دخلت القاعة قبل كساد الروح. كان الحفل صاخباً، لم تكن خطيئة أو إثماً، خطواتي تحملني إلى كون جديد ربما لم أعتده من قبل، كان مساءً منسوجاً من زمن جديد، الحواس تلتقط أحاسيس الحضور ونبض الوجدان، تُشكّل صوراً مجنّحة بتبادل الابتسامات والعناق بعد فراق طويل، عيناي المعلقتان بأستار الانتظار تدوران في محجر المكان، تبصران المسافة المعلّقة بين فتنة الشعارات الجامحة بسحر الأماني وبين ليل طويل صادر أحلامنا المقمّطة بين عيون الذكرى، ذكريات مصلوبة على حنايا الجوع والموت والخيانة وما تشتهيه رصاصات مدفوعة الثمن وقت الحروب. كنت أنا دون أن أدري أسكن راحة يد الذكرى، أدقّ بابها، تباغتني رغبة تنشد نبض الصدى، أغيب في طي المكان وضجيجه. أمضي وحيداً حزيناً على قارعة الفزع، أصابتني وطأة الحرب والنيران وخطو أحلام ملوّثة بالدهشة والحيرة ممّا يجري لنكون عشباً للحرائق، كانت الأفواه الحرّة تركب صمت المشانق، أجيال ملوّنة بالقهر والجوع، مساكن تمكث في حدقات الموت، بنادق مكتنزة بشهوة القتل، وأصوات تغنّي قهراً للفضائح،هي الجراح وتفاصيل الطرقات التي تحكيها وقع خطواتنا المرتعشة بالفزع وظلمات المجهول فوق أرصفة مدينة متّشحة بالسواد. بلّلتُ ريقي بأحلام هاربة من ذاكرة الأيام لعلّني أسرق بعض الفرح من نافذة تظلّل ماء القلب، كان المدى يهمي دمعاً ويسفح وجداً، حين ضاع الطريق، وبرقت المدن تولول بالهزيمة في عواء مغلّف بالهذيان، لكنّ عيني كانتا تبرقان بحكايات الفجر. كنت أبصر دبيب الفراغ، يعدّ ما تبقى من خطواتي، تعثرتُ بنبض الحريق، فتعثرت أنفاسي في صمت الخطايا بكاءً وعويلاً، فمكثت حينها فوق الأنين أرتّب ما أفسدته جوقة القرود وشهوات العواصم، كنت أتنفس رائحة الحرائق وأمسّ بذاكرتي رماد الليل، ليل يستحمّ بموج رغاء الخراف التي ساقتها ذئاب الكذب والخديعة. تربت على كتفي يد الحاضر:
– سيبدأ الحفل، أراك غبت عنّا.
– آه، لقد أيقظتني من كوابيس الأمس، عجيب أن يستعرض المرء حوادث الدهر بدقائق بخسة.
كانت الذكريات معطرة بنشوة لا توصف، وشذى يفوح بالكبرياء وصلوات الحب، ذكريات ترقد تحت رماد الفجيعة ، ذكريات تسأل عني:
– أين أنت؟
– لاأدري.
وحين اعتلت منصة الحفل امرأة لها قامة الخيلاء وارتعاشة الورد، تتمطّى بزهو، ينزّ من شفتيها عطر الهمس، وتختصم الدهشة وأبصار البلهاء عند رفيف شالها البنفسجي، كان الصمت يخيّم فوق شفاه الحاضرين، والضجيج يرقد عند حافة موته، رافعاً قبعته إجلالاً للآتي. رتّلتْ في الحضور سمفونية الفارس الذي امتشق سيفه بالأمس ولم ينحنِ لمطلع الهزيمة، كان وهجاً في الليلة الظلماء، ومضت ترسم بأنامل فورتها المشتعلة دبيب خطواته،
“تعالوا ننصت لخفقة دمه وذكرياته المثيرة، نحدّق في محطات خطاه المشتعلة بالصبر والعنفوان!”
ولمّا علا التصفيق والصفير، لا أدري لِمَ كان يخيّل إليّ إنّها خرجت من فجّ إبليس، كنت انتظر الخطاب بلهفة لحامل أحلامنا قبل أن يستعمرني وجلٌ خفي. أبصرته عن بعد رجل لم يطأ الخمسين بعد، محاطاً بفتية يحملون السلاح، عيونهم تحدّق دونما اتجاه، وعيون الحاضرين كعيون المومياء يملؤها الهواء، يخترمها فرحة تتأبط ظهر كلمات الإعجاب. كان الصوت بعيداً يغور في أعماق الألم، يتلو علينا سيرة الحرائق والخراب والخوف، سيرة الأمس المكبّلة بالطغيان والصمت، وكنت أنا معلقاً بين قطيع من نور وبين بريق كلماته وشجن عالمه الحزين، لم يكن الصوت غريباً، أو هكذا كان يبدو لي للوهلة الأولى، دقائق تمرّ قبل أن تحاصرني الذكرى بموجِها، فنضحت ملامحه، تهجّيتها بارتباك شديد عند شواطىء لحظة فزع مرّت قبل أكثر من عشرين عاماً، حدّقتُ فيها ملياً، تفرّست غطاءها، لم يكن غيره، إنّه هو!كان وقت الظهيرة، والجميع معلّق من دمه مصلوب في جذوع الخوف والحرمان والجوع، كان الوطن قبراً شاسعاً، سجناً وسيعاً، دعوته لأن يحمل معنا راية خارطة الوطن الجميل لنبدّد هذا الليل الماسك بأعناق الجياع، لم يجب، رأيته خائفاً مرتعشاً، كان جسده يؤدّي ببراعة رقصة الخوف عند أعتاب المقبرة الراقدة على أطراف مدينتنا الحزينة، سألته ولمّا يزل مرتجفاً:
– ما الذي يمنعك من العمل؟
تعكّز على أعذار واهية:
– ألا تعلم أنّي لاأقوى على الأمر، أنا أخشى على أخوتي وأمي؟ ثمّ أن أمرك هذا لايجدي نفعاً، كأنّك تتوهم أّنّنا نخضع لحكم الرعب، أراك تلعب بالنار ياصاحبي. لا زالت صورته عالقة في ذهني، كان فزعاً مصفراً مرعوباً، يجدف خوفاً، يلتفت يميناً وشمالاً، غارَ في صمتٍ بليد، حاول أن يدثّر رجفته بكلماته المخنوقة، ولمّا لم يحتمل عصف الكلمات، طفق يجمع ظلال عورته وصمت عريه قبل أن يلوذ بالفرار. لم أره منذ ذلك الوقت. كانت ملامحه تقصف دمي المحترق بالدهشة بلا هوادة، وتفتح جرحاً بين أضلعي، دسّ كلماته في ثغر الفراغ أخرجها بيضاء للناظرين، كان الهتاف رجيماً،
“كيف يمتص ألم جراحنا ويأخذ شكل خطانا الأولى المكبّلة بالغضب؟”
كنت عالقاً بالصراخ والرفض حين رسمت عيناه قيداً في الفراغ، يلهو بإقدارنا، يجرح أحلامنا، كنت منذهلاً تستبدّ بي نار الجنون، محمولاً على كتف الصراخ وأنا أرآه يلوّح براية النصر. كنت أسبح في دوامة من الدهشة، استنشق عبير الشمع حين يموت، وأبصر قذارة طحلب يعوي في متاهات الفراغ، وهو يمتطي جراحنا، “إنّي لأعجب كيف يحيا دون حياة؟”
الصراخ، ووجع الدماء يتلاشى بين الصفير والتصفيق ودخان السكائرالمعلّق في سقف الفراغ. كان الصوت يقتفي أثري:
– ألم تكن أنت….؟
– بلى، كنت أنا قبل حرائق الحفل.
- رجل من ورق
- التعليقات