كانت بداية شهر مارس بدت سعيدة جدا وهي تقيس ثوب الزفاف من وقت لآخر فالموعد قد دنى أجله، أرادت ثوبا أبيض لم تلبسه غيرها وقد كانت قريبتها التي تسكن المزرعة نفسها من تولت أمر خياطته وحرصت على أن يكون تماما كما أرادت وتمنت.
لم تكن جميلة جدا لكنها كانت تأسر قلب كل من يعرفها أو يراها لسكينة في روحها وطيب في معاملتها ولابتسامة لا تكد تفارقها فهي حيث ولت وجهها كانت ترى الجمال جمال لطالما عكسته روحها.
استولى على قلبها حبها لأمها واحترامها لأخوتها الأربعة وشغف لقيثارتها وعشق لخطيبها وأمل في حياة رسمتها مخيلتها، مخيلتها التي أول ما زرعت فيها مروج أبيها الذي رحل مبكرا وهي بعمر العامين، لترسم بعدها أحلاما لونها خطيبها الذي يسكن في مزرعة مجاورة يفصل بينهما نهر. كان الكل يعيش حياة بسيطة هادئة وآمنة، وفجأة بين عشية وضحاها تلبدت سماء تلك الحياة ولم تعد كالحياة، ما إن تجمع الغيم حتى رسمت معالم المأساة.
ذات مساء اتصل خطيبها بها ولما أغلقت الخط كانت كمن تلقى رصاصة في قلبه وبقي واقفا لم يسقط بعد، عاصفة قوية عصفت بروحها وقلبها فأمطرت عيناها، وبينما هي كذلك فاجأتها أمها بأن حضرت والسؤال عما بها فردت كبريء محكوم عليه بالإعدام يساق للمشنقة – لقد طلب مني أن نهرب معا هذه الليلة…صدمت الأم للوهلة الأولى فكرت لثواني فكرت في كل ما كان يجري من أحداث مذ تلبدت سماء الأمن والاستقرار مذ عبست الحياة في وجه الخلق، وقالت لها – افعلي ما ترينه مناسبا لكن احذري أن يعلم إخوتك بالأمر…وخرجت وتركتها في متاهتها تحدث نفسها يعني أن مهما يكن مناسبا ما أراه سوف لن يكون مناسبا وبقي صدى الكلمات التي حدثها بها يتردد على مسامعه…علينا الذهاب الوضع صار فوق الاحتمال لا يمكن لاحد أن يتحمله وهي الفرصة الوحيدة للنجاة (ثم بصوت منخفض ويائس أكمل قوله) هذا إن نجونا…
وكيف نذهب؟…
لا بد من ترك المكان ولا يمكنني أن أذهب من دونك وأنا أطلب منك مرافقتي.
كيف أعبر النهر؟.
قمتي بذلك مرة أتذكرين؟، عبرته مرات مع إخوتك ويمكنك إعادة الكرة.
سأحاول…
أنا أنتظر قدومك…غادري مع الغروب…أن تعبري النهر مع جنح الظلام أكثر أمنا لك وستجدينني بانتظارك…أمر آخر ارتدي زي شاب…استعيري من أحد إخوتك (وضحك ضحكا صاحبه الألم ذلك وخز الحقيقة، الحقيقة التي أتعبت الأرواح والقلوب، بادلته الضحكة نفسها لكن بجرعات ألم أكثر فتكا، ختم المكالمة بصوت خافت وحزين قائلا: سأنتظرك، سأنتظرك).
لأول مرة في حياته يحدثها أن ينتظرها والحزن يتملكه كما لو أنه لقاء الموت فالأحوال قد تبدلت كثيرا وأصبح الموت سيد الموقف والسبب أطراف كثر ولم يعلم هوية الفاعل غير أن ما كان يحصل يفسره أمر واحد أنها قوى شريرة وورم قد استفحل في الأرض في صورة أشكال آدمية.
حضرت للمغادرة بسرعة وبقيت تنتظر الغروب وعلى جنح الظلام ودعت أمها بزي شاب حيث تمنت لها النجاة بحياتها لا أكثر ولا أقل وطلبت منها وعدا ان ما إن يصبحا بأرض أمان حتى يتزوجا ما إن تطأ أقدامهما فيها فوعدتها ومضت وعيناها معلقتين بالبيت هل ستراه بعد اليوم؟، هل ستعود وتجده شاهدا على حياتها فيه يوما؟، أم أنه سيلقى المصير ذاته الذي لقته آلاف البيوت أن صارت كومة من حطام؟، وهل ستعيش لتعود هي إليه؟، أم أنها ستلقى مصير الآلاف من مواطنيها الذين صاروا مجرد ذكرى.
رمت قاربا من قوارب إخوتها بالنهر ورمت بنفسها فيه وما كانت تعبر النهر بل كانت تعبر السنين للوصول إلى قاء يجمعهما للأبد، مضت تجدف في خوف فالوصول إلى المكان المطلوب لن يكون إلا بعد عشرين دقيقة ما خفف عنها هو لقاءه بعد انقضاء هذه الدقائق التي كانت بمثابة عشرين سنة بالنسبة لها، تذكرت أول لقاء بينهما وكيف أنه أحبها وأحبته لم تنسى شيئا مما قاله لها أو هي له قالته، وفي عتمة الظلام كان القمر ينير طريقها شيئا فشئيا كما كانت تنيره عينا حبيبها وقصة حبها له.
فجأة اهتزت مياه النهر صارت غاضبة ولم تعلم السبب بقيت تجدف بيدين مرتعدتين وقلب يناجي ربه للوصول بسلام فما موعد القلوب الذي يفوت وقلبها عند الضفة ينتظرها ويتأمل وصولها في أية دقة من دقاته لكن المياه قد اشتد غضبها وراحت تقذف بالقارب هنا وهناك حتى لفظها عنوة وبقيت أمام مصير مجهول ذلك المصير الذي تبعها من امتطت النهر.
قاومت بعزم وإصرار المياه التي كانت تجرها بعنف قلبها كان السند الوحيد وروحها التي لم تأبى أن تفوت اللقاء ساعدتها على الخلاص حتى صارت على الضفة حيث مكان اللقاء، كانت مبتلة بالكامل، ترتجف بردا يكاد نفسها ينقطع، بذلت جهدا كبيرا للخروج لليابسة، تأملت المكان جيدا ولم يكن له وجود فرجحت أنه لم يتوقع قدومها في ذلك الوقت لربما أتت أبكر مما كان يتوقع.
ولوجود بعض الطين عليها كانت قد علقت بها وهي تحاول إنقاذ نفسها دنت من النهر وراحت تغسل ثيابها وأطرافها وحتى وجهها وما أن أنهت ورفعت رأسها حتى رأت شيئا غريبا بالنهر كما لو أنه شخص تحمله المياه الهائجة إليها ولما تأكدت من كونه إنسانا قد صار جثة، تشجعت وتمالكت نفسها وقامت بسحبه إلى اليابسة وبمجرد أن انكشف لها حتى وقعت على الأرض جالسة إلى جانبه لقد كان هو إنه من أتت للقائه ليحملها بعيدا عن جحيم البشر وقد كان جسمه مطرزا بالرصاص طلقات حملت روحه إلى ربها وحملت جثته إليها. اختفت كل الألوان عن وجهها إلأ الأسود فقد لاح بقوة قوة يمكنها أن تأخذ روحها دون أي طلق للرصاص.
حتى أمام فاجعتها لم يكن لها وقت لتنعي نفسها أو تبكيه لقد سبحت في مياه لم تحمله فقط بل تشبعت بدمه واغتسلت منه وبعد أن تيممت بحبه تيممت دمه أيضا وأي فاجعة كتلك…ما هي إلا لحظات وسمعت جلبة وضجة كبيرة تتقدم نحوهما وقد كانت تفكر أن تقوم بحفر قبر له وتسكن معه فيه، لكن أمام الأمر الطارئ لم تجد إلا أن نزعت قطعة من قميصه، ربطت رجلها برجله احتضنته بقوة وسحبت بنفسها إلى أن وقعت معه في النهر واستمرت في دفع نفسها حتى أخذهما التيار معا دون أن تفلته في ذهاب لا رجعة منه.
- ربيع العمر
- التعليقات