لم أصدق حقا أن المكان خال من أي أحد، رغم أني طفت أرجاءه، منقبا بين أشجار الغابة وفوق أغصانها كما داخل سهوبها، ولبذت وقتا طويلا أراقب عن بعد مختبئا في شبه أجمة غير كثيفة جدا. إذ ماالذي يضمن أن الذي يراقبني لن يختبأ مثلي وراء أجمة، ويُحكم حوله إغلاقَ مجال النظر إليه ؟ وهل كان هناك أحد حقا يراقبني ؟ أم تهيأ لي فقط، بسبب الحرص الشديد الذي تحول وسواسا من أن يلمحني أحد ؟ لم أستطع الجزم بالأمر أنه مجرد تخيل وتهيؤ، أم فعلا هناك، وراء إحدى جذوع الكاليبتوس الضخمة، كانت عيون تتلصص علي. فكانت عيني تؤكد أنها حقا لمحتْ شبحا خلف الجذع، بينما مخاوفي ووساوسي كانت تميل الى تجسيد الشبح شخصا يلاحقني، فيم كان رأسي يذكرني من جهة بأن العين كما يقال بالدارجة( العين حرامية)،ومن جهة أخرى بالمثل الشعبي الذي يؤكد أنه لاتقُل خالية حتى تخلو منك أولا، ودون أن يستقر على جهة، ويبقى في ترنح دائم ! ماكنت قادرا على الجزم بأمر ونفي ٱخر، رغم شبه يقيني أن في ذاك المساء، عندما رصدت سيارة غريبة تحوم عبر المسلك الترابي، قريبا من ضريح كان له شأن قبل أن تزحف الغابة على خربته وذكراه، حيث كان معروفا أن في المكان حوله لازالت كنوز أخرى مطمورة، رغم مانُهب منها على أيادي صيادي الكنوز. وبعد أن راقبت حركتها، دون ان يرياني، وأيقنت من نيتهما، قررت أن لا أواصل طريقي الى المقهى، بعد أن راودتني فكرة جهنمية أشارت علي بانتظارهما الى أن يعودا ليلا، وكانا قد انصرفا إثر جولة إستطلاعية سريعة محاذرة أن لاتلفت نظر أحد، حيث أراقبهما من بعيد، وأتتبعهما الى أن يشرعا في الحفر، لأعرف مكان الكنز بالضبط، ثم أمطرهما بوابل من الأحجار الموجودة بوفرة، إلى أن أوصلهما السيارةَ، مع الإحتياط الشديد من رد فعلهما الغير متوقع، لكن معرفتي الدقيقة بالمكان وقدرتي على التنقل بين الأشجار دون الإستعانة بمصباح كانا يعطياني الثقة في العصف بهما عبر وابل من الأحجار. وهذا ماكان، بعد أن انتظرت ساعات طويلة في الظلام، دون أن أشعل سجارة في جو ميال للدفء، إذ تمكنت من مباغتتهما بوابل حجري، وفي إتجاهات عدة، كي يظنا أن هناك أكثر من واحد يهاجمهما، ثم انتقلت سريعا، بعد أن أطفأى المصباح وهربا، الى حيث تركا سيارتهما، وبعد انتظار طويل متوجس، حيث لم أسمع ولم أرصد صوتا على هشيم الأوراق والغصينات اليابسة على الارض، سمعت فجأة باب السيارة يفتح ويغلق،فانهلت عليهما من مرتفع قريب بالأحجار، أصابت إحداها السيارة وفجرت قرقعة في أذن الليل المرهفة، ولم أدع لهما فرصة للشك في وجود مهاجمين عدة وليس فرد واحد، وبقيت في مكاني أتابع أضواء السيارة المندفعة الى أن غابت عن عيني. ولم أستطع العودة الى المكان حيث كانا قد شرعا في الحفر، لأني في أعماق نفسي ماكنت قادرا على الحسم تمامافي كون الجن لاشأن له بالكنوز، وأنها مجرد خرافة تأمن على الكنز، وكنت قد رأيتهما على مصباحهما يشرعان رأسا في الحفر، كما في حفر أي حفرة، ودون طقوس خاصة توحي أن هناك قوة ماردة تستدعي سحرا جبارا. كما كنت أخشى عودة لهما مباغتة، حيث سيقتلاني لامحالة. لهذا قررت مراقبة المكان، حتى طلوع الصباح، عندها أضمن لاعودتهما، كما يمكنني الذهاب الى حيث كانا قد شرعا في الحفر، لأجل طمس الأثر كي لايتنبه إليه عابر ما، بانتظار الوقت المناسب لأعود وأستخرج الكنز ! لكن ورغم هذا الذي صار، ماكنت قادرا على الجزم بأن في ذاك الليل الأعمى، لم يكن وجود لطرف ثالث، غيري أنا وهما، صحيح لم أخبر أحدا بالامر، بل ولم ألتق أحدا ذاك المساء، على ذاك المسلك في تلك البقعة شبه الخالية، كما كنت على يقين صلب أني فعلت الأمر وحدي، لكن ربما كان هناك شخص ثالث وحده أيضا، شخص يعلم أني كنت هنا كما هما، وأنا وهما لاعلم لنا، وكان يهيؤ شباكه دون أن يلقي طعما، دون أن يرمي حجرا، ليغرف بيدي كنزا وقد ابترد ! وذلك رغم أني ظللت أياما طويلة أراقب المكان نهارا وطيلة ساعات الليل، لاأنام إلا بحلول الصباح، إذ اضطربت أيامي وصرت شاردا، حد أن تنبه البعض من أصحابي الى ذلك، واستفسروني الأمر، فكنت أتحجج بوعكة صحية. ولم أرصد شيئا يوحي أن هناك أحد ما يراقب المكان ويترصد الكنز، وبقيت مضطربا معلقا كمن يمشي على حد السكين، الى أن حل يوم ممطر، فكان أنسب يوم للحفر، لأني مااستطعت الحفر ليلا، مع الحرص أن لاأترك للوحل فرصة ليفشي أثري..لكن، ورغم هذا، وجدت نفسي أخيرا أخبأ المعول الذي تركه صيادو الكنوز في مستهل الحفرة، بعد أن توقفت عن الحفر، وكان قلبي على وشك القفز من صدري، ودون أن أستطيع الجزم أهناك فعلا من يترصدني ليخطف الكنز من يدي، كمن يخطف لقمة في طريقها الى الفم، وقد يقتلني لأجله، أم أنه مجرد تهيؤ ثقيل ؟ ولأجل هذا قلبت الغابة شجرة شجرة، وتتبعت السهوب القريبة سهبا سهبا، ومررت بعيني على الغصون غصنا غصنا، وأدخلت رأسي في الأجمات، ومن غير أن أعثر على أثر، أو جواب. إذ كان يمكنه تتبعي، هو الذي يراني، هو الذي يسير على هدي عينه، بينما كانت تقودني وساوسي التي لاأستطيع أن أجزم أنها وساوس فقط، خلف شبح تقول عيني أنها قد رمقته ! فاستبد بي التعب واليأس والغضب، إذ خطر في بالي أن أطوح رأسه بالمعول، إن أمسكته، إذ لماذا لايأتي ويكشف عن وجهه، لنستخرجه سوية، ونقتسمه ؟ ثم فكرت في كونه ربما كان من غير أبناء الدوار، فكدت أصرخ بصوت عالي يسمعه حيثما كان، ومن أي مكان كان:
– تعال لنقتسمه ياإبن الق…..!
لكني خشيث أن يسمع صياحي شخص ثالث، وتتعقد الأمور أكثر فأكثر. وعدت في إتجاه الحفرة، أدفع قدما مثقلة باليأس وأتبعها بأخرى تتعثر في غضب عاجز، لأتلف أثر الحفر،إذ كان الليل يسرع الخطى خلف غيوم حالكة وكنت مبللا تماما، رغم يقيني أنه صار يعرف مكان الكنز، ولابد أن يخطفه في أي لحظة من غفلة، فأقسمت أن لاأترك له الفرصة أبدا، ولن يأخذه لاهو ولاأنا، وهانحن قابعان في الغابة، يراني ولاأراه، لكنه لابد سيدرك أني وإن كنت لاأراه فإني أراه حيثما إلتفتُ. وأيقنت أنه لازال هناك نهارات وليالي طوال للمراقبة المتبادلة، لنعرف أيُّنا الشاطر، وأن أوان الفرح لازال بعيدا !
- ربما
- التعليقات