اضطربتْ قهوتي في فنجانها، تلاطمتْ أمواجها السوداء، فاضتْ على طوق سور زُيّن بياضه برسوم الزهر وألوان الربيع، لامستْ بدفئها أناملي البيضاء النحيفة حينما تحررتْ من ضيق المكان، خفتتْ عاصفة ارتعاش كفّي، واسترجع القلب من بعد شدّة الخفقان أنفاسه، رأيت ماء قهوتي المحمّل ببقايا البنّ تناثرت قطراته فوق نتوءات عروقي، ومسام تجاعيد ظهر كفّي. ناولني محرمة كي أمسح ما تناثر، وأجفّف ما استنقع على صحن الفنجان، تحجرت الكلمات بين شفتيّ أن أقول له: شكرا، لم أجد من لغة الكلام إلاّ ابتسامة خفيفة، وباقي ملامح وجهي تقول كلاما آخرا، حاولتْ أن أخفي ارتعاش أصابعي، واحمرارا طفى على سطح وجنتيّ لا أعلم كيف أداريه.
مسحت آثار زوبعة فنجاني، استرجعت ما قال لي : “هل تقبلين الزواج بي” لعلّ كلامه يحمل معنى غير الذي فهمتُ، أحقا يريد الزواج بي ! أيقصد فعلا معنى الزواج ! أبعد كلّ هذه العقود من الانتظار هناك من يفكّر فيّ، يراني كامرأة ككلّ النساء، يشتهي غزو بحاري البعيدة، وقطف ثمار حدائقي قبل أن تسقطها رياح الخريف! أمازالتْ رياحي تُغري أشرعة البحّارة، وتجذبهم لأحضان أمواجي الهادئة !
لكن مخالب ذلك الخوف اللعين تدمي نشوة روحي العطشى لماء الفرح، تفسد طقوس غرام جديد، تهدم قصورا شيّدتها في ليالي الشتاء الطويلة، خوفي من عيون لأناس كلامها أقسى من كلام الشفاه:
ـ أبعد عمر حطّمته السنون مازال في قلبها مكان لعشق جديد؟
ـ أمازال فتيل قنديلها يضيء بعد طول انتظار؟ وبعد برد الليالي الطوال؟
صحوتُ على صوته بعد شرود حملني حينا لشواطئ فيها أمان، وفيها بذور للفرح أينعت بعد عذاب انتظار طويل، وحينا على رؤوس الصخر يرميني، يحطمني، فلا أرى من بقايا الروح إلاّ أشلاء مبعثرة.
أعادني صوته إليّ، إلى طاولة في ركن هذه المقهى الهادئ، رأيت في بريق عينيه كلاما أكثر من كلمات قالتها شفتاه: أراك سكتِّ، هل ترفضين عرضي؟ صحا كل حلم رسمته منذ الصبا، ومنذ الطفولة حين أزيّن دميتي أراني في الكون أحلى عروس، صحا كلّ جرح أدمته شظيّة حلم تحطّم، وحين رأيت تباشير ربيع جديد، وضوء تسلّل لعتمة كهفي، تقول: هل ترفضين عرضي؟ وقفنا معا، مددت إليه يدي، وحين مسكها أباحت له بكل الكلام، لأني عجزت أن أجد في كلّ الكلام كلاما.