أحب اللون الأحمر جدا .. وإعجابي به يزيد إذا كان في فستان طفلة جميلة .. أو ترتدية فتاة حسناء بيضاء اللون يتناغم رداؤها مع لون بشرتها .. أو أن يكون جزأ من علم بلادي .. وأحبه حينما يرتديه لاعبو فريقي المفضل .
ورغم كل ذلك ورغم حبي للون الأحمر إلا أني لم أرتديه ولا مرة طيلة حياتي .. للأمانة كنت أرتدي فانلة حمرا أثناء لعب الكرة .. لم أشعر أن اللون الأحمر يليق بي كرجل.. من أين إستقيت هذه الفكرة لست أذكر الآن .. ولذا نشأت أتحاشى هذا اللون في ملابسي تماما .
أرتديه منذ شهرين طول الوقت ومرتاح جدا به .. أيضا أشعر ويا للعجب أنني متوافق معه تماما .. وهو أيضا يليق بي كرجل .
والحقيقة أن الرداء الأحمر ليس هو هاجسي الوحيد هنا .. فهو إن كان يدل على ما أنا مقدم عليه وما سأواجهه قريبا جدا .. إلا أن ما يشغلني هو تساؤل عن موقفي هل هو صحيح أم لا ؟.
ولابد ان أوضح انني لم أشأ أن أكذب أو أحاول دفع التهمة عني .. قلتها صريحة لكل من سألني للمحقق وللقاضي .. حتى لو رفضني الجميع ما كنت لاتراجع .. وتحدثت بدون توقف ….
نعم فعلتها بل ومستعد أن أفعلها مئات المرات لو كان ذلك ممكنا .. لم أذرف الدموع ولن أتسول العدالة .. كم هو متفاءل من ينتظر العدالة من القضاة في هذا العالم ..
أود بداية أن أخبركم بشئ هام .. هو أنكم لاتعرفوني جيدا .. ولاتعرفوا غالبيتنا البائسة .. لاتعرفوا من نحن ولا أين وكيف نعيش .. لم يخطر ببالكم أن نكون موجودون تحت سقف بلد واحد .. حتى هذا السقف تستكثروا علينا أن نستظل به .. كأنما الأرض والسماء في هذا البلد ملك لكم وحرام على أمثالنا أن يتواجدوا فيها .. لقد طالب السيد وكيل النائب العام أن تكون عقوبتي هي الإعدام .. وهي ليست عقوبة وإنما راحة لي .. ووسام على صدري .. بل هي منتهى ما حلمت به حتى الآن .
وأراك تسأل في استنكار وهل ما قلته مبررا للقتل ؟ نعم سبب قوي أعتبره دفاعا عن النفس أيضا ..
لقد قتلنا جميعا تحكم في الهواء .. يعطي هذا ويمنع ذاك .. وكل بقدر معين ولامجال للزيادة .. بني لنا سجنا كبيرا واسعا بمساحة البلد .. خانقا كما الملابس الضيقة وربطات العنق بالأيام القائظة .
ليس لنا ان نأمل في نسمة هواء أو ضوء شمس .. تم منع القمر والنجوم من الخروج بسمائنا .. الحكم له وحده .. ومليون مسرور سالا سيفه لقطع ألسنة العباد قبل أعناقهم ..
ترى يا سيادة القاضي هل يكون لنا حلم في عالم كهذا ؟ وأراك ترد بعنف وما قيمة الحلم يا بني الواقع أحلى ألف مرة .. نعم واقعكم أنتم أحلى ألف مرة من أحلامنا ..
هل تعلم أننا نخشى أن نحلم بواقع قريب من واقعكم .. نخشى حتى أن نقول أننا نرى هذا الواقع .. هل الخادم يرى السيد كما يرى السيد نفسه ؟ .. العبد يا سيدي ليس له عينان يرى بهما أو أذنان يسمع بهما .. صادرهما أسياده وبلا رحمة ..
أراك مندهشا يا سيادة القاضي .. ومازال هناك كثير يمكن أن يدهشك .. وإني أسألك هل تستطيع أن تعيش في بيوتنا يوما أو يومين أو ثلاثة بقدر طاقتك ؟ .. أقصد أعشاشنا وقد صرنا بسببها نعيش كالعصافير وزنا وعقلا وحلما .. فنحن لانستطيع أن نحلم بالحب أو الزواج أو الأسرة ..
صدقني مهما تغيرت ملامحك وبدا عليك التأثر بما أقول .. لن تفهم الإ حينما تجرب .. جرب أن تعيش في حي كحينا ومنزل كمنزلنا وتمارس حياتك كما نمارسها نحن .. هل تدرك كيف نعيش ؟ ..
هل جربت يا سيادة القاضي وأنتم أيها المستشارين العيش في عشة بديلا عن قصوركم وبيوتكم الفخمة ؟ .. هل تعلم إحساس العيش في غرفة واحدة لكل أسرتك وبحمام مشترك مع أربع عائلات ؟
هل جربت أن تفقد خصوصيتك في منزلك ؟ آسف في غرفتك التي بها إختلاط لايعلم مداه إلا الله ؟ هل فكر أحدكم في كم الأمراض الإجتماعية التي تملأ عالمنا دونما مقدرة منا على مواجهتها ؟ ..
هل سرتم بشوارعنا الغرقي بمياه المجاري ؟ هل انحشرتم بمواصلاتنا بديلا عن سياراتكم الفارهة ؟ هل جربتم أن تصدم أحدكم سيارة مسرعة من سيارات الأكابر وتتركه ليموت ؟ .
ناهيك عن أطفال الشوارع ولايعرف أحدكم كيف يأتوا وكيف يعيشوا وما هو الصداع الذي يسببوه للمجتمع ؟ هل توقف أحد منكم أمام مثل هذه الأشياء ؟
هل عانيتم الأمرين بالمحاكم ؟ وأن يظلمكم أحد الوجهاء باسم القانون ؟ وأن ينتزع منه بيته أو أرضه وبالقانون أيضا ؟ القانون الذي يتكيف حسب رؤيتكم أنتم ..
هل تتحمل أن تفقد كرامتك بل إنسانيتك كلها مع أول خلاف بينك وبين موظف عام ؟ .. هل جربتم أن تأكلوا من القمامة بديلا عن موائدكم العامرة ؟ كثيرون جدا منا ينتظروا فضلات هذه الموائد ؟ . هل جرب أحد منكم قلة المال أو انعدامه .. أن ينتظر الصدقة والإحسان تأتيه من أبواب خيركم ؟ نحن يا سادة ننتظر رمضان ليس للعبادة فقط ولكن أيضا لكي نعيش ونحس ببعض متعة الطعام مثلكم ! .
هل عشتم تجربة المرض والبحث عن علاج ؟ .. هل بحثتم بداية عن لقمة العيش والحق في العمل ؟ وكثير من الأسئلة عن حظنا من التعليم وكيف نسير فيه بقوة الدفع الذاتي .. وأخرى عن المستقبل وكيف ننظر له ؟ نحن غير مرئيين تماما .. شعب يعيش تحت الأرض وحينما يخرج لكم ويسأل عن حقه .. لايكون له إلا أن يداس بالأحذية .. ويكون هو الجاني في النهاية .
ألا ترونها غريبة جدا أن نعيش على الهامش ونعمل لأجلكم ونموت بديلا عنكم ؟ ولا شكر ولا أجر؟
جربوا كلكم مأساتي بل مأساة الغلابة وعيشوا كما نعيش .. ألسنا سواسية ألسنا ابناء وطن واحد ؟
أتمنى أن تسمعوني بلا مقاطعة للنهاية كآخر أمنية لي ولن أطيل على وقتكم الثمين .. أكيد لديكم ما هو أهم مني .. ما هو أهم من الوطن نفسه .. كل ما قلته ليس كره للوطن إطلاقا .. لكن يبدو أن الوطن كارهنا .. بل انه يلعن اليوم الذي ولدنا فيه .
جبت الأرض مع أترابي بحثا عن مستقبل ومأوى ورزق .. رحلة وراء رحلة وركبنا البحر فغرق كل رفاق الرحلة .. ليتني غرقت معهم فقد إرتاحوا .. وها أنا أغرق هنا في الوحل مرة ثانية .
طاردني الهم والفقر في كل مكان كنت أهرب منه فيه .. لم يعد من أرض تحتويني كأرضي .. كان لابد من الرجوع والتوقف لحظة أمام هذا العنت .. كانما كتبت شقوتي وقت ولادتي .. حتى عودتي كانت عبئ على أبي المتعب وإخوتي الصغار وأمي المسكينة ..
ولأن الإنسان وليد إختياراته فقد حاولت قدر طاقتي أن أختار حياة كريمة وطلبتها وسعيت لها .. وماذا كانت النتيجة بعد كل هذا العمر ؟ .. لاشئ عدت من كل معاركي مع قدري بهزائم منكرة .
هل جربتم إحساس الفشل وخيبة الامل ؟ هل جربتم الحرمان وما يفعله بنفس الانسان ؟ ..
أنا آسف أنني أتحدث عن الإنسان .. ما حدث إغتال الإنسان من زمان جدا .
لايهم أن عمري ضاع وعمرنا كلنا .. ولامستقبل واضح أمام الوطن .. قاربت الرحلة على الإنتهاء وليس بيدي ما أستطيع تذكره غير ما حدث لي .. بل ما حدث لأمي وأبي وأهلي كلهم .. حتى جيراني وزملائي وكل من نعرفهم لم يفلت أحد منهم من هذه الدائرة .
صدقوني ليس حقدا عليكم .. أنتم لم تسألوا أنفسكم لم نحقد عليكم .. الحقد يا سيدي مرتبط بالظلم .. أن تظلمني ولا أستطيع رد الظلم .. ولاقانون هناك يحفظ حقي في الحياة والتواجد والكرامة .
للعلم سيدي أنني بلحظة ما مللتُ كل شئ و قررتُ الإنتحار.. تكفيني كل هذه السنوات من الشقاء .. تبدو وكانها عقوبة على حياتي بهذا البلد .. غربة ووحدة قاتلة تخنقاني وتكاد تزهق روحي .. أصابتني بالسأم من كل شيء حتى الإنتحار ..
هذا رغم أني كنت مدركا أنني سأموت كأي حشرة تافهة لن ينتبه لإختفائها أحد في هذا العالم ..
ولكني تراجعت عن الفكرة .. هل تعرف لماذا ؟ أنا لست مدينا لأحد حتى أتخلص من هذا العبئ .. أنا المجني عليه فلم أنتحر؟ .. الجاني الحقيقي هو من كان عليه أن ينتحر ..
وماذا كان سيغير إنتحاري من إحساسي بالإختناق ؟.. لاشئ وأؤكد لك أنه كان لن يغير أي شئ ..
بجانب أنني شعرت أن الإنتحار ترف لاأقدرعليه ..
أرجوكم أيها السادة القضاة حكموا ضمائركم .. هل هذه هي صورة الوطن الحقيقية ؟ هل أصبح وطنا للقبح بكل معناه ؟ .. وهل يستقيم أن يصبح وطننا الجميل وطنا للقبح وقتل الجمال ؟ ..
عذرا لانني أضعت وقتكم .. رغم أني أعلم الحكم مسبقا ولا أطلب تغييره .. ولكنها فرصة لأتكلم في وطن ممنوع فيه الكلام .. أو هي صرختي الأخيرة فلن تسمعوها بعد الآن …..
يومها أحسست أني قلت ماكان يجب أن يقال تماما .. قلته بقوة ثابتا ومتمسكا بكل حرف فيه .. حتى وإن بدوت بنظرهم كقاتل محترف بدم بارد ومجرم بلا رحمة .
كان هذا أقل ما يجب فعله وما قمت به كان مقدرا لأي منا أن يفعله .. بل كان واجبا على أبي وجدي وعمي وخالي .. وكل أب وكل جد .. مالاقوه منه ليس قليل .. ولست أدري كيف توائموا معه ؟ بل كيف عاشوا أساسا رغم كل ما حدث ..
حتى هذا السؤال أصبح لاقيمة له .. الإجابات عليه تعيدنا لنقطة الصفر باستمرار .. وأتمسك حينها بما فعلته وأيضا أتمنى أن أفعله آلاف المرات ..
تقبلت الحكم بصدر رحب ولم اعقب بشئ .. رغم صراخ أمي وأهلي كلهم .. لم ولن أندم أوأهتز .. والآن أنا أقبع في زنزانة عطنة كقبر مظلم .. لايهمني ما سيحدث لي .. أنا جندي حارب وفعل ما يجب عليه فعله .. ولايهمه ما يحدث له .. وهذا يؤهلني للنهاية وقبول ما سيحدث ..
ولأننا نعيش في سجون متداخلة حتى في داخلنا .. لم أجد إلا هذه الفضفضة لأحاسب نفسي بها .. وانتهيت لنتيجة وحيدة ومقنعة في نفس الوقت .. فقط أن أعول على وجودي أمام محكمة الله .. وسيفعل بي ما يتماشى مع عدله ورحمته .
وأخيراهذه كلماتي انشروها كآخر ما خطه قلمي .. لاأريد عطفا علي لأني راض تماما عما فعلت .. فقط أطلب ممن يقرأها أن يحكم علي بضمير حي حر هل كنت على حق أم لا ..
- رداء أحمر
- التعليقات