تكون النهر الذي يشق الأرض من الشرق إلى الغرب، دماء تتنافر، دماء ما كان لها أن تتمازج في أصلها، ومياه ما كان لها أن تجتمع ،ما كان على الحوض أن يتلقى مياها قذرة، لولا لعنة الحرب، ما كنت البويضة الحرام العالقة عند منعرج الشك، القابعة تحت ظلاله، على موعد مع خوف يتململ.
ــ وماذا بعد يا سارة بنجامين؟!
عائمة مثل الفلين يا سارا بنجامين، أكنت تتوقعين هذا المصير، أكنت تعتقدين أن الريح ستأخذ قاربك إلى بحر الشك ؟ أواه يا سارا، ما كان هذا ليخطرعلى بالك، كنت ستنعمين بحياة هنية، وربما كنت أكملت دراستك، وحصلت على وظيفة جيدة أقلها في الجامعة، لكن هيهات هيهات ! تلاشى كل الجهد الذي سال عرقك لأجله، هجرت كل ذلك، فقط لأن القارب جنح بك بفعل ريح لم تعرفي من أين هبت.