انطلقت الرحلة من بنزرت نحو تونس كالعادة على الساعة الثامنة صباحا , لقد وصل في الوقت المناسب للمكان المناسب ,كانت الرحلة هادئة و ممتعة .
غير أنّ ذلك لم يدم طويلا حيث حلّ بالقاطرة التي أمتطيها شيخ وقور لاح لي في بادئ الأمر أنه متصابي , مرت اللحظات و اتخذ من الكرسيّ المجاور لي مقعدا له قائلا و هو يبتسم : ” الشّباب لا يجلسون إلاّ بجوار الشّباب ”
نظرت إليه مبتسما ففهم ترحابي به و حبّي للإنصات إليه و مشاركته الحديث, ثم أردف متسائلا: “كيف للمرء في يومنا هذا أن يُوفّق في تجهيز ابنته التي قرب موعد زفافها؟ …و كيف أضحى تجهيز العروس عبئا ثقيلا على كاهل الأب المسكين ؟ لقد أصبح ضرورة ملحة حتّى يٌقال بنت فلان حملت لعروسها الجليل الكثير من المتاع الباهظة.. و إنها فعلت مثل بنت حامد أو مصطفى و هذا طبعا بأس الإقتداء حسب اعتقاده لأنّه يحمّله ما لا طاقة له ” .
ثم سألني مرّة أخرى : ” لماذا لا يقتدي العرب إلاّ بهذه العادات و التقاليد البالية الزائفة ؟”
حاولت أن أشاطره الحديث فقلت له : “مثل ذلك مثل الفرس و العجم و حتّى سكّان الأندلس فالفرس حاولوا من خلال بناء الدولة العباسيّة و الاستحواذ على جل المناصب الرياديّة للدولة كالوزارات و الكتاتيب و العلوم و الآداب , لتحقيق مآربهم , فظهرت الشعوبيّة و محاولات عدّة للارتداد و الثورة ..فاعترفوا بالإسلام دينا لهم و عادات العرب عاداتهم في إطار المغالاة و المغالطة و الإيهام , حيث أنّ أغلبهم بقي على دينه و مذهبه المجوسيّ أو المسيحيّ أو حتّى الزرادشتيّة .(1).”
لم أتمم كلامي حتى شكرني جليسي على فصاحتي و أفكاري و اهتمامي بمبادئ العرب في علاقتهم بالشعوب الأخرى .
و أضاف قائلا باللهجة العاميّة التونسيّة : ” إيه يا وليدي كلامك كله صواب ..أنا عمّك الحاج محمد من عائلة محافظة تعلمت في جامع الزيتونة تلاوة القرآن الكريم و النطق و المنطق و التاريخ ..آه يا وليدي ,التاريخ يسير بلا مصير . دائما العرب تسير نحو الهاوية نحو التخلّف و الجهل على عكس بقيّة الأمم .”
و يواصل بعد هنيهة من الصمت و أخذ قليل من” النفّة العربي “(2) : حتّى إن حاولوا التقدّم فإنّ محاولاتهم كانت بمثابة الانبهار بالآخر – أي بالدولة الفرنساوية أو الإيطالية …أخذنا القشور و تركنا اللبّ . أنا مثلا لي ثمانية أبناء جميعهم متزوّج أشترط عليهم في فصل الصيف عند زيارتي أن يرتدوا ملابس محتشمة ليست كما نشاهدها في التلفاز و أن يتجنّبوا بعض العادات و التقاليد التي تخرج عن أعرافنا و مذاهبنا كأنواع الحلاقة وغيرها …”
إنّه زمن غريب رهيب انحطت فيه جلّ القيم السامية و ركدت فيه العقول و تدهورت الأمة العربيّة الإسلامية …
مرّت السّاعات كأنها لحظات ووصل القطار إلى المحطّة فنبّهنا صوت مزماره المدوّي بانتهاء الرحلة حينها نظر الشيخ نحو النافذة ثم قال مبتسما :” ما بطيناش (3) برشا ” .

أضف تعليقاً